بدأت أنقرة في منتصف مارس تنفيذ قرار بيع نحو مائة وخمسين ألف طن من رصيدها الذهبي بعد نقاشات مطولة داخل البنك المركزي التركي لتفادي أي تراجع إضافي في قيمة الليرة، وجاء التحرك في ظل ضغوط متزايدة من الأسواق عقب تراجع المؤشرات الاقتصادية العالمية وتأثيرها على العملات الناشئة، فيما أكدت وزارة الخزانة أن الهدف المباشر من عملية البيع هو دعم العملة الوطنية دون اللجوء إلى إجراءات تمس معيشة المواطنين أو تزيد العبء الضريبي عليهم.

 

بيع مدروس واستراتيجية اقتصادية دقيقة

 

أوضح وكيل وزارة الخزانة التركي شهاب قايا أن عملية البيع نُفِّذت عبر مراحل ثلاث خلال النصف الثاني من مارس لضمان دخول السيولة الناتجة إلى السوق النقدي بطريقة متدرجة تمنع تقلب الأسعار، مؤكداً أن البنك المركزي حافظ رغم البيع على احتياطي يتجاوز نصف الكمية الأصلية البالغة 300 ألف طن، وأضاف أن الحكومة رفضت اقتراحات داخلية بزيادة سعر الفائدة مؤقتاً واختارت خيار البيع لأنه أقل ضررًا على قطاعات الإنتاج الصغيرة وفي ظل الوضع الاقتصادي العالمي المضطرب يرى الخبير الاقتصادي التركي إركان أوزدمير أن القرار عكس عقلية مالية أكثر واقعية إذ تعامل مع الأزمة باعتبارها ظرفاً مؤقتاً قابلًا للإدارة وليس مبرراً لفرض إجراءات مؤلمة تمس المواطن مباشرة وتحد من الاستهلاك المحلي الذي يمثل خط الدفاع الأهم أمام الركود.

 

دوافع ترتبط بتوازن السوق العالمي

 

ولفت الخبير المالي في جامعة إسطنبول سنان كايا إلى أن الخطوة التركية جاءت بعد مراقبة دقيقة لتغيرات أسعار الذهب في الأسواق الدولية خلال فبراير حين انخفض الطلب الصيني بنسبة 15 في المئة، مما رفع العرض العالمي وخلق فرصة للبيع بسعر مناسب، وأوضح أن أنقرة استفادت من هذا التراجع لتحقيق مكسب مزدوج عبر ضخ سيولة قوية ودعم العملة في وقت واحد دون المساس بالاحتياطي الأجنبي بالدولار أو اليورو، ويبين أن السياسة المالية الجديدة للحكومة تعتمد على مرونة في إدارة الموارد الإستراتيجية كالمعادن والاحتياطي النقدي بديلاً عن الحلول التقليدية كرفع الدعم أو تعديل الضرائب، كما يرى مراقبون أن الخطوة سمحت بتحقيق توازن نسبي في حركة السوق الداخلية التي شهدت خلال يناير وفبراير تقلبات حادة في أسعار السلع الغذائية.

 

الخلفية السياسية والاقتصادية للتوجه الجديد

 

وفي ظل تراكم الأزمات المالية على الحكومات بسبب التضخم العالمي وارتفاع الطاقة، يرى الباحث في مركز أنقرة للدراسات الاقتصادية مصطفى ألبير أن ما قامت به تركيا يمثل انحرافاً عن النهج التقليدي الذي اتّبعته معظم الدول النامية خلال العام الماضي، إذ فضل الرئيس رجب طيب أردوغان حماية الليرة عبر استخدام الذهب بدلاً من تحميل التكلفة للمواطنين، وأشار إلى أن هذه المقاربة تعكس وعياً بأثر السياسات المالية على الاستقرار الاجتماعي خصوصاً بعد احتجاجات الأسعار في مطلع العام، فيما أكد أن تجنّب رفع الفائدة حافظ على حركة الاستثمار وخفّف الضغط على قطاعي الصناعة والزراعة وهو ما يفسر تحسن توقعات النمو للربع الثاني من العام الجاري بنسبة تتجاوز 2.3 في المئة وفق تقديرات البنك المركزي.

 

مقارنة بقرارات القاهرة واتجاهات مختلفة

 

وفي موازاة تلك التطورات يبرز اختلاف واضح بين الإدارة الاقتصادية التركية ونظيرتها المصرية التي لجأت في فبراير إلى خفض جديد في دعم الطاقة ورفع أسعار الخدمات الحكومية استجابة لشروط تمويل خارجي، ويرى الخبير الاقتصادي المصري هاني جنينة أن المقارنة تكشف توجهين متعاكسين: فأنقرة استخدمت الموارد الداخلية لتثبيت الاقتصاد دون المساس بالمواطن، بينما اعتمدت القاهرة على قرارات قاسية نقلت عبء الإصلاح إلى المستهلك، وأوضح أن تركيا استفادت من احتياطها الذهبي كغطاء للحل الداخلي، فيما لجأت مصر إلى الاقتراض الدولي ورفع الفائدة بنسبة 600 نقطة أساس وهي خطوات زادت الضغط على الأسعار، كما أكد أن الاعتماد على أدوات وطنية مثل الذهب يمنح الحكومة قدرة أعلى على المناورة دون خسارة الثقة الشعبية أو الاحتياطي النقدي.

 

نتائج أولية وتداعيات إقليمية محتملة

 

ويبين اقتصاديون أن نتائج الخطوة التركية بدأت تظهر منذ مطلع أبريل مع استقرار سعر صرف الليرة عند مستويات ثابتة وارتفاع طفيف في الصادرات الصناعية مقابل تراجع نسبي للتضخم إلى حدود 45 في المئة بعد أن تجاوز 60 في نهاية فبراير، وأوضح محللون في بورصة إسطنبول أن السوق المالي استعاد توازنه تدريجيًا بعد ضخ العائدات الجديدة مما خفّف الضغط على الطلب الأجنبي على الدولار، وفي المقابل تستمر في مصر الزيادات المتتالية في أسعار السلع الأساسية نتيجة سياسات الفائدة المرتفعة وهو ما يبرز أن المقاربة التركية أعادت تعريف مفهوم التدخل المالي الحكومي كأداة لحماية المجتمع قبل حماية الموازنات الرسمية

 

 

ذهب أنقذ شعباً ولم يُرهق آخر

 

في ظل المشهد الاقتصادي الإقليمي المضطرب يظهر أن تركيا اختارت طريقاً وطنيًا بامتياز حين استخدمت ذهبها لحماية الليرة والمواطن في آن واحد دون أن تحمل الأزمة الطبقات الشعبية أي تكاليف إضافية، فيما تواصل مصر نهجاً يعتمد على قرارات فوقية ذات أثر مباشر على الأسعار والأجور، ويؤكد الخبراء أن التجربة التركية أثبتت أن الدولة القادرة على إدارة مواردها بقرارات واقعية لا تحتاج إلى إجراءات مؤلمة أو دعم أجنبي لتصحيح مسارها المالي، وأن بيع الذهب لم يكن تفريطاً بل دفاعاً مدروساً عن اقتصاد وطني وسط عواصف عالمية لم ترحم الحكومات الضعيفة