تعيش أوساط العمالة المصرية في الإمارات منذ الحرب الإيرانية على وقع شكاوى متزايدة من تعثر معاملات ترتبط بتجديد الإقامات وإصدار تصاريح العمل الجديدة، خصوصًا داخل الشركات الصغيرة والمتوسطة. 

 

يزداد ثقل هذه الأزمة لأن الجانب المصري لم يخرج حتى الآن بموقف واضح يفسر ما يجري أو يضع إطارًا معلنًا لحماية العمالة أو حتى لتوصيف المشكلة بدقة. وفي المقابل، تواصل الإمارات رسميًا الدفع بسياسات التوطين وتوسيعها على الشركات الخاصة، ما يجعل أي تضييق إداري غير معلن على المصريين قابلًا للفهم داخل سياق أوسع يعيد ترتيب سوق العمل الخليجي على حساب العمالة الوافدة الأقل قدرة على التفاوض.

 

ارتباك إداري يضرب المصريين في الشركات الصغيرة

 

بدأ الترقب الحاد عندما تحدثت روايات متطابقة عن تعطل طلبات تخص المصريين في منشآت يقل عدد عامليها عن 50 فردًا، وهي الفئة الأكثر هشاشة في سوق العمل الخاص. ويزداد الإرباك هنا لأن وزارة الموارد البشرية والتوطين ما زالت تعرض على موقعها الرسمي خدمات إصدار تصريح عمل جديد من الخارج، وكذلك خدمات التصاريح المؤقتة وتجديد العقود، من دون إعلان منشور يخص المصريين تحديدًا.

 

ثم يتسع الشك عندما يُربط هذا التعثر بفئة الشركات الصغيرة، لأن الإمارات تطبق أصلًا سياسات توطين معلنة بحسب حجم المنشأة والقطاع. فقد بدأت الوزارة منذ 2 يناير 2024 تنفيذ قرار يفرض على أكثر من 12 ألف شركة تضم بين 20 و49 عاملًا في 14 قطاعًا اقتصاديًا توظيف مواطن واحد في 2024 وآخر في 2025، بينما تستمر نسب التوطين السنوية على الشركات التي تضم 50 عاملًا فأكثر.

 

وفي هذا السياق، يقدم شتيفن هرتوغ، الباحث في قضايا سوق العمل الخليجي والإصلاح العام في المنطقة، تفسيرًا مهمًا لما يجري، إذ يركز عمله البحثي على انقسام أسواق العمل الخليجية بين المواطنين وغير المواطنين وبين العام والخاص. وتفيد دراساته بأن سياسات إعادة هيكلة السوق لا تُطبَّق عادة بصورة متساوية، بل تُحمَّل كلفتها أولًا على الفئات الأضعف داخل القطاع الخاص، وهو ما يفسر هشاشة وضع المصريين في المنشآت الصغيرة.

 

التوطين المعلن يفسر جزءًا من الأزمة ولا يبرر الغموض

 

بعد ذلك، يصبح من الصعب فصل ما يواجهه المصريون في الإمارات عن مشروع التوطين الذي تتباهى به السلطات رسميًا. فالموقع الاتحادي للحكومة يوضح أن الشركات التي تضم 50 عاملًا فأكثر مطالبة بزيادة توظيف المواطنين بنسبة 2% سنويًا في الوظائف المهارية حتى 2026، بينما وسعت الوزارة بالفعل هذه السياسة لتشمل شريحة من الشركات الأصغر في قطاعات محددة.

 

لكن هذا التفسير الرسمي لا يحل المشكلة الأساسية، لأن التوطين بوصفه سياسة معلنة يختلف عن تعليق غير معلن أو تعطيل انتقائي يطول جنسية بعينها. وهنا يظهر الخلل السياسي والإداري معًا، إذ تترك الدولة المضيفة السوق يتعامل مع المصريين عبر إشارات مبهمة، بينما تلتزم القاهرة الصمت، فلا تنفي رسميًا، ولا تعلن احتجاجًا، ولا تشرح للعمال ما إذا كانوا أمام إجراء مؤقت أم تحول دائم.

 

وفي هذا الإطار، تشرح فرانسواز دو بيل إير، الباحثة البارزة في برنامج أسواق العمل والهجرة والسكان في الخليج، أن دول الخليج تمضي نحو نموذج يوسع الفرص أمام المستثمرين والمهنيين الأعلى مهارة، لكنه يترك العمال الأقل مهارة وذوي الأوضاع الأضعف خارج دوائر الحماية والاندماج. وتضيف في دراستها المنشورة في ديسمبر 2024 أن إصلاحات الهجرة والعمل في الخليج انتقائية، وأنها قد توسع فجوات الحقوق بين الفئات الوافدة بدل أن تزيلها.

 

وبسبب هذه الانتقائية، تبدو العمالة المصرية في الشركات الصغيرة معرضة أكثر من غيرها للضغط، لأن هذه الشريحة تقع عند تقاطع التوطين والكلفة المنخفضة وضعف الحماية. كما أن العمالة المصرية لم تعد تتمتع تلقائيًا بالمكانة نفسها التي احتفظت بها لعقود في أسواق الخليج، بل باتت تنافس داخل بيئة تعيد ترتيب الأولويات بين المواطن المحلي والعامل الوافد والمهني عالي المهارة.

 

امتداد القلق إلى الخليج يضاعف كلفة الأزمة على مصر

 

ثم انتقلت المخاوف من حدود الإمارات إلى سؤال أكبر يتعلق باتساع الضغوط على المصريين في الخليج كله. فالسعودية تواصل برامج السعودة وتصنيف تصاريح العمل بحسب المهارة، وتربط جزءًا من إصلاحاتها بزيادة توظيف المواطنين، بينما تتجه الكويت هي الأخرى إلى تشديدات تمس أوضاع الأجانب في إطار مراجعات أوسع لسوق العمل والجنسية والإقامة. وهذا السياق الإقليمي يمنح الشكاوى الواردة من الإمارات وزنًا أكبر.

 

ويكتسب هذا القلق بعدًا اقتصاديًا مصريًا مباشرًا، لأن تحويلات العاملين بالخارج تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للقاهرة. وقد أعلن البنك المركزي المصري في يونيو 2025 أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج قفزت إلى 29.4 مليار دولار خلال أول 10 أشهر من السنة المالية 2024-2025، قبل أن تتحدث بيانات لاحقة عن مستويات قياسية أعلى. ولذلك فإن أي اضطراب واسع في أوضاع العمالة بالخليج لا يصيب الأفراد وحدهم، بل يضغط على اقتصاد يعتمد على هذه التدفقات بقوة.

 

وفي هذا الموضع، يلفت مارتن هفيدت، الباحث في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في دول الخليج والأستاذ السابق في جامعة زايد بالإمارات، إلى أن اقتصادات الخليج تتحرك منذ سنوات داخل مسار تنويع اقتصادي وإصلاح مؤسسي يعيد ترتيب سوق العمل ومصادر الدخل. وتفيد أعماله بأن هذه التحولات لا تبقى نظرية، بل تنعكس على سياسات الاستخدام والاستقدام وعلى موقع العمالة الوافدة داخل النموذج الاقتصادي الجديد.

 

ومن ثم، فإن الحديث عن توجهات مشابهة في السعودية والكويت لا يبدو مجرد مبالغة صحفية، بل يتسق مع البيئة الإقليمية التي تدفع نحو إحلال المواطنين، أو على الأقل تقليص الاعتماد على الوافدين في قطاعات بعينها. غير أن الفارق الجوهري هنا هو أن الحكومات الأخرى تعلن أدواتها غالبًا بوضوح أكبر، بينما يظل ملف المصريين في الإمارات معلقًا بين الإجراء العملي غير المفسر والبيان الرسمي الغائب.

 

وبينما يستمر هذا الغموض منذ مارس، تبقى الشركات الصغيرة الأكثر تضررًا، لأن تأخر المعاملات فيها قد يتحول سريعًا إلى مخالفات إقامة أو خسارة فرص عمل أو استبدال بجنسيات أخرى. كما أن استمرار الصمت الرسمي المصري يضاعف الخطر، لأنه يترك مئات الآلاف من الأسر والمهنيين أمام أزمة مفتوحة بلا خريطة واضحة، في وقت يتغير فيه سوق العمل الخليجي بسرعة ولا ينتظر من يتأخر عن حجز موقعه.

 

وفي المحصلة، لا تبدو القضية مجرد مشكلة إجرائية عابرة، بل تبدو اختبارًا سياسيًا واقتصاديًا لطريقة إدارة ملف المصريين في الخارج. فإذا كانت الإمارات تمضي في إعادة صياغة سوقها وفق أولويات التوطين والمهارة، فإن القاهرة مطالبة بأن تواجه ذلك بوضوح لا بالصمت. لأن العامل الذي يتعطل تجديد إقامته لا يحتاج خطابًا عامًا، بل يحتاج دولة تعرف ما يجري وتقول ما تعرفه وتدافع عنه قبل أن يُدفع خارج السوق بهدوء.