تكشف الرواية التي نشرتها رويترز عن إصابة مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني الجديد، حجم الارتباك الذي يحيط بقمة السلطة في طهران منذ الغارة التي قتلت والده في 28 فبراير 2026. فالرجل الذي جلس على رأس النظام في 8 مارس 2026 لم يظهر حتى الآن في أي صورة أو تسجيل أو كلمة مصورة، رغم أن البلاد تخوض أخطر أزمة عسكرية وسياسية منذ عقود، ورغم أن محادثات حساسة مع الولايات المتحدة انطلقت في إسلام أباد تحت ضغط الحرب والهدنة الهشة معًا.

 

تأتي خطورة هذه المعطيات من أن الصمت الرسمي الإيراني لم يعد مجرد تحفظ أمني، بل صار جزءًا من أزمة شرعية وإدارة في لحظة حرجة. ثلاثة مصادر مقربة من الدائرة الداخلية لخامنئي قالت لرويترز إن إصاباته شملت تشوهات في الوجه وإصابات بالغة في ساق واحدة أو كلتيهما، بينما لم ترد بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على أسئلة الوكالة بشأن حالته ولا بشأن سبب غيابه الإعلامي. هذا الغموض يفتح الباب أمام سؤال مباشر عن الطرف الذي يدير القرار فعليًا الآن في طهران.

 

إصابات موثقة وصمت رسمي

 

وبحسب رويترز، فإن مجتبى خامنئي لا يزال يتعافى من إصابات حادة أصابته في الهجوم الذي استهدف مجمع الزعيم الأعلى في وسط طهران يوم 28 فبراير 2026، وهو اليوم الأول من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. المصادر نفسها قالت إن وجهه تعرض لتشوهات، وإنه أصيب في إحدى ساقيه أو كلتيهما، فيما رجح مصدر مطلع على التقييمات الأمريكية أنه فقد ساقًا.

 

كما أضافت الوكالة أن خامنئي، البالغ 56 عامًا، ما زال يحتفظ بقدرة ذهنية عالية، وأنه يشارك في اجتماعات مع كبار المسؤولين عبر مؤتمرات صوتية ويتدخل في القرارات الرئيسية، بما فيها الحرب والمفاوضات مع واشنطن. لكن رويترز أوضحت في الوقت نفسه أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من الوصف التفصيلي لإصاباته، وهو ما يبقي الرواية في نطاق التسريبات الموثقة لا البيانات الرسمية المعلنة.

 

ثم يزداد المشهد حساسية لأن الروايات نفسها ربطت بين إصابته وبين مقتل والده وسلفه علي خامنئي، الذي حكم إيران منذ 1989. رويترز ذكرت أيضًا أن زوجة مجتبى خامنئي وصهره وأخت زوجته كانوا بين أفراد العائلة الذين قتلوا في الضربة نفسها، بينما امتنعت طهران عن إصدار أي بيان رسمي يشرح حجم إصاباته أو مكان علاجه أو جدول عودته إلى الظهور العام.

 

وفي هذا السياق قال أليكس فاتانكا، الباحث الكبير في معهد الشرق الأوسط، إن خامنئي الجديد، بصرف النظر عن شدة إصاباته، لن يكون قادرًا سريعًا على امتلاك السلطة الكاسحة التي كان يتمتع بها والده. فاتانكا أضاف أن مجتبى سيكون “صوتًا واحدًا” داخل النظام، لكنه لن يكون الصوت الحاسم في هذه المرحلة، وهو تقدير ينسجم مع غيابه العلني واستمرار الشكوك حول قدرته على الإمساك المباشر بكل مفاصل الدولة.

 

خليفة جريح وسلطة منقوصة

 

وبعد ذلك يصبح السؤال السياسي أكبر من السؤال الصحي، لأن مجتبى خامنئي لم يصل إلى المنصب في ظروف عادية ولا عبر انتقال هادئ للسلطة. رويترز كانت قد كشفت في مارس أن الحرس الثوري لعب دورًا رئيسيًا في الدفع به إلى موقع المرشد الأعلى بعد اغتيال والده، وأنه ما زال شخصية غامضة بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين رغم سنوات عمله داخل مكتب أبيه وفي دوائر النفوذ العليا.

 

كما أن إريك لوب، الباحث في مؤسسة كارنيجي، أوضح أن مجتبى خامنئي لا يملك سجلًا في المناصب العامة، وأن مكانته الدينية لا ترقى بطبيعتها إلى مرتبة المرجع الأعلى، ما يفرض على المؤسسة الحاكمة رفع مكانته دينيًا وسياسيًا بقرار فوقي إذا أرادت تثبيته بصورة كاملة. لوب أشار أيضًا إلى أن اختياره يعمق حضور الحرس الثوري والباسيج داخل الدولة، وهو ما يجعل السلطة أكثر أمنية وأقل مؤسسية.

 

ثم يتصل ذلك مباشرة بمشكلة أخرى تتعلق بشرعية التوريث السياسي داخل النظام الإيراني نفسه. لوب كتب أن الأب كان يعارض علنًا فكرة الخلافة الوراثية لأن قطاعات داخل المؤسسة الدينية والسياسية ترفضها باعتبارها مناقضة لروح الثورة التي أطاحت حكم الشاه في 1979. لذلك فإن صعود الابن، وهو جريح وغائب ومسنود أمنيًا، لا يقدم صورة استقرار، بل يقدم صورة نظام لجأ إلى أضيق دوائر العائلة والقوة المسلحة لحماية رأسه.

 

وفي الإطار نفسه قالت سناء وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، إن تعيين مجتبى خامنئي يبعث برسالة “استمرارية ومقاومة”، لكنه لا يعني بالضرورة أن الرجل صار صاحب القيادة والسيطرة الكاملة منذ الآن. هذا التقدير ينسجم مع واقع أن خامنئي الجديد ما زال مصابًا ولم يظهر، وأن القرارات الكبرى تبدو محكومة بتوازنات الحرس الثوري أكثر من خضوعها لسلطة شخصية مستقرة ومعلنة.

 

مفاوضات إسلام أباد تحت ظل الغياب

 

وبسبب هذا الفراغ النسبي في قمة السلطة، دخلت إيران مفاوضات إسلام أباد وهي تحمل تناقضًا واضحًا بين إعلان وجود مرشد جديد وبين غياب هذا المرشد عن المشهد العام. رويترز ذكرت أن محادثات السبت في العاصمة الباكستانية هي أعلى مستوى من الاتصال بين واشنطن وطهران منذ 1979، وأنها انعقدت بينما يظل وضع خامنئي الجديد وصحته وقدرته على الحكم لغزًا بالنسبة إلى الداخل الإيراني والخارج معًا.

 

كما أوضحت الوكالة أن الوفد الأمريكي وصل بقيادة جي دي فانس، بينما وصل الوفد الإيراني بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، في وقت أصرت فيه طهران على شروط مسبقة تشمل وقف النار في لبنان وتحرير أصول مالية مجمدة والاعتراف بترتيباتها في مضيق هرمز. هذا يعني أن التفاوض بدأ أصلًا تحت ضغط اشتراطات ثقيلة، وفي ظل رأس دولة لا يخاطب شعبه ولا يظهر أمام الكاميرات.

 

ثم تتسع دلالة الغياب لأن رويترز نقلت أن إيران لم تنشر أي صورة أو تسجيل أو مقطع صوتي لخامنئي منذ الهجوم الجوي الذي سبق تعيينه، رغم أن الدولة لجأت إلى وصفه بكلمة “جانباز” عبر مذيع في التلفزيون الحكومي، وهي كلمة تستخدم في إيران للدلالة على من تعرضوا لإصابات حرب بالغة. هذا الوصف لا يقدم شفافية، بل يوحي بأن السلطة تريد تثبيت صورة الصمود من دون أن تقدم دليلًا بصريًا عليها.

 

وفي هذا الموضع تقدم سناء وكيل تفسيرًا إضافيًا حين تقول إن اختيار مجتبى لا يغير خطط الحرب تلقائيًا ولا يخلق منعطفًا وجوديًا للنظام بمفرده، لأن مؤسسات القوة ما زالت هي التي تحدد الاتجاه العملي. هذا الرأي يتلاقى مع ما أوردته رويترز عن صعود الحرس الثوري إلى موقع الصوت المهيمن في القرارات الاستراتيجية أثناء الحرب، وهو ما يفسر كيف تستمر الدولة في التفاوض والقتال معًا رغم غياب قائدها الجديد عن العلن.

 

وأخيرًا تكشف قضية مجتبى خامنئي أن النظام الإيراني لا يواجه فقط آثار ضربة عسكرية قتلت المرشد السابق، بل يواجه أيضًا أزمة صورة وسلطة وتماسك داخلي. الرجل جريح وغائب، والدولة صامتة، والحرس الثوري يتقدم، والمفاوضات مع واشنطن تبدأ من موقع هش ومضغوط. لذلك فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس مجرد إصابة خامنئي، بل أن إيران تبدو الآن دولة تفاوض العالم بينما رأسها السياسي لا يراه أحد ولا يسمعه أحد ولا يعرف أحد حدود سلطته الحقيقية.