يصطف آلاف الفلسطينيين كل يوم أمام المخابز القليلة التي ما زالت تعمل في قطاع غزة، بينما يتحول الحصول على ربطة خبز إلى مهمة تستغرق ساعات من الانتظار والسير تحت القصف والنزوح ونقص السيولة. هذا المشهد لا يعكس خللًا عابرًا في الإمداد، بل يكشف نتيجة مباشرة لقيود متواصلة على دخول الدقيق والوقود والسلع الأساسية، في وقت تؤكد فيه المنظمات الأممية أن قطاع غزة ما زال يضم ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص، أي 77% من السكان الذين شملهم التحليل، ضمن مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتوضح بيانات برنامج الأغذية العالمي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن نقص الوقود وتعطل سلاسل التوريد والقيود على الوصول الإنساني عطلت تشغيل المخابز وأضعفت قدرة الأسر على شراء الغذاء، حتى صار الخبز نفسه سلعة نادرة في منطقة كانت تعتمد عليه بوصفه الغذاء اليومي الأرخص والأكثر حضورًا على موائد الفقراء والنازحين.

 

وتكشف الوقائع الميدانية أن الأزمة لم تتوقف عند طوابير الخبز، بل امتدت إلى بنية الحياة اليومية كلها داخل القطاع. فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي في 25 أبريل 2025 نفاد مخزوناته الغذائية داخل غزة، وأكد أن جميع المخابز التي كان يدعمها أغلقت منذ 31 مارس بسبب نفاد دقيق القمح ووقود الطهي، بينما قالت الأونروا في مارس 2025 إن ما لديها من دقيق لم يكن يكفي إلا أيامًا قليلة. كما أظهرت تقارير أممية لاحقة أن أي تحسن محدود ارتبط بتدفقات مؤقتة، وظل هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تشديد جديد على المعابر أو الوقود أو حركة الشاحنات. لذلك فإن الطوابير التي تظهر اليوم ليست تفصيلًا إنسانيًا على الهامش، بل دليلًا يوميًا على أن الاحتلال يدير الغذاء كأداة ضغط جماعي ضد أكثر من مليوني إنسان دمرت الحرب بيوتهم وأرزاقهم ومرافقهم المدنية.

 

تراجع الدقيق والوقود يدفع المخابز إلى الاختناق

 

وبفعل تراجع كميات الدقيق المسموح بدخولها إلى القطاع، تقلصت قدرة المخابز على الإنتاج اليومي، بينما أدى شح الوقود إلى خفض ساعات التشغيل أو الإغلاق الكامل. وتؤكد تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن نقص الوقود وتعطل النقل وقيود الوصول ما زالت تعرقل الخدمات الحيوية، بما فيها الخدمات المرتبطة بالغذاء والمياه واللوجستيات.

 

ثم إن الأرقام المتداولة محليًا عن احتياج يومي يبلغ 450 طنًا من الدقيق مقابل توفر يقارب 200 طن فقط، تنسجم مع التحذيرات الأممية الأوسع من فجوة كبيرة بين الاحتياج الفعلي وما يدخل إلى غزة. وقد وثقت تقارير إخبارية وصور حديثة من أبريل 2026 طوابير طويلة أمام المخابز في مدينة غزة بسبب نقص الدقيق بشكل مباشر.

 

وفي هذا السياق، قدم سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة، توصيفًا مباشرًا للأزمة عندما قال في مارس 2025 إن الوكالة لم يكن لديها سوى 6 أيام من الدقيق للتوزيع، حتى بعد خفض المساعدات. ويعني هذا التقدير أن التراجع الحالي لم يبدأ فجأة، بل جاء بعد استنزاف متواصل للمخزون تحت الحصار والتقييد.

 

الأسعار ترتفع والنازحون يدفعون الثمن الأكبر

 

ومع تقلص المعروض، قفزت أسعار السلع الأساسية داخل غزة، بينما تراجعت القدرة الشرائية للأسر التي فقدت العمل والدخل والنقد المتاح. وقد وثقت تقارير أممية ووكالات دولية ارتفاعات حادة في أسعار الدقيق والوقود والغذاء، بما جعل حتى الكميات المحدودة المعروضة خارج نطاق أغلب الأسر، خصوصًا العائلات النازحة الكبيرة.

 

كما أن الارتفاع الذي سجله سعر كيس الدقيق زنة 25 كيلوغرامًا من حدود 30 إلى 50 شيكلًا إلى نحو 75 شيكلًا يندرج داخل موجة تضخم غذائي أوسع سببتها القيود على الإمدادات التجارية والإنسانية معًا. وتوضح بيانات برنامج الأغذية العالمي أن الخبز المدعوم كان يباع بأسعار منخفضة جدًا عندما توفر الدقيق والوقود، لكن هذا النمط تراجع مع إغلاق المخابز المدعومة.

 

وبعد ذلك، تصبح المعاناة اليومية للعائلات النازحة أكثر قسوة لأن ربطة خبز واحدة لا تكفي الأسر الكبيرة، ولأن محدودية البيع تجبر الناس على العودة مرات متكررة إلى نقاط البيع. وقد وصف كارل سكاو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ما شاهده في غزة بأنه مستوى صادم من الحرمان والخوف، مؤكدًا أن الوصول الإنساني هو الشرط الحاسم لمنع الانهيار الغذائي.

 

انعدام الأمن الغذائي يتسع والتحذيرات من المجاعة تتصاعد

 

ولذلك لم تعد أزمة الخبز مسألة تموين موضعي، بل صارت جزءًا من صورة أشمل توثقها مؤسسات الأمم المتحدة. فالتقديرات الأخيرة تشير إلى أن 1.6 مليون شخص في غزة يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم أكثر من 100000 طفل، إضافة إلى عشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات المعرضات لسوء التغذية.

 

كذلك فإن عمل نحو 30 مخبزًا فقط داخل القطاع، مع إنتاج يقدر بنحو 133000 ربطة يوميًا بين مجاني ومدعوم، لا يغطي إلا جزءًا محدودًا من احتياجات السكان في ظل الكثافة السكانية واتساع النزوح. وتؤكد الوقائع أن تراجع إنتاج الخبز ترافق مع تراجع خدمات المطابخ المجتمعية والحصص الغذائية، ما ضاعف الاعتماد على ربطة الخبز نفسها.

 

وأخيرًا، يكتسب التحذير من المجاعة وزنًا أكبر لأن خبراء الأمم المتحدة لم يعودوا يتحدثون عن خطر نظري فقط، بل عن تجويع يستخدم كسلاح. فقد قال مايكل فخري، المقرر الخاص المعني بالحق في الغذاء، في وثائقه وبياناته الأممية إن منع الوصول إلى الغذاء والمساعدات في الحالة الفلسطينية يندرج ضمن تجويع من صنع الإنسان، بينما شدد خبراء أمميون في مارس 2025 على أن إسرائيل عادت إلى استخدام التجويع سلاحًا بعد كسر التهدئة ومنع دخول المساعدات. وعليه، فإن طوابير الخبز في غزة لا توثق أزمة معيشية فحسب، بل توثق جريمة مستمرة تُدار عبر المعابر والوقود والدقيق، وتدفع السكان عمدًا إلى حافة المجاعة تحت أنظار العالم.