لم تعد زيادات أسعار الأجهزة الكهربائية في مصر مجرد حركة موسمية مرتبطة بتبدل القوائم أو بتغير محدود في تكلفة منتج بعينه، بل تحولت خلال أبريل 2026 إلى موجة جديدة تضرب السوق بالكامل وتضع الأسر أمام واقع أكثر قسوة في واحدة من أكثر السلع ارتباطًا بتأسيس البيوت وتجديد الاحتياجات الأساسية.

وأكد عاملون في القطاع أن الزيادات الأخيرة تراوحت بين 5% و30% بحسب نوع الجهاز والشركة المنتجة وتوقيت الشراء، بينما حملت التصريحات المتداولة تفسيرًا مباشرًا لهذه القفزة يقوم على ارتفاع تكلفة الخامات عالميًا واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة أعباء الشحن والطاقة.

لكن السوق الذي يعيش منذ 2022 على وقع الارتباك لم يعد يتعامل مع هذه المبررات باعتبارها طارئة، لأن تكرارها حولها إلى قاعدة ثابتة يدفع ثمنها المستهلك في كل مرة، فيما بقيت الحكومة خارج المشهد العملي تاركة المصنع يرفع والتاجر يناور والمواطن يؤجل شراء الضروري أو يشتري تحت الضغط.

 

تكشف حركة السوق الجارية أن الأزمة لم تعد مقصورة على ارتفاع سعر سلعة هنا أو جهاز هناك، لأن الزيادة الحالية جاءت فوق سوق متذبذب أصلًا منذ عام 2022، وهو ما أكدته شهادات العاملين في القطاع الذين تحدثوا عن تباطؤ واضح في الطلب نتيجة تردد المستهلكين وخوفهم من الشراء عند ذروة الأسعار.

ولم يأت هذا التباطؤ من فراغ، إذ ربطت الشعبة التجارية والغرفة الصناعية بين ما يجري داخل السوق المحلي وبين ضغوط أوسع تشمل الخامات المستوردة والطاقة ورسوم الإنتاج والنقل.

وفي هذا السياق سجل البنك المركزي المصري ارتفاع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 14.0% في مارس 2026 مقابل 12.7% في فبراير 2026، وهو ما يوضح أن سوق الأجهزة يتحرك داخل مناخ عام يدفع الأسعار إلى أعلى ويضغط على القدرة الشرائية إلى أسفل في الوقت نفسه.

 

المصنع يرفع والتاجر يبرر والمستهلك يؤجل

 

قال أحمد هلال مالك شركة متخصصة في الأجهزة الكهربائية إن التاجر لا يملك تأثيرًا مباشرًا على السعر النهائي لأن المصنع هو الذي يحدد القائمة وفق تغيرات الخامات والطاقة والشحن، وأضاف أن دور التاجر يقتصر على هامش ربح محدود بعد الشراء من المنتج. ويعني هذا الكلام أن السوق يعترف صراحة بأن مركز التسعير انتقل بالكامل إلى جهة الإنتاج بينما بقي المستهلك في نهاية السلسلة من دون حماية فعلية.

 

ثم أوضح هلال أن السوق يعيش حالة عدم استقرار ممتدة منذ أكثر من عامين، وأن هذا التذبذب دفع المستهلكين إلى تأجيل قرارات الشراء مرات متكررة انتظارًا لانخفاض لا يأتي أو خوفًا من ارتفاع جديد يقع بالفعل. ويكشف هذا المسار أن الأزمة لم تعد نفسية أو موسمية، لأن السوق الذي يترقب الزيادة باستمرار يتحول فيه التأجيل نفسه إلى علامة على فقدان الثقة في أي استقرار سعري قريب.

 

كما ربط أشرف هلال رئيس شعبة الأجهزة المنزلية بغرفة القاهرة التجارية بين موجة الغلاء الحالية وبين قرارات رفعت تكاليف التشغيل على المصانع والتجار، مؤكدًا أن زيادة أسعار الكهرباء للقطاعين الصناعي والتجاري جاءت بعد رفع أسعار المحروقات وأربكت السوق كله. ويؤكد هذا التتابع أن السعر النهائي لم يصعد بسبب عامل منفرد، بل بسبب قرارات متلاحقة نقلت العبء من خطوط الإنتاج إلى جيب المشتري مباشرة.

 

سوق مرتبك منذ 2022 وقفزات تتجاوز الحد المنطقي

 

من جانبه قال جورج زكريا رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية بغرفة الجيزة إن الزيادة الطبيعية لم يكن يفترض أن تتجاوز 10% لكن السوق شهد ارتفاعات تخطت هذا المعدل بوضوح، وأشار إلى أن بعض الشركات عدلت أسعارها أكثر من مرة خلال شهر واحد. ويعني ذلك أن السوق لم يعد يعمل وفق زيادة محسوبة مرتبطة بكلفة محددة، بل وفق سباق مفتوح لإعادة التسعير كلما تحركت التكاليف أو توقع التجار مزيدًا من الارتفاع.

 

وبعد ذلك شرح زكريا أن بعض التجار يبيعون بالقوائم الجديدة فورًا لتعويض رأس المال سريعًا، بينما يحاول بعضهم الموازنة بين القديم والجديد لتخفيف الصدمة على المستهلك. لكن هذا التوازن لا يغير أصل الصورة، لأن السوق نفسه صار يدور حول حماية رأس المال قبل تلبية الحاجة، وهو ما يدفع الأسر إلى شراء أقل أو تأجيل أكثر في سوق يتعلق بأجهزة لم تعد كلها من باب الرفاهية أصلًا.

 

وفي الإطار نفسه قال حسن مبروك رئيس شعبة الأجهزة المنزلية والكهربائية باتحاد الصناعات المصرية إن الأسعار ارتفعت بنحو 15% نتيجة زيادة التكاليف، موضحًا أن ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود ورسوم بعض الخامات المستوردة وتقلب سعر الدولار وارتفاع العمالة كلها عوامل تدفع السوق إلى مزيد من الزيادة. ويضيف هذا التقدير الصناعي وزنًا أكبر لشكاوى السوق، لأنه يصدر من ممثل مباشر للقطاع الإنتاجي لا من طرف تجاري فقط.

 

كل الأجهزة ترتفع والتضخم يوسع الفجوة داخل البيوت

 

أكد جورج زكريا أن الزيادات الأخيرة شملت جميع الأجهزة الكهربائية من دون استثناء، مع تسجيل قفزات واضحة في أسعار الشاشات والتكييفات والمراوح وغيرها من المنتجات. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة لأن اتساع الزيادة عبر معظم الفئات يسقط أي حديث عن أزمة تخص سلعة بعينها أو شركة بعينها، ويؤكد أن السوق كله يتحرك تحت ضغط عام يطال ما يدخل كل بيت تقريبًا.

 

ثم قال زكريا إن سلوك المستهلك نفسه يساهم أحيانًا في زيادة الأسعار عندما يندفع إلى الشراء خوفًا من موجة جديدة، لأن هذا الإقبال يرفع الطلب في لحظة مضطربة أصلًا. لكن هذا التفسير لا يعفي الجهات المنتجة ولا السياسات الاقتصادية من المسؤولية، لأن المستهلك لا يندفع عادة إلا عندما يتأكد من أن السوق فقد الاستقرار وأن قائمة اليوم قد لا تبقى إلى الغد.

 

وفي قراءة أوسع قالت الدكتورة عالية المهدي أستاذة الاقتصاد إن التضخم وفوائد الديون يلتهمان مساحات واسعة من الإنفاق ويضغطان على النشاط الاقتصادي والإنتاج المحلي، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يشتريها المواطن. ويصبح ارتفاع الأجهزة الكهربائية ضمن هذه الصورة نتيجة مباشرة لاقتصاد يزداد كلفة على المنتج والتاجر والمستهلك معًا، بينما تتراجع قدرة الأجر والدخل على ملاحقة السوق.

 

لذلك حذر المتعاملون في السوق من أن استمرار اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميًا قد يدفع إلى موجة تضخم جديدة ما لم يحدث استقرار في أسعار الخامات والطاقة خلال الفترة المقبلة. ولا يبدو هذا التحذير منفصلًا عن الواقع القائم، لأن السوق الذي ارتفع فيه السعر بين 5% و30% خلال أسابيع لا يحتاج إلى توقعات بعيدة كي يثبت أن الزيادة صارت قاعدة يومية لا استثناءً عابرًا.

 

وهكذا دخلت الأجهزة الكهربائية مسارًا جديدًا من الغلاء المتكرر، حيث تحكم المصنع في السعر النهائي، وواجه الموزع تقلبات لا يملك صدها، واضطر المستهلك إلى تقليص قرارات الشراء أو تأجيلها في سوق لا يتوقف عن إعادة التسعير. ولم يعد السؤال متى ترتفع الأجهزة، بل إلى أي حد يمكن للأسرة المصرية أن تتحمل مزيدًا من الزيادة بينما تواصل الحكومة مراقبة المشهد من بعيد وتترك البيوت وحدها تدفع فاتورة هذا الارتباك الممتد منذ 2022 وحتى أبريل 2026.