كشفت شكاوى سكان حي الكوثر (607 عمارة سابقا) في منطقة 100 فدان بمدينة حدائق أكتوبر عن أزمة تعليمية مباشرة، بعد تأخر تشغيل مدرسة حكومية اكتمل بناؤها بنسبة 100% بتكلفة ملايين الجنيهات، ما أجبر الطلاب على مواصلة الدراسة في مدارس بعيدة عن السكن الجديد.

 

وتضع الأزمة الحكومة أمام مسؤولية واضحة، لأن الدولة نقلت آلاف الأسر إلى مشروعات إسكان اجتماعي من دون ضمان تشغيل الخدمات الأساسية في توقيت السكن، فصار ولي الأمر يدفع ثمن الانتقال يوميا في المواصلات والوقت، بينما تقف مدرسة مكتملة خلف إجراءات تسليم متأخرة.

 

 

مدرسة مكتملة وطلاب في طرق بعيدة

 

في البداية، أرسل سكان حي الكوثر استغاثة إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، ورئيس جهاز مدينة حدائق أكتوبر المهندس ياسر عبد الحليم، ومدير مديرية التربية والتعليم بالجيزة سعيد عطية، ومدير الإدارة التعليمية، للمطالبة بتشغيل المدرسة الحكومية الموجودة داخل المنطقة.

 

وبحسب شكاوى الأهالي، تعيش الأسر معاناة يومية بسبب عدم وجود مدرسة تعليم أساسي حكومية تستوعب أبناء الحي، رغم تزايد عدد السكان بعد انتقالهم إلى مشروع الإسكان الاجتماعي، ما يضطر أولياء الأمور إلى إرسال الأطفال إلى مدارس قديمة وبعيدة ومزدحمة.

 

كما أكد السكان أن المدرسة اكتمل بناؤها بالكامل وتقع في آخر المشروع، لكنها لم تدخل الخدمة حتى الآن بسبب تأخر إجراءات التسليم بين الجهات المختصة، وهو تأخر يحول مبنى تعليميا جاهزا إلى رمز لفشل التنسيق الحكومي بين الإسكان والتعليم والأبنية التعليمية.

 

ويرى الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوي والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن أزمة المدارس لا تنفصل عن حق الطفل في بيئة تعليمية آمنة وقريبة، لأن بعد المدرسة وتكدس الفصول يضعفان التركيز ويدفعان الأسر إلى الدروس الخصوصية كبديل مكلف.

 

ولهذا تبدو أزمة حي الكوثر أكثر قسوة من مجرد نقص خدمة، لأن المدرسة موجودة فعلا وليست حلما مؤجلا على الورق، لكن غياب قرار التشغيل يجعل الطلاب يدفعون ثمن التعطيل مرتين، مرة في الانتقال اليومي، ومرة في ضياع وقتهم وجهد أسرهم.

 

 

إسكان بلا خدمات واقع يحاصر محدودي الدخل

 

بعد ذلك، تكشف الشكوى خللا أوسع في إدارة مشروعات الإسكان الاجتماعي، لأن تسليم الوحدات السكنية لا يكفي وحده لصنع مجتمع صالح للمعيشة، فالأسرة تحتاج مدرسة ومواصلات ووحدة صحية وسوقا آمنا قبل أن تستقر فعليا في سكنها الجديد.

 

ومع توسع السكن في منطقة 100 فدان، لم تعد المدرسة مطلبا إضافيا أو خدمة رفاهية، بل أصبحت شرطا أساسيا لبقاء الأسر داخل الحي، لأن غياب المدرسة القريبة يرفع تكلفة الحياة اليومية ويضع عبئا خاصا على الأمهات والأطفال وأصحاب الدخول المحدودة.

 

وقد أعلن جهاز مدينة حدائق أكتوبر في أبريل 2026 الانتهاء من تنفيذ مدارس جديدة، بينها مدرسة تعليم أساسي تضم 55 فصلا وجار التنسيق لتسليمها للإدارة التعليمية، لكن عبارة جار التنسيق لم تعد مقبولة لدى السكان عندما تتحول إلى انتظار مفتوح بلا موعد تشغيل.

 

ويضع الباحث العمراني يحيى شوكت، المتخصص في سياسات الإسكان والعمران، هذه الأزمة داخل سياق أوسع يتعلق بضعف الخدمات الاجتماعية في المدن الجديدة، إذ ربط سابقا ضعف السكن الفعلي في هذه المدن بعدم توافر المواصلات والخدمات الاجتماعية اللازمة للحياة اليومية.

 

لذلك لا يمكن فصل المدرسة المغلقة عن سياسة إسكانية تسبق فيها العمارات الخدمات، فالحكومة تحتفي بعدد الوحدات المسلمة، لكنها تترك الأسرة تكتشف بعد الانتقال أن التعليم القريب غير متاح، وأن السكن الرخيص يتحول إلى كلفة يومية في المواصلات والغياب عن العمل.

 

 

حق التعليم لا ينتظر إجراءات التسليم

 

في المقابل، لا يقدم تأخر التسليم بين الجهاز والإدارة التعليمية مبررا مقنعا للأهالي، لأن الطفل لا يفهم دورة المستندات بين الجهات، وولي الأمر لا يستطيع تعليق يومه الدراسي على خطاب لم يخرج أو لجنة لم تنعقد أو محضر استلام لم يكتمل.

 

كما يطالب السكان بسرعة إنهاء إجراءات استلام وتسليم المدرسة بين الجهات المختصة، وبدء تشغيلها في أقرب وقت، حتى تستقبل أبناء حي الكوثر وتخفف الضغط عن المدارس البعيدة، لأن استمرار الوضع الحالي يهدد استقرار الطلاب النفسي والتعليمي داخل الأسر الجديدة.

 

ويؤكد الدكتور رضا مسعد، أستاذ المناهج وطرق التدريس ورئيس قطاع التعليم العام الأسبق، أن الإدارة التعليمية الجيدة تبدأ من التخطيط للفصول والمدارس وفق احتياجات السكان، لا بعد تراكم الشكاوى، لأن تأخر فتح مدرسة مكتملة يعني إهدارا مباشرا لطاقة المبنى وحق الطالب.

 

كذلك يربط أولياء الأمور بين غياب المدرسة وتكدس المدارس التي يلجأون إليها خارج المنطقة، فكل طالب ينتقل من الكوثر إلى مدرسة بعيدة يضيف ضغطا جديدا على فصل مزدحم أصلا، ويزيد وقت الانتقال، ويضع الأسرة أمام تكاليف شهرية لا تناسب مشروع إسكان اجتماعي.

 

ومن هنا يصبح تشغيل المدرسة اختبارا بسيطا لجدية الحكومة، فالقرار لا يحتاج إلى وعود كبرى ولا مشروعات جديدة، بل يحتاج جدولا زمنيا معلنا لاستلام المبنى، وتجهيز الإدارة، وتحديد الصفوف المستهدفة، وفتح باب التحويل قبل ضياع عام دراسي جديد على الطلاب.

 

وفي المحصلة، تظهر أزمة حي الكوثر أن الحكومة لا تعاني من غياب المباني فقط، بل من بطء إداري يحول المبنى الجاهز إلى خدمة معطلة، ويحول حق التعليم إلى طلب استغاثة، بينما يقطع الأطفال مسافات طويلة للوصول إلى مدرسة كان يجب أن تكون بجوار البيت.

 

وتبقى الخلاصة أن سكان 100 فدان في حدائق أكتوبر لا يطالبون بميزة خاصة، بل يطالبون بحق أساسي في مدرسة حكومية قريبة وآمنة، فالدولة التي سلمت السكن مطالبة بتسليم الخدمة، وإلا صار مشروع الإسكان الاجتماعي عنوانا ناقصا لا يكتمل إلا على حساب الأسر.