دخلت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مرحلة أكثر اتساعًا اليوم السبت 4 أبريل 2026، بعدما تداخلت فيها الجبهة الجوية داخل إيران مع تعثر مسار التفاوض، وتعقد ملف مضيق هرمز، واتساع الضربات إلى منشآت بتروكيماوية، وامتداد النيران إلى العراق. وفي قلب هذا المشهد، قلل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أثر إسقاط إيران طائرة أميركية، وقال لشبكة "إن بي سي نيوز" إن الحادث لن يؤثر في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من شهر، رغم أن الوقائع الميدانية تشير إلى عكس ذلك مع استمرار التصعيد العسكري وتعثر الوسطاء.
وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط مقاتلة أميركية متطورة في وسط البلاد أمس الجمعة، وقال أيضًا إنه أسقط صاروخي كروز في خمين وزنجان، إضافة إلى مسيّرتين أميركيتين من طراز "إم كيو 9" في أصفهان ومسيّرة إسرائيلية من طراز "هيرميس" في بوشهر. كما أفادت تقارير متقاطعة اليوم بأن طائرة أميركية أُصيبت بالنيران الإيرانية، وأن طائرة من طراز "إيه 10 ثاندربولت" وصلت إلى المجال الجوي الكويتي قبل أن يقفز منها الطيار وتتحطم، بينما تحدثت تقارير أخرى عن إسقاط مقاتلة من طراز "إف 15 إي" مع استمرار عملية بحث وإنقاذ أميركية.
التفاوض يتراجع مع تصاعد الحرب
جاء هذا التطور بعد ما يقرب من خمسة أسابيع من اندلاع الحرب بهجوم جوي مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير 2026، وهي حرب تسببت في اضطراب واسع في المنطقة وفي الأسواق المالية، وزادت الضغط على ترامب لإيجاد مخرج سريع. لكن التقارير الأخيرة أظهرت أن نبرة ترامب تصاعدت في الأيام الماضية، بينما تراجعت مؤشرات التقدم في المفاوضات غير المباشرة مع القيادة الإيرانية الجديدة.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الجمعة عن وسطاء أن الجهود التي تقودها باكستان، بدعم من أطراف إقليمية أخرى، للتوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى طريق مسدود. وأضافت الصحيفة أن إيران أبلغت الوسطاء رسميًا أنها لا تريد عقد لقاء مع المسؤولين الأميركيين في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، وأنها تعتبر الشروط الأميركية غير مقبولة.
كما أوضحت تقارير أخرى أن مصر وتركيا تواصلان البحث عن صيغ بديلة ومقار محتملة مثل الدوحة أو إسطنبول لكسر الجمود، لكن الفجوة بين الطرفين ما زالت كبيرة. وبذلك لم يعد إسقاط الطائرة الأميركية حدثًا عسكريًا منفصلًا، بل صار جزءًا من مسار أوسع يضغط على التفاوض ويؤكد أن الحرب تتحرك أسرع من الوسطاء.
هرمز يبقى عقدة الحرب ومجلس الأمن يؤجل الحسم
على هذا الأساس، بقي مضيق هرمز في قلب المواجهة السياسية والعسكرية. فقد نقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول أمني إيراني رفيع أن طهران "لن تسمح من الآن فصاعدًا" بمرور معدات عسكرية إلى القواعد الأميركية في المنطقة عبر المضيق، الذي أغلقته فعليًا منذ بداية الحرب، وأنها لا تسمح إلا بعبور عدد محدود من السفن بالتنسيق معها. كما تؤكد تقارير متعددة أن إيران ما زالت تستخدم المضيق كورقة ضغط مركزية في مواجهة واشنطن وحلفائها.
وبالتوازي مع ذلك، أُرجئ التصويت في مجلس الأمن على مشروع قرار قدمته البحرين يجيز استخدام القوة "الدفاعية" لحماية الملاحة في مضيق هرمز من الهجمات الإيرانية. وأفادت تقارير دبلوماسية بأن التصويت الذي كان مقررًا الجمعة تأجل أولًا إلى السبت ثم إلى الأسبوع المقبل من دون موعد نهائي جديد، في ظل اعتراضات دولية على صيغة التفويض باستخدام القوة.
وفي المقابل، حذرت إيران مجلس الأمن من أي "خطوة استفزازية" في هذا الملف، وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن أي تحرك من المعتدين وأنصارهم، بما في ذلك داخل مجلس الأمن، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع على هرمز متعلقًا بالملاحة فقط، بل صار صراعًا على شكل التدخل الدولي وحدوده، وعلى من يملك حق فرض الوقائع في الممر البحري الأهم للطاقة عالميًا.
الغارات تمتد إلى البتروكيماويات والعراق
ميدانيًا، اتسعت الضربات اليوم إلى منشآت بتروكيماوية في جنوب غرب إيران. فقد أفادت وكالة مهر بأن مجمع بندر إمام للبتروكيماويات في خوزستان تعرض لغارات جوية تسببت في أضرار ببعض أجزائه، بينما تحدثت وكالة فارس عن سماع دوي انفجارات عدة في منطقة ماهشهر البتروكيماوية. كما أكدت تقارير أخرى إصابة خمسة أشخاص على الأقل في هذه الضربات على المجمعات الصناعية في الإقليم.
وفي الوقت نفسه، قالت القناة 12 الإسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي بدأ موجة غارات على منشآت بتروكيماوية في جنوب غرب إيران، فيما ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو هاجم مصانع بتروكيماوية في جنوب غرب إيران في إطار تعميق الضرر بالصناعات العسكرية والاقتصاد الإيراني، على غرار الهجمات التي طالت مصانع الصلب في الأيام الأخيرة. ونقلت الإذاعة عن مصادر إسرائيلية أن استهداف هذه المصانع سيسبب أضرارًا اقتصادية إضافية كبيرة لإيران.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان أنه استهدف الجمعة بنى تحتية أساسية في طهران، بما في ذلك مواقع دفاع جوي تابعة للنظام الإيراني، وموقعًا تابعًا للحرس الثوري قال إنه يضم صواريخ مخصصة لاستهداف الطائرات، إضافة إلى موقع عسكري مسؤول عن حماية مرافق البحث والتطوير، ومخزن صواريخ باليستية، ومواقع أخرى لإنتاج السلاح والبحث والتطوير. وبهذا اتضح أن إسرائيل تواصل الجمع بين ضرب البنية الدفاعية والقدرات الإنتاجية والعصب الاقتصادي الإيراني في وقت واحد.
وامتد أثر الحرب إلى العراق أيضًا. فقد أفادت وكالة فرانس برس بسقوط قتيل من "الحشد الشعبي" في ضربة قرب الحدود السورية في غرب العراق، بينما أعلنت "المقاومة الإسلامية في العراق" تنفيذ 19 عملية خلال أربع وعشرين ساعة ضد قواعد أميركية في العراق والمنطقة باستخدام الصواريخ والمسيّرات. كما أفادت مصادر أمنية لوكالة رويترز باندلاع حريق بعدما أصابت طائرة مسيّرة منشآت تخزين تابعة لشركات نفط أجنبية غربي البصرة، في مؤشر إضافي على أن جبهة العراق تتحول بدورها إلى ساحة مفتوحة ضمن هذه الحرب.
خلاصة المشهد أن الحرب لم تعد محصورة بين ضربة وضربة مضادة داخل إيران، بل صارت ملفًا إقليميًا كاملًا يمتد من أجواء وسط إيران إلى منشآت خوزستان، ومن مضيق هرمز إلى غرب العراق والبصرة، بينما يتحدث ترامب عن أن إسقاط الطائرة لن يعرقل التفاوض في وقت تقول فيه الوقائع إن التفاوض نفسه يتراجع خطوة بعد خطوة. وفي ظل تأجيل مجلس الأمن، وتعثر الوسطاء، واستمرار الضربات على الاقتصاد الإيراني والبنية العسكرية، تبدو المنطقة أمام تصعيد جديد لا أمام تسوية قريبة.

