في الوقت الذي تسعى فيه مصر لخفض التصعيد من أجل إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن وتقليل الصدمات الاقتصادية والطاقية اللاحقة، قال معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إن هذا النهج قد يأتي بنتائج عكسية مع داعميها القدامى في الخليج.

 

وأضاف أنه منذ اندلاع الحرب مع إيران، انصبّ اهتمام (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي على الحدّ من تأثيرها على الاقتصاد المصري الهش، إلا أن دعواته للتفاوض، بما فيها تلك الموجهة مباشرةً إلى طهران، تُنذر بخطر نفور شركاء الخليج الذين لطالما كانوا الداعمين الماليين الأبرز للقاهرة. 

 

وأشار إلى أنه بغض النظر عن صمود وقف إطلاق النار الحالي، فإنّ حدوث اضطرابات اقتصادية إضافية أمرٌ لا مفرّ منه. وسيحتاج السيسي إلى إدارة ليس فقط هذه الأزمة المالية، بل أيضًا المشهد الإقليمي الجديد الذي قد يُصبح فيه الداعمون السابقون أقلّ اهتمامًا بدعم مصر.

 

الاقتصاد عرضة للخطر رغم تعافيه 


وفي نهاية عام 2023، واجهت مصر أزمة اقتصادية، الأمر الذي عزاه معهد واشنطن إلى مزيج من الصدمات العالمية وقرارات سياسية سيئة: فقد ارتفعت تكاليف الغذاء والطاقة بشكل كبير وسط جائحة كوفيد-19 والحرب الأوكرانية؛ واختفت عائدات رسوم قناة السويس تقريبًا، بعد أن هاجمت حماس إسرائيل، وانضم الحوثيون إليها بمهاجمة سفن البحر الأحمر؛ وأدى الإنفاق على المشاريع الضخمة إلى زيادة الدين العام؛ كما أدى ربط العملة بشكل مصطنع إلى ظهور سوق موازية (السوق السوداء)، وتقييد الوصول إلى العملات الأجنبية. 

 

وقال إنه في أوائل عام 2024، أنقذت الإمارات العربية المتحدة القاهرة من أزمتها المالية بشراء منطقة رأس الحكمة الساحلية على البحر الأبيض المتوسط مقابل 35 مليار دولار. كما وافقت مصر على تعويم عملتها- وهو شرط أساسي لبرنامج صندوق النقد الدولي البالغ 8 مليارات دولار- بينما تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 8.5 مليار دولار إضافية كمساعدة. وعلى الرغم من أن انخفاض قيمة العملة كان مؤلمًا للمصريين، إلا أن كبح السوق السوداء أعاد الاستقرار المالي للبنوك المحلية وأعاد تدفق التحويلات المالية. 

 

وأمضت مصر العامين التاليين في تنفيذ بعض الإصلاحات التي التزمت بها بموجب برنامج صندوق النقد الدولي. وقد ساهم تحسين تحصيل الضرائب والتحول الرقمي في زيادة الإيرادات، بينما رفعت وكالتا فيتش وستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني للبلاد إلى B في نوفمبر 2024، مما يشير إلى مناخ استثماري أكثر استقرارًا. 

 

ومع تطبيق نظام سعر صرف مرن، ارتفعت التحويلات المالية - وهي مصدر رئيس للعملات الأجنبية ودخل إضافي للعديد من الأسر - إلى أكثر من 41 مليار دولار أمريكي بين يوليو 2025 ويناير 2026، بزيادة قدرها 40% عن العام السابق. وبالمثل، شهد قطاع السياحة - الذي يمثل 12% من الناتج المحلي الإجمالي - رقمًا قياسيًا بلغ 19 مليون سائح في عام 2025 وإيرادات بلغت 24 مليار دولار أمريكي. 

 

وفقًا لتقديرات معهد واشنطن، فإنه "من شبه المؤكد أن الحرب الإيرانية كلّفت القاهرة مليارات الدولارات من عائدات السياحة الملغاة. كما غادرت البلاد استثمارات قصيرة الأجل بقيمة لا تقل عن 10 مليارات دولار (مثل سندات "الأموال الساخنة" ذات الفائدة المرتفعة للغاية) في الأيام الأولى للصراع، بينما انخفضت قيمة الجنيه بأكثر من 11% مقابل الدولار. ومع ذلك، وحتى أواخر مارس، كان وزير المالية يتوقع نموًا بنسبة 5.2% بحلول 30 يونيو (نهاية السنة المالية)، وظل متفائلًا بشأن تحقيق نمو إضافي وخفض الدين في العام المقبل". 

 

ومع ذلك، قال التقرير إنه "من شبه المؤكد أن الحرب ستؤخر أي تقدم في مواجهة التحدي الرئيس الذي يواجه مصر: تقليص دور الدولة في الاقتصاد". 

 

ونقل في هذا الإطار عن أحدث تقرير لبرنامج صندوق النقد الدولي بأنه "لم يحدث أي خصخصة جوهرية خلال الـ 24 شهرًا الماضية، في حين تم إنشاء كيانات عسكرية جديدة". 

 

ومع إشارته إلى أن عددًا قليلًا من الشركات العامة بدأت بإدراج أسهمها في سوق الأوراق المالية، لكنه قال إن ذلك لا يغير من الديناميكية الأساسية المتمثلة في تشغيل شركات مملوكة للدولة تتسم بعدم الكفاءة، مما يؤدي إلى مزاحمة القطاع العام. وطالما لم تلتزم القاهرة التزامًا جادًا بخصخصة الشركات العسكرية المنتشرة في كل مكان، فستبقى المعوقات الهيكلية أمام النمو قائمة. وللأسف، فإن ظروف الحرب الحالية تجعل من غير المرجح أن يتناول السيسي هذه القضية الحساسة سياسيًا. 

 

مخاوف الطاقة 


في السياق، فال معهد واشنطن إن أزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب ستؤثر بشدة على مصر، فقد تضاعفت فاتورة الطاقة الشهرية في البلاد أكثر من مرتين بين يناير ومارس، مما دفع الحكومة إلى رفع الأسعار بنسبة تصل إلى 30% وتقليص الاستهلاك. ومع اقتراب فصل الصيف، قد يواجه المصريون انقطاعات متقطعة للتيار الكهربائي كما حدث في صيف 2024، عندما شهدت البلاد نقصًا آخر في الطاقة وكانت بصدد التكيف مع كونها مُصدِّرة صافية للطاقة. 

 

وبحسب التقرير، تسعى الولايات المتحدة منذ فترة إلى تخفيف أزمة الطاقة في مصر، فبعد ضغط من إدارة ترامب في ديسمبر، وافقت إسرائيل على اتفاقية مدتها خمسة عشر عامًا بقيمة 35 مليار دولار لتزويد مصر بالغاز الطبيعي من حقل تمار البحري، وهو ما يمثل توسعًا كبيرًا للاتفاقية السابقة بينهما. 

 

لكنه أشار إلى أن خط الإمداد هذا معرض للخطر في أوقات الحرب، وقد توقف لمدة شهر تقريبًا. وفي 2 أبريل، وافق بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (إكسيم) على قرض بقيمة ملياري دولار لتأمين صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية إلى مصر.

 

وعلى المدى البعيد، أوضح معهد واشنطن أن مصر تخطط لزيادة إنتاج الطاقة النظيفة بالتزامن مع تطوير مشاريع استكشاف وإنتاج ضخمة. تشمل شراء حقل أفروديت للغاز من قبرص، ومذكرة تفاهم محتملة مع نيقوسيا بشأن حقل كرونوس، واكتشاف غاز هام أعلنته شركة إيني مؤخرًا في امتياز تمساح البحري المصري. 

 

وتوقع على ضوء ذلك، أن تؤهل هذه الجهود مصر لتصبح لاعبًا رئيسًا في قطاع الطاقة في شرق المتوسط خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، ويكمن التحدي في كيفية سد فجوة الإمداد المحلي الكبيرة حتى ذلك الحين. 

 

نهج القاهرة قد يأتي بنتائج عكسية


فيما يتعلق بالحرب على إيران، قال التقرير إنه نظرًا لضعف الوضع الراهن في مصر، أولى السيسي أهمية قصوى للمفاوضات وخفض التصعيد بهدف إنهاء الأزمة الإيرانية في أسرع وقت ممكن وتخفيف الصدمات الاقتصادية والطاقية التي أعقبت الحرب. إلا أن هذا الأمر استلزم تجنب التحالف الاستراتيجي الكامل مع دول الخليج التي لا تزال أكبر داعم لمصر، وهو قرار قد يأتي بنتائج عكسية. 

 

وفي اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في 13 مارس، أدان السيسي هجمات إيران على هذه الدول، لكنه أكد أيضًا "استعداد مصر لبذل قصارى جهدها للتوسط وإعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة". 

 

وفي 31 مارس، توجه بمناشدة إلى الرئيس الأمريكي، قائلاً: "لا أحد سواك قادر على إيقاف هذه الحرب". في غضون ذلك، شارك وزير الخارجية بدر عبد العاطي في جهود الوساطة التي قادتها باكستان، والتي أفضت إلى وقف إطلاق النار الحالي. كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو لمناقشة فتح ممر للطاقة والحبوب، وكلاهما من شأنه أن يعود بفائدة كبيرة على مصر.

 

لكن إذا ما روّجت حكومة السيسي لترتيبات تصبّ في مصلحة إيران - بما في ذلك بعض الصفقات المحتملة التي طرحتها إدارة ترامب - فقد تعتبر دول الخليج ذلك خيانةً لاستثماراتها في مصر، كما يصف التقرير. 

 

فعلى سبيل المثال، تُعدّ الإمارات العربية المتحدة المصدر الرئيس للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، بما في ذلك صفقة رأس الحكمة والعديد من الاستثمارات الأخرى. كما أنها تعرّضت لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة إيرانية أكثر من أي دولة أخرى تقريبًا؛ ولذلك، اتخذت موقفًا حازمًا للغاية في زمن الحرب ضد طهران، ولم تُعلن بعد تأييدها لوقف إطلاق النار الحالي. 
وفي 23 مارس، بدا أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، يُوجّه انتقادًا لاذعًا لمصر، متسائلًا : "وأين الدول العربية والإقليمية الكبرى؟... لقد كانت دول الخليج العربي سندًا وشريكًا للجميع في أوقات الرخاء... فأين أنتم اليوم في أوقات الشدة؟" 

 

واستثمرت حكومات خليجية أخرى مبالغ كبيرة في مصر. ففي ديسمبر، قدمت قطر للقاهرة 3.5 مليار دولار ضمن صفقة تنموية في البحر الأبيض المتوسط بقيمة 29.7 مليار دولار. وبالمثل، أودعت السعودية أكثر من 10 مليارات دولار في البنك المركزي المصري، بينما ناقشت الكويت تحويل 4 مليارات دولار من ودائعها إلى استثمارات. 

 

دور الولايات المتحدة


وحتى لو لم تتخذ دول الخليج إجراءات فعّالة كسحب الاستثمارات أو الودائع، فقد رجح معهد واشنطن أن تواجه مصر فترة طويلة لا تستطيع خلالها الاعتماد على التمويل الخليجي. 

 

إذ أشار إلى أن هذه الدول ستركز أولاً على إصلاح الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية، والتي تُقدر بمليارات الدولارات، وقد تبقى مواردها المالية مغلقة لاحقًا إذا ما تصلب موقفها تجاه السيسي. وبالتالي، لن تتمكن مصر من ضمان الديون بسهولة كما في السابق، ولن تستطيع سدّ الثغرات الناجمة عن بطء وتيرة إصلاحاتها. 

 

وللتخفيف من حدة هذه المعضلة، قال التقرير إنه ينبغي على واشنطن حث القاهرة على ترشيد الإنفاق والتركيز بشكل أكبر على الخصخصة. حتى الآن، أعلن وزير المالية أحمد كوجوك عن فرض قيود على الإنفاق الحكومي خلال الربع الأخير من ميزانية 2025/2026. وتتوقع ميزانية 2026/2027 المعتمدة زيادة في الإيرادات بنسبة 27% وزيادة في الإنفاق بنسبة 13%، مع تخصيص جزء كبير من الرصيد لسداد الديون. ومع ذلك، يصعب تصور استمرار هذه الأرقام.

 

وبحسب معهد واشنطن، فإنه بإمكان الولايات المتحدة تقديم بعض الدعم، فعلى سبيل المثال، أظهر قرض الغاز الطبيعي المسال الذي وافق عليه بنك التصدير والاستيراد هذا الشهر كيف تُفضّل إدارة ترامب المساعدات الخارجية التي تُسهّل على الشركات الأمريكية العمل في الخارج. لكن من الضروري وضع حدود واضحة، وينبغي على الإدارة تجنّب تقديم القروض.

 

وقال معهد واشنطن إنه إذا قررت الحكومة الأمريكية دعم مصر تجاريًا، فعليها التركيز على توسيع قطاعي التكنولوجيا والشركات الناشئة. في فبراير، أعلنت القاهرة عن "ميثاق الشركات الناشئة" بقيمة مليار دولار لتمويل 500 شركة على مدى خمس سنوات. 

 

وأضاف: "وينبغي على الولايات المتحدة استكشاف سبل التعاون مع هذه المبادرة وتطويرها من خلال شراكات بين القطاعين العام والخاص؛ على سبيل المثال، يمكنها تحديد منصة معينة تتولى مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية رعايتها، أو إشراك صندوق المشاريع المصري الأمريكي". 

 

في الوقت نفسه، حث التقرير واشنطن على الضغط على القاهرة لتسريع وتيرة الإصلاحات، كتقديم المزيد من الحوافز الضريبية، وتخفيف القيود التي تعيق نمو قطاع التكنولوجيا. وعلى الرغم من إشارته إلة أن الولايات المتحدة ليست بديلاً عن سخاء دول الخليج، لكنه رأى أنها قادرة على مساعدة مصر على مواصلة مسيرة الإصلاح حتى مع استمرار تداعيات الحرب الإيرانية.


https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/egypts-gulf-iran-dilemma