كشفت تقارير حقوقية وصحفية أن عيد الأضحى يحل على آلاف المعتقلين السياسيين في مصر باعتباره العيد رقم 25 منذ منتصف 2013، وبينهم من يقضي عيد الأضحى رقم 13 داخل السجون، بينما تنتظر أسرهم في القاهرة والمحافظات زيارة قصيرة أو قرار إفراج لا يصل.
وتضع هذه الوقائع ملف الزيارات والعفو والسجون في قلب أزمة سياسية وإنسانية واحدة، لأن الحكومة تستخدم المناسبة الدينية لإعلان إجراءات محدودة، بينما تواجه الأسر قيود التفتيش والانتظار وتقليص الوقت، فيتحول العيد من مساحة عائلية إلى امتداد عملي للعقوبة خارج الزنازين.
الزيارة الاستثنائية تتحول إلى اختبار للكرامة الأسرية
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية في يونيو 2025 منح نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل زيارة استثنائية واحدة بمناسبة عيد الأضحى، لكن هذا الإعلان الرسمي لم ينه معاناة الأسر التي تحتاج إلى رحلة طويلة وتصاريح وانتظار وتفتيش قبل لقاء لا يعوض شهور الغياب.
على الأرض، وثقت شهادات أسر أن الزيارة الاستثنائية لا تمنح العائلة حقًا كاملًا في التواصل، لأن بعض الأهالي يقضون ساعات أمام البوابات من أجل دقائق قليلة، بينما يحمل الأطفال وكبار السن الطعام والملابس والأدوية وسط إجراءات تحول الزيارة إلى عبء نفسي ومادي.
لذلك، تقول نجية بونعيم، مديرة الحملات لشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن القيود التعسفية على زيارات الأسر تحرم المحتجزين من التواصل مع ذويهم، وتحرم بعضهم من الدواء والطعام والملابس، وهو توصيف يضع الزيارة في خانة الحق لا المجاملة.
وبحسب إفادات نقلتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في يناير 2025، اشتكى محتجزون في سجن العاشر من رمضان 6 من قصر الزيارة إلى 20 دقيقة مرة واحدة شهريًا، رغم أن اللائحة تكفل للمحبوسين احتياطيًا ساعة كاملة مرة كل أسبوع.
ومع ذلك، تقدم الحكومة الزيارة الاستثنائية كدليل رعاية، بينما تكشف التفاصيل أن الأسرة تخضع لسلطة تقديرية واسعة عند البوابة والزجاج وغرفة التفتيش، فتفقد المناسبة معناها، ويصبح العيد موعدًا جديدًا لتذكير الأم والزوجة والطفل بأن القرب من المعتقل مشروط أمنيًا.
العفو الغائب يضاعف غضب الأسر قبل صلاة العيد
ثم تأتي قرارات العفو الرئاسي لتفتح جرحًا ثانيًا، لأن الجريدة الرسمية نشرت في مايو 2025 قرارًا بالعفو عن باقي العقوبة لبعض المحكوم عليهم بمناسبة عيد الأضحى، بينما قال حقوقيون إن سجناء الرأي ظلوا خارج القوائم رغم طول مدد الحبس.
في هذا السياق، قال المحامي طارق العوضي، عضو لجنة العفو الرئاسي، إن التناقض بين كثافة قرارات العفو التي تشمل محكومين في قضايا جنائية وبين تجاهل سجناء الرأي يطرح سؤالًا صارخًا عن رسالة الدولة، وهذا الرأي يمنح محور العفو بعدًا قانونيًا مباشرًا.
وبناء على ذلك، لا ترى أسر المعتقلين في العفو الموسمي بابًا مفتوحًا، بل ترى فيه وعدًا سياسيًا ناقصًا، لأن السلطة تختار المستفيدين وفق حسابات لا تعلنها بوضوح، بينما ينتظر محبوسون بسبب قضايا رأي نهاية حبس احتياطي تحول إلى عقوبة مكتملة.
كما طالب نقيب الصحفيين خالد البلشي في مايو 2025 بإخلاء سبيل 23 صحفيًا رهن الحبس الاحتياطي منذ مدد تتراوح بين عامين و5 أعوام وحتى 7 أعوام، وربط مطلبه بقرار سياسي وإنساني يفتح باب العيد أمام سجناء الرأي.
ومن هنا، يتسع غضب الأسر لأن الحكومة تملك أدوات الإفراج ولا تستخدمها مع المعارضين السلميين، وتملك سلطة تخفيف العقوبة ولا توجهها إلى من حبسوا بسبب كتابة أو رأي أو عمل سياسي، فتتحول فرحة العيد إلى انتظار إداري طويل بلا موعد واضح.
العزل داخل السجون يحمل الأسرة ثمنًا خارج الزنزانة
في زاوية أوسع، لا تبدأ معاناة العيد عند باب السجن فقط، لأن سياسات العزل وتقليص التريض وندرة الرسائل تجعل الأسرة شريكًا قسريًا في العقوبة، فالأم تنتظر خبرًا، والزوجة تدير بيتًا ناقصًا، والطفل يتعلم معنى الغياب قبل أن يفهم سبب الاعتقال.
ولهذا كتب خالد داوود، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية وسجين الرأي السابق، عن قسوة الأعياد داخل السجون، وقال إن السجناء كانوا يكرهون الإجازات الرسمية لأنها تعني إغلاق الزنازين ومنع التريض، وهذا الرأي يدعم زاوية الأثر اليومي لا السياسي فقط.
وبالتوازي، رصدت تقارير حقوقية أن بعض السجون الجديدة التي تسميها الحكومة مراكز إصلاح وتأهيل تفرض على الأهالي تكلفة انتقال أعلى بسبب بعدها، بينما تحد القيود من المراسلات والزيارات، فتدفع الأسرة مالًا وجهدًا ووقتًا كي تحصل على تواصل محدود.
كذلك، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن جلسات تجديد الحبس في بعض الحالات أصبحت وسيلة وحيدة للمحامين لمعرفة أوضاع موكليهم داخل سجون بدر، وهذا يعكس إغلاق قنوات التواصل الطبيعي بين المحتجز والعائلة والمحامي تحت غطاء إداري وقضائي مشدد.
وفي النتيجة، لا يعيش المعتقل العيد وحده داخل الزنزانة، لأن أسرته تعيش نسخة خارجية من الحبس عبر الانتظار والتكلفة والقلق والمنع، ولذلك تبدو عبارة فرحة مؤجلة وصفًا دقيقًا لحياة عائلات لا تطلب امتيازًا بل تطلب زيارة ودواء وخبرًا وقرار إفراج.
وختاما يكشف عيد الأضحى عن سياسة حكومية لا تكتفي بحبس الأجساد، بل تمد أثر الحبس إلى البيوت والزيارات والأعياد، فالعفو يظل انتقائيًا، والزيارة تظل مقيدة، والأسرة تظل واقفة بين تصريح وتأجيل وبوابة، بينما يحتاج آلاف المعتقلين إلى قرار ينهي الغياب لا بيان يزينه.

