سلط موقع "أفريكان أرجومنتس" الضوء على قرار حكومة جنوب السودان بإنهاء العمليات العسكرية المصرية في ولاية أعالي النيل، فيما وصفته وسائل إعلام إثيوبية بأنه دليل على تراجع النفوذ المصري في القرن الأفريقي، ورفض لما وصفه البعض بالهيمنة المصرية التقليدية في سياسات حوض النيل. 

 

وذكرت تقارير أن منظمات مراقبة أوروبية وأمريكية، من بينها محللون أمنيون تابعون لبرنامج أوروبا الخارجي مع أفريقيا (EEPA) وشركات استشارية في مجال المخاطر الجيوسياسية، اعتبرت هذا التطور تحولاً هامًا محتملاً في البنية الأمنية لحوض النيل.

 

وإذا تم تأكيد القرار، فسيمثل ذلك أهم إعادة ضبط للعلاقات بين مصر وجنوب السودان منذ استقلال الأخير في عام 2011.

 

العلاقات بين مصر وجنوب السودان: من الشراكة الاستراتيجية إلى الغموض الاستراتيجي

 

منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، رسّخت مصر مكانتها كأحد الشركاء الخارجيين الرئيسين لجوبا من خلال المساعدة التقنية، والتعاون التعليمي، ومشاريع الري، والدبلوماسية الطبية. وقد استثمرت القاهرة بكثافة في بناء علاقات طيبة مع الدولة الجديدة، وقدمت منحًا دراسية، ودعمًا للقطاع الصحي، إضافة إلى مبادرات تعليمية مثل فرع جامعة الإسكندرية في جوبا.

 

وإلى جانب المساعدات التنموية، اتسمت العلاقة ببعد استراتيجي واضح. فقد نظرت مصر إلى جنوب السودان كشريك جنوبي أساسي ضمن معادلة حوض النيل الأوسع، لا سيما في ظل تصاعد التوترات بشأن سد النهضة الإثيوبي وتنامي التنسيق بين دول حوض النيل. 

 

وتُعد مياه النيل حيوية للزراعة المصرية والاقتصاد عمومًا، مما يعني أن القاهرة سعت لأكثر من قرن إلى الحد من كمية المياه المحتجزة والمستخدمة في أعالي النهر، في الدول الأقرب إلى منبعه، وذلك عبر القنوات الدبلوماسية. وقد أدى هذا إلى معارضة مصر لمشروع سد النهضة في إثيوبيا.

 

وبالنسبة للقاهرة، يقول التقرير إن الحفاظ على النفوذ في جوبا لم يكن مجرد مسألة تتعلق بالعلاقات الثنائية؛ بل كان يشكل جزءًا من جهد أوسع للحفاظ على العمق الاستراتيجي على طول ممر النيل الأبيض والحفاظ على ثقل سياسي موازن للنفوذ الإثيوبي المتنامي في شرق إفريقيا.

 

الوجود العسكري االمصري


تعود جذور الوجود المصري في ولاية أعالي النيل إلى اتفاقيات التعاون الدفاعي والأمني التي أبرمت بين القاهرة وجوبا عام 2021. وركزت هذه الاتفاقيات رسميًا على التدريب العسكري، والمساعدة التقنية، والتنسيق الاستخباراتي، والتعاون الأمني الأوسع نطاقًا.

 

وتزامن توقيت الاتفاق مع ذروة التوترات المتعلقة بمفاوضات سد النهضة. وفي ظل هذا المناخ الاستراتيجي الأوسع، وفّر الوجود العسكري لمصر قربًا استراتيجيًا معززًا من الحدود الإثيوبية خلال إحدى أكثر الفترات حساسية في تاريخ السياسة الحديثة لحوض النيل.

 

ويعكس هذا الانتشار ما وصفه العديد من المحللين الإقليميين بأنه وضع "مراقبة متقدمة"- وهو ليس انتشارًا عسكريًا هجوميًا بقدر ما هو محاولة لتعزيز الوعي الظرفي لمصر في بيئة إقليمية سريعة التطور.

 

الأهمية الاستراتيجية لممر جوت-باجاك


يُعدّ ممر جوت-باجاك منطقة حدودية تربط مدينة باغاك في جنوب السودان بالحدود الإثيوبية المجاورة. وتحتل هذه المنطقة الحدودية موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، إذ تربط القرن الأفريقي وحوض أعالي النيل بالمنطقة السودانية المضطربة.

 

ومن منظور أمني، فإن التواجد في المنطقة قد يسمح بمراقبة معززة للتحركات العسكرية واللوجستية والسياسية عبر الحدود في جميع أنحاء منطقة الحدود الأوسع.

 

وكان للموقع أيضًا قيمة رمزية. ففي وقت تتشابك فيه سياسات حوض النيل بشكل متزايد مع حسابات الأمن الإقليمي، فإن أي وجود عسكري أجنبي بالقرب من الحدود الإثيوبية يكتسب حتمًا أهمية تتجاوز نطاقه العملياتي المباشر.

 

طبيعة الحضور العسكري 


أشارت التقارير الإقليمية إلى أن الوجود المصري يتألف من حوالي 250 فردًا عسكريًا وفنيًا يعملون في مجالات الدعم والتدريب والمراقبة والاتصالات.

 

ولفتت تقارير إلى وجود قدرات استطلاعية، تشمل عمليات الطائرات المسيّرة وأنظمة مراقبة الاتصالات. مع ذلك، لا يزال من الصعب التحقق بشكل مستقل من معظم المعلومات بهذا الصدد، كما أن التفاصيل الرسمية المتعلقة بالنطاق الدقيق وطبيعة الانتشار لا تزال محدودة.

 

لكن ما يبدو واضحًا هو أن هذا الوجود حمل معلومات وقيمة استراتيجية تجاوزت حجمه المتواضع نسبيًا.

 

اتفاقية عنتيبي 


شكّل انضمام جنوب السودان إلى اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل (اتفاقية عنتيبي) في أواخر عام 2024 تحولاً رمزيًا وسياسيًا هامًا. فمن خلال تقاربها بشكل أوثق مع دول أعالي النيل التي تدعو إلى ترتيبات منقحة لتقاسم المياه، تخلّت جوبا عن موقف مصر الطويل الأمد في الدفاع عن حصص المياه التاريخية والأطر القانونية التي تركز على دول المصب.

 

تجنب الوقوع في فخ المنافسة الإقليمية بالوكالة


وأدى تصاعد حدة الصراع في السودان خلال عام 2026 إلى زيادة المخاوف في جوبا من التورط في صراعات إقليمية أوسع نطاقًا تشمل مصر وإثيوبيا وقوى سودانية. وبالنسبة لقيادة جنوب السودان، قد يُمثل تقليص التحالفات العسكرية الأجنبية الظاهرة محاولةً للحفاظ على الحياد الاستراتيجي وتجنب التحول إلى ساحة لمواجهة غير مباشرة بين القوى الإقليمية الكبرى.

 

الاعتماد الاقتصادي والاستراتيجي على إثيوبيا


ومع استمرار حالة عدم الاستقرار التي تهدد طرق تصدير النفط التقليدية عبر السودان، بات جنوب السودان يعتمد بشكل متزايد على شراكات اقتصادية ولوجستية بديلة داخل شرق أفريقيا. ونتيجة لذلك، ازدادت أهمية الثقل الاقتصادي لإثيوبيا وشبكات النقل التابعة لها ونفوذها السياسي في حسابات جوبا طويلة الأجل. وفي الوقت نفسه، تشجع آليات التكامل الإقليمي في شرق أفريقيا بشكل متزايد على تنويع الجهود الدبلوماسية بدلاً من الاعتماد الاستراتيجي الحصري على أي جهة خارجية واحدة.

 

تأكيد السيادة الاستراتيجية


قد تعكس هذه الخطوة أيضًا تحولاً نفسيًا وسياسيًا أوسع نطاقًا داخل نظام الحكم في جنوب السودان نفسه. فمع ترسيخ البلاد لمؤسساتها تدريجيًا، تبدو جوبا أكثر عزمًا على إثبات أنها ليست مجرد امتداد للأجندات الجيوسياسية للقوى الإقليمية الكبرى، بل كيان مستقل يسعى إلى تحقيق استراتيجيته الخاصة لتحقيق التوازن.

 

النفوذ الإسرائيلي والخليجي 


ويفسر بعض المراقبين الاستراتيجيين المصريين هذا التطور في سياق أوسع يتمثل في توسع النفوذ الإسرائيلي والخليجي في منطقتي البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومنذ استقلال جنوب السودان، حافظت إسرائيل على علاقات دبلوماسية مع جوبا، وعملت باستمرار على تطوير شراكات استراتيجية أوسع نطاقًا في جميع أنحاء شرق أفريقيا.

 

لكن التقرير أشار إلى عدم وجود أي دليل على تورط إسرائيلي مباشر في القرار المذكور. مع ذلك، يسود اعتقادٌ في الأوساط الاستراتيجية بالقاهرة بأن توسيع العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجية الإسرائيلية مع دول حوض النيل قد يمنح إسرائيل نفوذًا غير مباشر على مصر، وذلك بتعقيد موقف القاهرة الإقليمي في سياسات مياه النيل وحسابات الأمن الإقليمي الأوسع. وللتصورات، بغض النظر عن دقتها، تأثيرٌ سياسيٌّ كبيرٌ في توجيه السياسات.

 

انتكاسة لقدرات مصر الاستخباراتية


بالنسبة لمصر، قد تكون التداعيات العسكرية العملية أقل مما كانت عليه قبل عدة سنوات. ومع تشغيل سد النهضة بالفعل، فإن الخوف المباشر من تعطيل المشروع أقل بكثير مما كان عليه خلال المراحل السابقة من الإنشاء.

 

مع ذلك، فإن فقدان الوجود الاستراتيجي المصري قرب الحدود الإثيوبية، أو حتى تقليصه، سيظل يمثل انتكاسة ملحوظة لقدرات مصر الاستخباراتية الإقليمية وفهمها للأوضاع. كما أنه سيعزز، من الناحية الرمزية، التصورات السائدة حول تراجع النفوذ المصري في أجزاء من منطقة أعالي النيل والقرن الأفريقي.

 

وبالنسبة لجنوب السودان، قد تكون الأهمية السياسية أكبر من الأهمية العسكرية. إذ يشير القرار إلى محاولة لإعادة تموضعها كفاعل إقليمي مستقل قادر على إعادة ضبط التحالفات وفقًا للمصالح الوطنية المتطورة بدلاً من التحالفات الجيوسياسية الموروثة.

 

ويكمن التحدي الأعمق الذي يواجه مصر في الموقع الجغرافي الذي يمثل نقطة ضعف استراتيجية دائمة لا يمكن تعويضها بالدبلوماسية الثنائية وحدها. وقد أدركت دول المنبع تدريجيًا أن التضامن والمفاوضة الجماعية يحققان نتائج ملموسة. تواجه مصر معضلة هيكلية بلا حل واضح: فنفوذها داخل حوض النيل يعتمد على علاقات سياسية قابلة للتغيير بطبيعتها، بينما اعتمادها على النيل مطلق وغير قابل للتفاوض.

https://africanarguments.org/2026/05/the-pagak-pivot-south-sudans-strategic-realignment-and-the-transformation-of-nile-basin-politics/