كشف تقرير متداول منسوب إلى مجلة إيكونوميست البريطانية ما حاولت السلطة في القاهرة إنكاره لسنوات، إذ أظهر أن ديون مصر تضخمت على نحو حاد منذ تولي السيسي الحكم، بينما سقطت رواية أن العاصمة الإدارية الجديدة لم تُبن من أموال الدولة أمام بيانات ودراسات ربطت المشروع مباشرة بموارد عامة ومؤسسات سيادية.

وتؤكد بيانات البنك المركزي أن الدين الخارجي ارتفع من نحو 46.1 مليار دولار في يونيو 2014 إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، أي أكثر من ثلاثة أمثال خلال الفترة نفسها.

 

ديون تتضخم وخزانة تُستنزف

 

أوضح مسار الأرقام أن السلطة لم تدِر الأزمة الاقتصادية بقدر ما راكمت كلفتها على الأجيال المقبلة، فبدل توجيه الاقتراض إلى قطاعات إنتاجية قادرة على توليد عملة صعبة، اتسع الاعتماد على الديون لتمويل إنفاق ضخم ومشروعات مرتفعة الكلفة.

ويكشف البنك المركزي أن الدين الخارجي لامس 155.1 مليار دولار في ديسمبر 2024 قبل أن يرتفع إلى 161.2 مليارًا في يونيو 2025، بما يعكس استمرار النهج نفسه رغم الضغوط المتصاعدة.

 

ولفتت تقديرات الموازنة إلى أن الكارثة لم تعد مجرد رقم في تقارير الاقتصاد، بل صارت هيكلًا حاكمًا للإنفاق العام نفسه، بعدما التهمت خدمة الدين النصيب الأكبر من المصروفات.

ووفق مشروع موازنة 2025-2026، خُصص نحو 64.8 في المئة من إجمالي الإنفاق لسداد فوائد وأقساط الديون، فيما قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن 58 في المئة من القروض الجديدة تذهب أصلًا لخدمة ديون قائمة، لا لبناء اقتصاد منتج.

 

ويبين هذا المسار ما أكده الباحث الاقتصادي محمد رمضان، الذي رأى أن الأزمة ليست عثرة مؤقتة بل نتيجة مباشرة لنموذج اقتصادي انحاز منذ 2014 إلى البنية التحتية والعقار والمدن الجديدة على حساب الزراعة والصناعة.

وكتب رمضان في سبتمبر 2025 أن الاقتراض تحول إلى أداة لشراء الوقت لا لبناء قدرة إنتاجية مستدامة، وهو توصيف يشرح بدقة كيف تراكم الدين بينما ظل العائد الحقيقي على المجتمع محدودًا.

 

العاصمة الإدارية وسقوط رواية التمويل الذاتي

 

وفي ظل هذا العبء، عادت العاصمة الإدارية إلى واجهة المساءلة باعتبارها المثال الأوضح على الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المالي، لأن السلطة روجت طويلًا لفكرة أن المشروع لا يكلّف الموازنة جنيهًا واحدًا.

لكن دراسة منشورة لدى مؤسسة كارنيغي أوضحت أن المشروع الذي قُدرت كلفته بنحو 58 مليار دولار تديره شركة مملوكة لجهات حكومية، منها هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان، بما يجعل الحديث عن استقلاله عن المال العام مجرد مناورة محاسبية لا أكثر.

 

وأشار تفكيك ملكية المشروع إلى أن الدولة لم تكن مراقبًا خارجيًا كما زُعم، بل كانت طرفًا ممولًا وصاحب مصلحة ومتحكمًا في الأرض ورأس المال.

فشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية تأسست بحصة 51 في المئة لجهات تابعة للقوات المسلحة، و49 في المئة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان، مع ضخ رأسمال من الهيئة نفسها.

وبذلك يصبح الادعاء بأن المشروع خارج الموازنة أقرب إلى إعادة توصيف للمال العام لا إلى نفي استخدامه.

 

وأكد الباحث تيموثي كالداس أن الإنفاق الاستثنائي على المشروعات العملاقة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية، أسهم في تعميق أزمة الديون في مصر، واعتبر إطلاق مشروع بهذا الحجم قبل اللجوء إلى صندوق النقد خطوة متهورة.

كما أشار في تحليل آخر إلى أن الوزارات أُجبرت لاحقًا على دفع إيجارات سنوية ضخمة لمقارها الجديدة في العاصمة، بما يعني أن المشروع لم يكتف بسحب الموارد وقت الإنشاء، بل فرض كلفة تشغيلية مستمرة على الدولة نفسها.

 

خبراء يحاكمون السياسات لا الشعارات

 

وفي موازاة ذلك، خلصت دراسة منشورة عبر منصة روّاق التابعة لمركز القاهرة إلى أن العاصمة الإدارية لم تكن مشروعًا معزولًا عن الاقتصاد الوطني، بل صارت منافسًا فعليًا للدخل القومي السنوي وأحد العوامل الضاغطة على الموارد العامة.

الدراسة فنّدت السردية الرسمية التي قالت إن المشروع لن يسبب اضطرابًا هيكليًا في الاقتصاد، وانتهت إلى أن الواقع كشف العكس، سواء في التمويل أو في أثره على أولويات التنمية داخل المدن القائمة.

 

ويرى روبرت سبرينغبورغ، الباحث المتخصص في الشأن المصري، أن مشكلة النظام ليست فقط في الاقتراض، بل في طبيعة ما يلتهم هذا الاقتراض من مشروعات استعراضية محدودة الجدوى الاقتصادية.

وقد كتب في دراسة صادرة في يناير 2022 أن شهية الحكم المالية أصبحت “ضخمة” وأن جزءًا معتبرًا من الموارد يُمتص في مقتنيات ومشروعات تضيف قيمة رمزية أكثر مما تضيف قيمة اقتصادية، وهو توصيف ينطبق بوضوح على العاصمة الإدارية بوصفها مشروع إرث سياسي قبل أن تكون أولوية اجتماعية.

 

وأشارت تقارير حديثة إلى أن الحكومة تحاول اليوم تسويق تراجع نسبي في بعض مؤشرات الدين كنصر اقتصادي، بينما تبقى الحقيقة الأثقل أن خدمة الدين ما زالت تستحوذ على أغلب القدرة المالية للدولة.

وحتى مع حديث صندوق النقد عن اتجاه هبوطي في نسبة الدين العام على المدى المتوسط، فإن هذا لا يمحو واقع أن الدين الخارجي قفز بشدة منذ 2014، ولا ينفي أن المواطنين دفعوا الثمن عبر التضخم والتقشف وتراجع الإنفاق الاجتماعي.

 

وأخيرا اختتمت الوقائع هذه القصة على نحو لا يخدم الرواية الرسمية، لأن ما قُدم للمصريين باعتباره مشروعًا لا يكلّف الدولة شيئًا، انتهى إلى نموذج يوضح كيف تُخفى الكلفة الحقيقية خلف شركات وهيئات وأبواب موازية.

فالديون تضخمت، والإنفاق العام انحاز إلى الأسمنت قبل الإنسان، والخبراء حذروا بالأسماء والأرقام، بينما بقيت النتيجة واحدة: دولة تستدين أكثر، ومجتمع يدفع أكثر، وسلطة تصر على تسمية الأزمة إنجازًا رغم أن الحساب الختامي يقول العكس بوضوح كامل.