ينظر معارضون إلى قرار نيابة الشؤون الاقتصادية وغسل الأموال التابعة للنيابة العامة حجب حسابات 11 شخصًا على ست منصات للتواصل الاجتماعي داخل البلاد، بعد اتهامهم بنشر "محتوى مسيء" لمؤسسات الدولة وبث خطابات تحريضية ومعلومات مغلوطة "تثير الفتنة والكراهية بين أطياف الشعب" على أنه يعمق أزمة حرية التعبير في البلاد، بعد نحو 13 عامًا على الانقلاب على حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي.
ضمت القائمة الممثل عمرو واكد، المقيم خارج مصر، والذي يواجه أحكامًا غيابية في قضايا تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإهانة مؤسسات الدولة، إلى جانب يحيى موسى المقيم في تركيا، المدرج على قوائم الإرهاب في مصر والصادر بحقه حكم بالإعدام.
كما شمل القرار عددًا من الإعلاميين وصانعي المحتوى السياسي، من بينهم مقدّم البرامج محمد ناصر، والصحفي أسامة جاويش، وصانع المحتوى عبدالله الشريف، والصحفي سامي كمال، إضافة إلى الناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، وصانع المحتوى خالد السيرتي.
وتضمنت القائمة كذلك شريف عثمان، صانع محتوى سياسي معارض مقيم في الولايات المتحدة، وهو ضابط سابق بالقوات المسلحة، وقد أوقف في الإمارات عام 2022 استنادًا إلى نشرة حمراء صادرة عن الإنتربول قبل إخلاء سبيله لاحقًا، إلى جانب هشام صبري، وهو باحث أمني وصانع محتوى معارض مقيم في الولايات المتحدة وسبق أن عمل في وزارة الداخلية.
تقويض حرية التعبير
ويُعدّ القرار، الصادر في القضية رقم 1038 لسنة 2026، جزءًا من القيود الرقمية التي تفرضها سلطات الانقلاب ، بهدف تقويض حرية التعبير والحصول على المعلومات.
وقالت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية إن هذا الإجراء يأتي في ظل تصاعد ملحوظ في ممارسات القمع العابرة للحدود التي تمارسها السلطات المصرية، حيث تسعى الدولة إلى إسكات ومعاقبة وفرض سيطرتها على الأصوات المعارضة والمستقلة العاملة خارج نطاق سلطتها المحلية.
واعتبرت أن القرار يعكس نمطًا راسخًا من الرقابة الرقمية الممنهجة داخل مصر. فمنذ تولي عبدالفتاح السيسي السلطة، انتهجت السلطات سياسة واسعة النطاق لحجب المواقع الإلكترونية، مستهدفةً على وجه الخصوص وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات حقوق الإنسان والمنصات السياسية.
وبلغت هذه السياسة ذروتها مع انطلاق حملات الحجب واسعة النطاق عام 2017، حين حُجبت عشرات المواقع الإخبارية دون أي أساس قانوني معلن. ومنذ ذلك الحين، توسع نطاق الحجب تدريجيًا ليشمل مئات المواقع الإلكترونية على مدى السنوات اللاحقة.
وتشير التقديرات إلى حجب أكثر من 600 موقع، بما في ذلك عشرات المنصات الصحفية المستقلة ومواقع منظمات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى أدوات تُستخدم للتحايل على الرقابة، مما يعكس سياسة شاملة تهدف إلى السيطرة على الفضاء المعلوماتي.
ويستند القرار إلى أحكام قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية وجرائم تكنولوجيا المعلومات (المادة 7) ، التي تمنح السلطات صلاحيات واسعة لحجب المحتوى الإلكتروني الذي يُعتبر تهديدًا "للأمن القومي" أو "للاقتصاد القومي".
مصطلحات غامضة
وقالت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية إن هذه المصطلحات غامضة وغير محددة بدقة، وتفتقر إلى شرطي الضرورة والتناسب، مما يسمح بتفسيرها بشكل تعسفي. ولذلك، تُستخدم هذه المصطلحات كأدوات لتقييد حرية التعبير السلمي المشروع بدلًا من حماية النظام العام.
وعلاوة على ذلك، اعتبرت أن غياب الشفافية بشأن الأساس القانوني الذي بُني عليه القرار القضائي المشار إليه في الأمر، يحرم الأفراد المتضررين والجمهور من الرقابة والمساءلة الضروريتين.
وقالت إن القرار يتماشى مع نمط إقليمي متنامٍ يتجاوز حجب المواقع الإلكترونية التقليدية ليستهدف حسابات التواصل الاجتماعي الشخصية. فقد اتخذت السلطات في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إجراءات مماثلة لتقييد الوصول إلى المحتوى المتعلق بحقوق الإنسان ومحتوى المعارضة، وذلك من خلال طلبات حكومية لتقييد المحتوى داخل الدولة (ما يُعرف بـ"الحجب الجغرافي").
وحذرت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية، الحكومة المصرية وغيرها من الحكومات في الشرق الأوسط من توسيع نطاق استخدام هذا الشكل الناشئ من أشكال الحجب لترسيخ السيطرة وفرض الهيمنة الأمنية على مساحات التعبير، في انتهاك لالتزاماتها الدولية وبطريقة تشكل تهديدًا خطيرًا لحرية الرأي والتعبير.
ودعت السلطات المصرية، ونظيراتها في السعودية والإمارات، إلى وقف سياسات حجب المواقع الإلكترونية واستهداف حرية التعبير على الإنترنت، ورفع القيود المفروضة على المواقع الإلكترونية والحسابات الشخصية، وإنهاء ممارسات القمع العابر للحدود.
ردود فعل المشمولين بقرار الحجب
في الإطار، انتقد عدد من الإعلاميين المصريين في الخارج، والمشمولين بقرار الحجب، الخطوة، معتبرين إياها تقييدًا لحرية الرأي.
ودون الممثل المعارض والمقيم في الخارج عمرو واكد، على حسابه بمنصة "إكس"، قائلاً إن "هذه الأنظمة العربية المهترئة تعلنها بكل وضوح وبلا حياء أنها خصيمة الحجة، ولم تعد تستحمل مواجهة الكلمة".
وسخر الحقوقي المعارض هيثم أبو خليل من القرار، مدوناً على المنصة نفسها: "تخيل لما نظام يحظر حسابك... ولا يحظر المواقع الإباحية!!! أنت متخيل؟"
وقال الإعلامي المعارض أسامة جاويش، في مقطع فيديو نشره عبر حسابه على "فيسبوك"، إن السلطات المصرية تسير على خطى الإمارات في التعامل مع حسابات الأصوات المعارضة على المنصات الاجتماعية، مضيفًا: "بعد الإمارات.. النظام المصري يقلّد ويحجب كافة حساباتي الشخصية على منصات إكس وميتا ويوتيوب داخل مصر بقرار من النيابة العامة المصرية".
وأشار جاويش إلى أن مثل هذه الإجراءات قد تؤدي إلى زيادة عدد متابعيه، وليس الحد منهم، مضيفاً: "أتحداكم لو تثبتوا الاتهامات التي تقولوها".

