كشف تقرير الحساب الختامي للموازنة العامة للعام المالي 2024/2025، في ملف وزارة الإسكان، عن وجود نحو 13300 وحدة إسكان اجتماعي جاهزة للتسليم بتكلفة تقترب من 1.5 مليار جنيه في 9 محافظات، من دون استغلال أو استفادة فعلية حتى الآن.

 

وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام اتهام مباشر بسوء التخطيط؛ لأن آلاف الأسر تنتظر شقة مدعومة منذ سنوات، بينما تترك الدولة وحدات مكتملة مغلقة في مواقع بلا طلب أو بلا مرافق، فيتحول برنامج الحماية الاجتماعية إلى أصل معطل يخسر قيمته ويهدر ثقة المواطنين.

 

 

وحدات جاهزة بلا سكان تكشف فشل اختيار المواقع

 

تبدأ الأزمة من بناء وحدات إسكان اجتماعي في مناطق لا يطلبها المواطنون؛ لأن الحكومة تعاملت مع الأرض المتاحة باعتبارها معيار التنفيذ الأول، ولم تربط قرار البناء بخريطة العمل والمواصلات والخدمات والطلب الفعلي، فخرجت عمارات كاملة من حسابات السكن إلى قوائم الأصول المعطلة.

 

وبحسب ما ورد في الحساب الختامي، لم تقف المشكلة عند 13300 وحدة جاهزة بلا استفادة، بل امتدت إلى 91118 وحدة أخرى منتهية وغير مخصصة؛ وهو رقم يكشف خللًا أوسع من مجرد تأخير إداري، لأن الدولة أنتجت وحدات ثم عجزت عن إيصالها إلى مستحقيها.

 

وتدعم قراءة الباحث العمراني يحيى شوكت هذا الاتهام، إذ سبق أن ربط أزمة المدن الجديدة بتحول التخطيط من تلبية الاحتياج السكني إلى منطق الاستثمار العقاري، وأشار إلى وجود وحدات شاغرة ضخمة في المدن الجديدة رغم استمرار بناء مشروعات جديدة خارج نطاق الطلب الحقيقي.

 

لذلك لا تستطيع الحكومة تبرير الوحدات المغلقة بعبارة "عدم وجود طلب عليها"؛ لأن الطلب على السكن قائم بين محدودي الدخل، لكن الطلب لا يذهب تلقائيًّا إلى أماكن بعيدة أو ناقصة الخدمات أو غير مرتبطة بفرص العمل، وهذا هو جوهر فشل التخطيط لا غياب الاحتياج.

 

كما أن توزيع الوحدات على 9 محافظات من دون تشغيلها فعليًّا يعني أن القرار المركزي سبق معرفة الواقع المحلي، وأن الوزارة والصندوق نفذا مشروعًا بمليارات الجنيهات قبل اختبار قدرة الموقع على جذب السكان، وهو ما يحول الإسكان الاجتماعي من حق إلى مجرد رقم في كشف الإنجازات.

 

 

عمارات منسية تتعرض للسرقة والتعديات

 

وتكشف واقعة 49 عمارة سكنية في القليوبية ومطروح والفيوم، انتهى تنفيذها منذ أكثر من 6 سنوات من دون تسليم، درجة أعلى من الإهمال؛ لأن بعض الوحدات تعرض للسرقة والنهب والتعديات بعد تركه بلا حراسة أو استغلال، بحسب ما ورد في السؤال البرلماني.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن بناء وحدات جديدة، يثبت ترك عمارات مكتملة لسنوات أن المشكلة لا تتعلق بنقص الإنشاء فقط، بل بفشل دورة المشروع كاملة من اختيار الأرض إلى توصيل المرافق ثم التخصيص والتسليم والحراسة؛ وهي مراحل كان يجب أن تخضع لرقابة يومية لا لتقرير متأخر.

 

ويرتبط هذا التعطل أيضًا بتأخر المرافق الأساسية في بعض المواقع، خصوصًا الكهرباء والصرف الصحي؛ لأن الوحدة السكنية لا تصبح صالحة للتسليم بمجرد انتهاء الخرسانة والتشطيبات، بل تحتاج إلى خدمات تضمن الحياة اليومية وتحمي السكان من عزلة عمرانية لا يستطيع محدود الدخل تحملها.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم رأي المهندس فتح الله فوزي، رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، محور الطلب الحقيقي في السوق، إذ يؤكد أن النمو السكاني يدعم الحاجة إلى العقار، وهو ما يجعل عبارة "عدم وجود طلب على الوحدات" اتهامًا للموقع لا للمواطن.

 

وعليه، يصبح ترك العمارات من دون تسليم جريمة إدارية مكتملة الملامح؛ لأن المال العام دفع تكلفة البناء ثم تحمل تكلفة التلف والسرقة والتعديات، وبعد ذلك يواجه المواطن المستحق قوائم انتظار وشكاوى وخطابات مراجعة، بينما تقف وحدات كاملة خارج الخدمة الفعلية لسنوات.

 

 

حاجزون دفعوا الأقساط ولم يتسلموا الشقق

 

في المقابل، تظهر مأساة المواطنين الذين تقدموا للحصول على وحدات إسكان اجتماعي واستوفوا الشروط من دون ظهور أسمائهم في القرعات أو التخصيصات، كما دفع آخرون مقدمات وأقساطًا على مدار سنوات طويلة ولم يتسلموا وحداتهم؛ وهو تناقض يضرب جوهر العدالة في المنظومة.

 

وبسبب هذا التناقض، تتحول أزمة الإسكان الاجتماعي إلى ملف اجتماعي حاد؛ لأن المواطن محدود الدخل لا يشتري رفاهية، بل يحجز شقة تمثل أمان أسرته واستقرار أطفاله، وعندما تؤجل الحكومة التسليم بينما تعلن وجود وحدات غير مخصصة، فإنها تهدر المال وتطيل معاناة الناس معًا.

 

ويكشف موقف المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، جانبًا آخر من الأزمة، إذ دعا إلى تيسير إجراءات التمويل العقاري ووقف العراقيل الورقية؛ وهو ما يعني أن وصول المواطن إلى الوحدة لا يتوقف على البناء وحده، بل على منظومة تمويل وتخصيص وتسليم تعمل بكفاءة.

 

لكن الحكومة لم تقدم حتى الآن خريطة علنية تربط بين الوحدات غير المستغلة والمتقدمين المستوفين للشروط، ولم تنشر جدولًا زمنيًّا واضحًا لتوصيل المرافق أو إعادة الطرح أو نقل المستحقين إلى وحدات بديلة، فبقي المواطن أمام منظومة كثيرة البيانات قليلة التسليم.

 

وهنا تفقد الأرقام الرسمية معناها؛ لأن صندوق الإسكان الاجتماعي يعلن مستهدفات ضخمة ووحدات منفذة ومبادرات تمويل، بينما يفضح الحساب الختامي وجود عشرات الآلاف من الوحدات المنتهية وغير المخصصة، وهذا الفارق بين الإعلان والتسليم هو المساحة التي تضيع فيها حقوق المواطنين.

 

 

محاسبة الحكومة شرط إنقاذ الإسكان الاجتماعي

 

لذلك تحتاج الأزمة إلى تحقيق إداري معلن لا إلى وعود جديدة، يبدأ بمراجعة اختيار مواقع الـ13300 وحدة، وحصر موقف مرافقها، وتحديد المسؤول عن ترك 49 عمارة لأكثر من 6 سنوات، وإعلان تكلفة التلف والسرقة والتعديات بالأسماء والجهات لا بصياغات عامة.

 

ثم يجب أن تربط الحكومة أي طرح جديد بتصفية الوحدات المغلقة أولًا؛ لأن بناء وحدات إضافية قبل استغلال الجاهز يعني استمرار نزيف المال العام، كما يعني أن الوزارة تكافئ الفشل بالتوسع بدلًا من معالجة جذوره في التخطيط والرقابة والتخصيص والمرافق.

 

كذلك ينبغي إنشاء قاعدة بيانات علنية للمستحقين والوحدات المتاحة والمتأخرة، بحيث يعرف كل حاجز موقعه الزمني وسبب التأخير وموعد التسليم؛ لأن غياب الشفافية يفتح الباب للشكوى والواسطة وفقدان الثقة، ويجعل المواطن يشعر أن حقه رهينة إجراء غامض لا يخضع للمساءلة.

 

وفي النهاية، لا توجد أزمة إسكان اجتماعي بسبب قلة الخرسانة، بل بسبب حكومة تبني في المكان الخطأ، وتترك وحدات مكتملة بلا مرافق أو تسليم، وتطلب من المواطنين انتظار قرارات لا تأتي، بينما تظل 1.5 مليار جنيه شاهدًا على مشروع خرج من خدمة الناس إلى دفتر الهدر.