كشفت أزمة العاملين بنظام «السركي» داخل المستشفيات والمعاهد التعليمية في مصر اتساع فجوة الأجور وغياب الحماية الوظيفية، بعدما واصل آلاف العاملين العمل بأجور يومية لا تشمل الإجازات الرسمية أو المرضية، رغم مطالبة نواب في البرلمان بتطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه على العاملين المتعاقدين داخل مستشفيات كبرى بينها مستشفى بنها التعليمي ومستشفى الجلاء التعليمي للولادة، وسط استمرار تعطيل إجراءات التثبيت وتبادل المكاتبات بين الجهات الحكومية دون حسم فعلي للأزمة.
ربطت الأزمة الحالية بين تراجع أوضاع العاملين داخل القطاع الصحي وسياسات حكومية اعتمدت التوسع في التعاقدات المؤقتة داخل المؤسسات العامة خلال السنوات الأخيرة، بينما استمرت وزارة الصحة ووزارة المالية في استبعاد آلاف العاملين من المزايا الوظيفية الأساسية، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الإداريين والعمال والأطقم الفنية للعمل دون تأمين اجتماعي أو صحي كامل، في وقت تعتمد فيه المستشفيات التعليمية على هذه العمالة لتغطية العجز المتزايد داخل المنظومة الطبية.
أجور متدنية وعقود مؤقتة تدفع العاملين إلى حافة الفقر
يعمل آلاف الموظفين داخل المستشفيات التعليمية بنظام «السركي» الذي يعتمد على احتساب الأجر وفق عدد أيام العمل الفعلية، ما يعني عملياً أن العامل يفقد دخله بالكامل خلال الإجازات الرسمية أو المرضية، بينما لا يحصل على بدلات ثابتة أو حوافز دورية أسوة بالعاملين المثبتين داخل الجهاز الإداري للدولة.
وفي المقابل، أقرت بعض المستشفيات زيادات محدودة على الأجور خلال الشهور الأخيرة لمواجهة التضخم المتصاعد، إلا أن هذه الزيادات بقيت بعيدة عن الحد الأدنى للأجور الذي أعلنت الحكومة تطبيقه على العاملين بالدولة، ما أبقى شريحة واسعة من العاملين تحت ضغط معيشي متواصل مع ارتفاع أسعار الغذاء والإيجارات والخدمات الأساسية.
كما يواجه العاملون بنظام السركي أزمة مضاعفة بسبب غياب المظلة التأمينية، إذ يفتقر كثير منهم إلى التأمين الصحي والاجتماعي الكامل، رغم عمل بعضهم لسنوات طويلة داخل المستشفيات التعليمية، وهو ما يحرمهم من معاشات مستقرة أو تعويضات إصابة العمل أو حقوق نهاية الخدمة.
وأوضح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن استمرار تشغيل العاملين بعقود مؤقتة داخل القطاع الصحي يعكس محاولة حكومية لخفض فاتورة الأجور على حساب الاستقرار الاجتماعي للعاملين، مؤكداً أن الدولة تعتمد فعلياً على عمالة تؤدي وظائف دائمة بينما ترفض منحها الحقوق الوظيفية الكاملة التي يقرها قانون العمل.
وأضاف الميرغني أن تجاهل تطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين المتعاقدين يخلق سوق عمل مزدوجاً داخل المؤسسة الواحدة، حيث يؤدي العاملون المهام نفسها مقابل رواتب وامتيازات مختلفة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين داخل المستشفيات العامة والتعليمية.
البرلمان يواجه الحكومة بملف التثبيت المؤجل منذ سنوات
تقدم النائب ياسر منصور قدح بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء الصحة والمالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، مطالباً بحسم أوضاع العاملين بنظام السركي داخل وحدات الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية، بعد سنوات من استمرار العقود المؤقتة دون تثبيت.
وأكد النائب أن الإداريين والعمال وأفراد الأمن والأطقم الفنية داخل مستشفيات تعليمية كبرى لم يستفيدوا حتى الآن من قرار الحد الأدنى للأجور، رغم صدور القرارات المنظمة لذلك، مشيراً إلى أن العاملين يتحملون أعباء تشغيلية يومية داخل مؤسسات تعتمد عليهم بصورة أساسية في تسيير العمل.
واتهم قدح الجهات الحكومية بمواصلة التسويف الإداري عبر تبادل المكاتبات بين الهيئة العامة للمستشفيات التعليمية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة دون اتخاذ قرار نهائي بشأن التثبيت، ما ترك مئات الأسر في حالة قلق دائم بسبب غياب الأمان الوظيفي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، قال أستاذ الإدارة العامة محمد كمال إن الأزمة الحالية تعكس خللاً إدارياً ممتداً داخل مؤسسات الدولة، موضحاً أن استمرار العامل لسنوات داخل وظيفة دائمة دون تثبيت يعني عملياً تحايل المؤسسة على القواعد المنظمة للتعيين والترقي والحقوق المالية.
وأشار كمال إلى أن تعطيل التثبيت لا يرتبط فقط بالأعباء المالية، بل يكشف أيضاً غياب قاعدة بيانات واضحة للعاملين المؤقتين داخل القطاع الصحي، وهو ما سمح باستمرار العقود الهشة لسنوات دون رقابة برلمانية أو مراجعة إدارية حقيقية من الجهات المختصة.
كذلك طالب النائب بإحالة الملف إلى لجنة الصحة بمجلس النواب لمناقشته بصورة عاجلة بحضور الوزراء المعنيين، مؤكداً تمسكه بمتابعة الملف حتى حصول العاملين على حقوقهم المالية والوظيفية، في ظل اعتماد المنظومة الصحية عليهم باعتبارهم جزءاً رئيسياً من تشغيل المستشفيات التعليمية.
الأطقم الطبية وحملة الدراسات العليا خارج مظلة العدالة الوظيفية
سلط طلب الإحاطة البرلماني الضوء على أوضاع الكيميائيين والأطقم الطبية من حملة الماجستير والدكتوراه العاملين بنظام السركي، بعدما استمرت الجهات الحكومية في تشغيلهم بعقود مؤقتة رغم امتلاكهم مؤهلات علمية متقدمة تحتاجها المستشفيات والمعامل التعليمية بصورة مباشرة.
ويؤدي هؤلاء العاملون مهام تخصصية داخل الوحدات الطبية والمعامل وأقسام التحاليل، بينما ترفض الجهات الإدارية تسوية أوضاعهم الوظيفية أو منحهم درجات مالية تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى البحث عن فرص عمل بديلة خارج القطاع الحكومي أو خارج البلاد.
ومن جانبه، قال استشاري إدارة المستشفيات أحمد السيد النجار إن استمرار تشغيل الكفاءات الطبية بعقود يومية يضعف قدرة المستشفيات التعليمية على الاحتفاظ بالعناصر المؤهلة، خاصة مع تراجع الرواتب مقارنة بحجم الأعباء المهنية والضغوط اليومية داخل القطاع الصحي الحكومي.
وأضاف النجار أن غياب التدريب والترقيات عن العاملين المؤقتين ينعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمة الصحية، لأن المؤسسات تحرم نفسها من تطوير كوادرها المهنية، بينما تستمر في الاعتماد على نظام تشغيل مؤقت لا يوفر الاستقرار للعامل أو للمرفق الطبي نفسه.
وفي الوقت نفسه، طالب النائب ياسر قدح وزارتي الصحة والمالية بصرف الحد الأدنى للأجور لجميع المتعاقدين بأثر رجعي، مع وضع جدول زمني ملزم للانتهاء من تثبيت العاملين المستوفين للشروط، إلى جانب فتح تحقيق عاجل بشأن تعطيل المراسلات الرسمية بين الجهات المعنية ومحاسبة المسؤولين عن تأخير تسوية الأوضاع الوظيفية.
وبينما تتواصل الشكاوى داخل المستشفيات التعليمية، يواجه العاملون بنظام السركي واقعاً مهنياً يفتقد الحد الأدنى من الاستقرار، إذ تستمر الحكومة في الاعتماد على العمالة المؤقتة لسد العجز داخل المؤسسات الصحية دون منحها حقوقاً متساوية، رغم تصاعد الأزمات الاقتصادية واتساع معدلات الفقر بين العاملين بأجر يومي داخل القطاع العام.

