حذرت تصريحات مصرفية وبيانات رقابية في القاهرة من توسع التمويل الاستهلاكي في مصر إلى 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025، مع وصول عدد المتعاملين إلى أكثر من 10.8 مليون عميل؛ بعدما تركت الحكومة سوق التقسيط يتحول من وسيلة شراء إلى باب واسع للمديونية والضغط على الأسر.

 

وتتحمل الحكومة مسؤولية هذا الانفلات؛ لأنها تأخرت حتى مارس 2020 في تنظيم نشاط كان يملأ المدن والقرى منذ سنوات طويلة، بينما دفع الفقراء والثكالى والأرامل ثمن فوضى الإيصالات والشيكات والكمبيالات، ثم ظهر قطاع مرخص سريع النمو، يتحرك أحياناً أسرع من قدرة الرقابة على ضبط مخاطره.

 

 

تقسيط قديم أنتج غارمات قبل القانون

 

يمثل البيع بالتقسيط ظاهرة قديمة في المجتمع المصري، خصوصاً مع السلع المعمرة، والسيارات، ومستلزمات تجهيز الزواج؛ حيث اعتاد بعض التجار إضافة مبالغ كبيرة إلى السعر النقدي، ثم فرض إيصالات أمانة، أو شيكات، أو كمبيالات على المشترين لضمان الأقساط كاملة.

 

وبسبب هذه الممارسات، دخلت نساء كثيرات دائرة الغارمات، خاصة الأرامل والمطلقات اللاتي اشترين أجهزة لتزويج بناتهن، ثم تعثرن في سداد بعض الأقساط بسبب مرض، أو فقدان دخل، أو كارثة عائلية، فقدم التجار أوراقاً بكامل الدين رغم سداد أجزاء كبيرة منه.

 

ومن هنا تحولت مشكلة التقسيط من خلاف تجاري إلى أزمة اجتماعية تمس أسراً كاملة؛ لأن السجن لم يكن يعاقب احتيالاً منظماً بقدر ما كان يطارد أمهات حاولن ستر بناتهن، بينما غابت الدولة عن ضبط العلاقة بين التاجر والمشتري قبل وقوع الكارثة.

 

ورغم إصدار قانون التمويل العقاري عام 2001 وخضوعه لرقابة حكومية، لم تنظم الدولة التمويل الاستهلاكي الذي كان ينتشر في السوق، ثم جاء قانون الرقابة المالية عام 2009 ليشمل أسواق المال، والتأمين، والتمويل العقاري، والتأجير التمويلي، والتوريق، من دون إدخال التقسيط الاستهلاكي.

 

لذلك ظل النشاط يتحرك خارج تنظيم واضح، وظهرت شركات تمويل استهلاكي متخصصة، إلى جانب شركات تبيع السيارات، والسلع المعمرة، والأجهزة المنزلية، والهواتف المحمولة بالتقسيط، واستخدم بعضها الشركة المصرية للاستعلام الائتماني لمعرفة موقف العملاء مقابل رسوم قبل منح التمويل.

 

وفي عام 2018، أعلن رئيس شركة الاستعلام الائتماني أن 10 شركات تمويل استهلاكي تتعامل مع الشركة للحصول على بيانات العملاء، وكان هذا الرقم دليلاً مبكراً على أن السوق صار منظماً فعلياً من جانب الشركات، بينما ظلت الدولة متأخرة عن وضع إطار رقابي شامل.

 

 

شركات سريعة ورقابة متأخرة

 

جاء قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي في مارس 2020 بعد سنوات من الانتشار الفعلي، وأوكل الترخيص والرقابة إلى هيئة الرقابة المالية، ثم بدأت الشركات في توفيق أوضاعها وتقديم تقارير دورية، وأنشأت في عام 2021 اتحاداً يمثلها ويرعى مصالحها أمام الجهات المختلفة.

 

وبعد هذا التنظيم المتأخر، دخلت كيانات جديدة السوق رسمياً ونافست البنوك في تمويل شراء السلع والخدمات؛ لأن الشركات الخاصة اتخذت قرارات أسرع من البنوك، وخفّضت الفائدة نسبياً، وطوّلت فترات السداد، وقلّلت المقدّم، وخفّفت الرسوم والإجراءات لجذب الشباب.

 

كما استخدمت الشركات التكنولوجيا المالية بكثافة، فأتاحت تقديم المستندات عبر الإنترنت ومنحت موافقات سريعة من دون حضور العميل إلى مقر الشركة، ووصلت بعض الموافقات إلى أقل من ساعة، بينما بقيت البنوك أسيرة إجراءات أكثر بطئاً ومواعيد عمل لا تناسب كثيرين.

 

وفضلاً عن ذلك، اقتربت الشركات من الجمهور عبر فروع داخل المولات والأسواق، وامتدت ساعات العمل في بعضها من الصباح حتى منتصف الليل طوال الأسبوع، بينما تغلق البنوك أبوابها في يومي الجمعة والسبت، وهي أيام مناسبة أصلاً لتواصل العملاء مع جهات التمويل.

 

وبذلك ارتفع عدد شركات التمويل الاستهلاكي المرخصة إلى 48 شركة، رغم وقف استقبال تراخيص جديدة منذ أكتوبر 2024، وقفزت قيمة التمويل من 17 مليار جنيه في عام 2021 إلى نحو 30 مليارات في 2022، ثم 47 مليارات في 2023. ثم واصلت القيمة الصعود إلى 61 مليار جنيه في 2024، ثم 96.3 مليار جنيه في 2025؛ بما يعني أن نسب النمو بلغت 102% في 2021، و57% في 2022، و59% في 2023، و30% in 2024، و57% في 2025.

 

وتكشف تفاصيل الاستخدام أن السلع المعمرة استحوذت على 41% من قيمة التمويل في عام 2025، تلتها السيارات والمركبات بنسبة 20%، ثم التمويل النقدي المسبق بنسبة 13%، والمستلزمات الشخصية بنسبة 9%، والخدمات التعليمية والصحية والسياحية بنسبة 7%، والتجارة الإلكترونية بنسبة 5%.

 

وفي الاتجاه نفسه، ارتفع عدد المتعاملين من 1.3 مليون شخص في عام 2021 إلى 2.8 مليون في 2022، ثم 3.4 مليون في 2023، و4.2 مليون في 2024، قبل أن يقفز إلى 12 مليون فرد في 2025 وفق الأرقام المتداولة. وتعني هذه القفزة أن التمويل الاستهلاكي لم يعد نشاطاً هامشياً لشراء سلعة كبيرة، بل صار قناة واسعة لتغطية احتياجات يومية وموسمية، وهي نتيجة ترتبط بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، أكثر مما ترتبط بتحسن دخل الأسر أو اتساع رفاهيتها.

 

 

قطاع مصرفي موازٍ يفتح باب التعثر

 

فجّر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، الجدل حين حذر من تحول بعض شركات التمويل الاستهلاكي إلى قطاع مصرفي موازٍ، وأشار إلى أن التوسع السريع في منح التمويل قد يقود إلى موجة تعثر تهدد استقرار السوق والاقتصاد.

 

وسارعت هيئة الرقابة المالية إلى إصدار بيان يطمئن السوق بشأن دورها الرقابي، مؤكدة التزامها بضوابط الجدارة الائتمانية ومعايير الملاءة وكفاية رأس المال والسيولة، إلا أن سرعة البيان نفسها عكست حجم القلق من قطاع تضخم خلال سنوات قليلة تحت عين الدولة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن التوسع الكبير في التمويل الاستهلاكي قد يقود إلى ما يشبه الفقاعة عند احتساب مصادر التمويل المصرفية وغير المصرفية معاً، ويربط القفزة في عدد المتعاملين بتراجع القوة الشرائية وارتفاع الفقر لا بتحسن اقتصادي طبيعي.

 

ومن زاوية أخرى، يرى خبير الاقتصاد وأسواق المال مصطفى شفيع أن نشاط التمويل الاستهلاكي ينعش في فترات التضخم وتراجع الدخول الحقيقية؛ لأن المستهلك لا يستطيع شراء السلع نقداً، لكنه يحذر من التوسع دون ضوابط دقيقة تمنع التعثر وتضمن دراسة قدرة العميل على السداد.

 

ويقول مؤيدو القطاع إن شركات التمويل ساعدت على تحريك الأسواق، والحفاظ على مبيعات التجار والمصانع، وتنظيم سوق السلع المعمرة، وتقليل استغلال بعض التجار، كما رفعت الشمول المالي وأدخلت شرائح جديدة إلى التعامل الائتماني بعيداً عن البنوك التقليدية.

 

لكن الرأي المقابل يربط بين سهولة الائتمان والإفراط في المديونية؛ لأن بعض الأسر تقترض لتعيش بمظهر يفوق قدرتها المالية، بينما يرسخ الإعلام ثقافة الشراء، وتضيف بعض الشركات فوائد مرتفعة، فتزداد الضغوط داخل البيوت وقد تتسع أزمات الطلاق والتفكك الأسري.

 

القروض الاستهلاكية تزيد الضغوط التضخمية

 

كما يرى منتقدون أن القروض الاستهلاكية ترفع الطلب في اقتصاد ضعيف الإنتاجية، فتزيد الضغوط التضخمية بدلاً من علاجها، وتخلق احتمالاً لأزمة ديون مجتمعية تنفجر مع أول موجة تعثر واسعة، خصوصاً إذا كان جزء من تمويل الشركات نفسها قائماً على الاقتراض من البنوك.

 

ويربط بعض المراقبين بين تحذير عز العرب وبين محدودية نمو القروض الشخصية في البنك التجاري الدولي خلال عام 2025 بأقل من 15%، مع تركز 72% من قروضه الشخصية في القاهرة الكبرى، و22% في الإسكندرية والدلتا وسيناء، و6% فقط في محافظات الصعيد.

 

ورغم أن قيمة قروض التمويل الاستهلاكي بلغت 96.3 مليار جنيه في عام 2025 مقابل زيادة قروض الأفراد في البنوك بنحو 277 مليار جنيه، فإن الصورة تتغير عند ضم أنشطة التمويل غير المصرفي الأخرى التي تمثل جسماً اائتمانياً أوسع بكثير.

 

فقد بلغت تمويلات شركات المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر نحو 107 مليارات جنيه، ووصلت تعاملات التمويل العقاري إلى 42.7 مليار جنيه، وبلغت تمويلات التأجير التمويلي 179 مليار جنيه، لتصل حصيلة الأنشطة الأربعة إلى 425 مليار جنيه.

 

وبذلك تتجاوز هذه الأنشطة مجتمعة زيادة تمويلات البنوك للأفراد البالغة 277 مليار جنيه، رغم أن البنوك أقدم تاريخياً وتمتلك 4787 فرعاً في أنحاء البلاد، وهو فارق يطرح سؤالاً قاسياً عن رقابة حكومة تركت القطاع غير المصرفي يكبر بسرعة ثم اكتفت ببيانات الطمأنة.

 

وفي النهاية، لا تكمن خطورة التمويل الاستهلاكي في وجوده كأداة شراء منظمة، بل في حكومة تأخرت عن تنظيمه، ثم سمحت بنموه تحت ضغط التضخم والفقر، فصار التقسيط طريقاً لتسكين الأزمة لا لحلها، وباتت الأسرة المصرية بين تاجر قديم كان يهدد بالإيصال، وشركة حديثة قد تحاصرها بالدين.