أصدرت وزارة العدل قرارًا يقضي بقيام العاملين بها بمهامهم عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع لمدة شهر يبدأ من الأحد 5 أبريل 2026، مع استخدام الوسائل الإلكترونية المؤمنة ونظم التراسل الإلكتروني، في خطوة تكشف أن أزمة الكهرباء لم تعد شأنًا فنيًا محدودًا داخل قطاع خدمي، بل تحولت إلى عبء ثقيل يدفع واحدة من أكثر الوزارات حساسية إلى إعادة ترتيب عملها تحت ضغط خطة حكومية واسعة لترشيد الاستهلاك.

 

تكشف هذه الخطوة أن الحكومة لم تعد قادرة على التعامل مع أزمة الطاقة بوصفها خللًا يمكن احتواؤه من داخل الإدارة اليومية المعتادة، بل باتت تنقل آثار الأزمة إلى مؤسساتها نفسها، بما فيها وزارة العدل التي ترتبط مباشرة بسير التقاضي والخدمات العامة.

وعندما تصل إجراءات الترشيد إلى هذا المستوى، فإن المسألة لا تبدو حملة تنظيمية عابرة، بل اعترافًا عمليًا بأن الأزمة أعمق من قدرة الدولة على إخفائها بالبيانات والوعود.

 

العمل عن بعد في وزارة العدل يؤكد أن الأزمة انتقلت من محطات الكهرباء إلى قلب الجهاز الإداري

 

وجه المستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، بقيام العاملين بالوزارة لمهامهم عن بعد من دون التواجد بمقر الوزارة يوم الأحد من كل أسبوع لمدة شهر، على أن يتم العمل من خلال الوسائل الإلكترونية المؤمنة وباستخدام نظم التراسل الإلكتروني.

ويعني هذا القرار أن الوزارة لم تعد تتعامل مع الاستهلاك الكهربائي باعتباره شأنًا ثانويًا، بل بات عنصرًا يفرض إعادة تنظيم العمل نفسه داخل ديوانها العام.

 

ثم جاء هذا القرار في إطار تنفيذ قرار مجلس الوزراء بتطبيق نظام العمل عن بعد يوم الأحد من كل أسبوع، بما يوضح أن ما جرى في وزارة العدل ليس مبادرة مستقلة، بل جزء من خطة حكومية أوسع لخفض الأحمال.

وهذا الربط مهم، لأنه يكشف أن السلطة لا تعالج أزمة قطاع أو مبنى بعينه، بل تتعامل مع نقص أو ضغط عام بلغ درجة دفعت الحكومة إلى تغيير نمط العمل الرسمي ولو مؤقتًا.

 

كما حرص الوزير على استثناء الجهات الخدمية التابعة للوزارة أو تلك التي تتصل بسير إجراءات التقاضي من العمل عن بعد، وتشمل المحاكم بجميع درجاتها، ومكاتب الشهر العقاري والسجل العيني وفروع التوثيق ومكتب زواج الأجانب ومكتب تملك غير المصريين، فضلًا عن مكاتب الخبراء والطب الشرعي والعيادات الطبية التابعة لصندوق الرعاية الصحية ومكاتب التصديق وإدارات الأمن.

ويكشف هذا الاستثناء الواسع أن الوزارة تعرف أن التوسع في التعطيل قد يصيب جوهر الخدمة العدلية نفسها.

 

لكن هذا الاستثناء ذاته يفضح حدود القرار، لأن الوزارة تعلن العمل عن بعد من جهة، ثم تضطر إلى الإبقاء على معظم المفاصل الخدمية الأساسية في مواقعها من جهة أخرى.

وبذلك يظهر الإجراء بوصفه محاولة لتقليل العبء العام أكثر مما هو تحول حقيقي في الإدارة.

وهذا يعني أن الأزمة الكهربائية وصلت إلى الوزارة، لكن أدوات مواجهتها ما زالت جزئية ومرتبكة ولا تمس أصل المشكلة في قدرة الدولة على تأمين الطاقة.

 

وفي هذا السياق، يرى الخبير الإداري صفوت النحاس أن اللجوء إلى العمل عن بعد داخل مؤسسات الدولة لا يعكس نجاحًا تنظيميًا في ذاته إذا جاء تحت ضغط عجز هيكلي في الموارد والخدمات الأساسية.

وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن القرار لم يصدر في إطار تحديث طبيعي للإدارة، بل في إطار خطة طوارئ هدفها خفض الاستهلاك، ما يجعله عرضًا لأزمة أكبر لا دليلاً على إصلاح إداري مستقر.

 

خفض استهلاك الكهرباء والوقود بنسبة 50 في المئة يفضح حجم الضغط ويحول الترشيد إلى اعتراف بالعجز

 

لم يتوقف قرار وزير العدل عند العمل عن بعد، بل امتد إلى توجيه الجهات التابعة للوزارة باتخاذ الإجراءات اللازمة لخفض استهلاك الكهرباء بمقرات الوزارة والجهات التابعة لها بنسبة 50 في المئة من الاستهلاك الحالي.

وهذه النسبة شديدة الدلالة، لأنها لا تعني مجرد ترشيد محدود أو مراجعة لبعض الأنماط الاستهلاكية، بل تعني أن الوزارة طُلب منها أن تنزل إلى نصف استهلاكها تقريبًا تحت ضغط تخفيف الأحمال على الشبكات.

 

ثم أضاف الوزير توجيهًا آخر يقضي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتخفيض استهلاك الوقود بكافة صوره بنسبة 50 في المئة أيضًا، مع وضع ضوابط لاستخدام السيارات الحكومية بما يضمن تحقيق هذا المستوى المستهدف من الترشيد في البنزين والسولار.

ويكشف هذا القرار أن الحكومة لا تواجه فقط أزمة كهرباء في المباني، بل تواجه كذلك ضغطًا أوسع في الطاقة والوقود يجعلها تضرب بخطة الخفض في أكثر من اتجاه داخل المؤسسة الواحدة.

 

كما تؤكد هذه التوجيهات أن السلطة لا تريد تقديمها بوصفها تعطيلًا للخدمات، إذ شددت على أن التنفيذ يجب أن يتم من دون إخلال أو تأثير بإجراءات التقاضي أو الخدمات الجماهيرية التي تقدمها الوزارة من خلال إداراتها المعنية.

لكن هذا التطمين الرسمي لا يغير من حقيقة أن خفض الكهرباء والوقود إلى النصف داخل مؤسسة بحجم وزارة العدل لا يمكن أن يمر بوصفه تعديلًا إداريًا عاديًا، بل يظل مؤشرًا على ضغط حاد فرض نفسه على الأداء العام.

 

وبسبب ذلك، يصبح خطاب الترشيد نفسه موضع تساؤل، لأن الدولة لا تطرحه هنا باعتباره سلوكًا اقتصاديًا رشيدًا فحسب، بل باعتباره ضرورة عاجلة تمليها أوضاع الشبكة والوقود.

وعندما تصل السلطة إلى هذا المستوى من التخفيض داخل الوزارات، فإن الرسالة الفعلية التي تصل إلى الجمهور هي أن الحكومة لم تعد تدير وفرة تحتاج إلى انضباط، بل تدير نقصًا يفرض تقشفًا مؤسسيًا لا تملك تجاهله.

 

وفي هذا الإطار، يلفت الخبير الاقتصادي ممدوح الولي النظر إلى أن الحكومات التي تنقل كلفة اختلالات الطاقة والعملة إلى مؤسساتها وخدماتها العامة تكون قد دخلت مرحلة الدفاع لا التخطيط، لأنها لم تعد تملك سوى إعادة توزيع آثار الأزمة بدل حلها.

وتظهر قيمة هذا الرأي هنا لأن وزارة العدل لا تخفض استهلاكها من باب الكفاءة فقط، بل من باب الضرورة التي فرضتها خطة حكومية تعترف عمليًا بأن الشبكة تحت الضغط.

 

محاولة حماية التقاضي لا تخفي أن الدولة تدير الأزمة بالاستثناءات لا بالحلول الجذرية

 

حرص وزير العدل على تحصين القطاعات الأكثر اتصالًا بالجمهور من أثر العمل عن بعد، ولذلك استثنى المحاكم بكل درجاتها، ومكاتب الشهر العقاري، والتوثيق، والسجل العيني، ومكاتب الخبراء، والطب الشرعي، والعيادات الطبية، ومكاتب التصديق، وإدارات الأمن.

وهذا الحرص مفهوم من جهة سير العدالة والخدمة، لكنه يكشف من جهة أخرى أن الحكومة لا تملك مساحة واسعة للتطبيق الكامل، لأن قلب الوزارة الخدمي لا يحتمل التخفيض الشامل.

 

ثم يعني ذلك أن القرار ظل محصورًا أساسًا في الديوان وبعض القطاعات الإدارية، بينما بقيت المرافق الأشد اتصالًا بالمواطن تعمل وفق النظام المعتاد.

وهنا تظهر مفارقة واضحة، لأن الحكومة تعلن خطة واسعة للترشيد، لكنها تضطر في الوقت نفسه إلى استثناء معظم المواقع التي قد يشعر فيها الجمهور مباشرة بأي تعطيل.

وبذلك يصبح العبء موزعًا بطريقة دفاعية هدفها تقليل الغضب العام أكثر من تحقيق إعادة هيكلة حقيقية في الأداء.

 

كما أن الاعتماد على الوسائل الإلكترونية المؤمنة ونظم التراسل الإلكتروني يطرح بدوره سؤالًا عن جاهزية البنية الرقمية داخل الوزارة، لا سيما في ظل الطبيعة الحساسة للملفات القضائية والإدارية.

وعندما ينتقل العمل جزئيًا إلى هذا النمط تحت ضغط الأزمة، لا في إطار تحول مدروس طويل الأجل، فإن المخاوف لا تتعلق فقط بالكفاءة، بل كذلك بقدرة المؤسسة على التكيف من دون إرباك أو بطء أو فجوات تنظيمية.

 

وبسبب ذلك، لا يبدو القرار عنوانًا على تحديث ناجح للمرفق العدلي، بل يبدو محاولة موضعية لإدارة مأزق أوسع.

فالدولة تحاول أن تخفض الاستهلاك إلى النصف، وأن تبقي الخدمات الحساسة قائمة، وأن تطمئن الناس إلى عدم المساس بالتقاضي، وكل ذلك في الوقت نفسه.

وهذا النوع من الإدارة بالاستثناءات يكشف أن الحكومة لم تدخل الأزمة وهي تملك خطة بنيوية جاهزة، بل دخلتها وهي تبحث عن أقل الخسائر الممكنة داخل مؤسسة لا تحتمل الشلل.

 

وفي هذا المعنى، يرى الفقيه الدستوري نور فرحات أن أي تعديل في سير المؤسسات العامة، خصوصًا تلك المرتبطة بالعدالة والخدمات السيادية، يجب أن يقوم على تخطيط مؤسسي واضح لا على رد فعل سريع لظرف ضاغط.

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها هنا لأن وزارة العدل لا تغيّر يوم العمل أو تخفض الوقود والكهرباء من داخل مشروع إصلاح متكامل، بل من داخل أزمة فرضت نفسها على إيقاع الدولة كله.

 

بعد ذلك، يصبح قرار وزارة العدل شاهدًا على اتساع الأزمة لا على احتوائها.

فالوزارة التي يفترض أن تبقى بعيدة عن الارتباك اليومي اضطرت إلى تقليص الحضور المباشر، وخفض الكهرباء، وخفض الوقود، وإعادة ترتيب استخدام السيارات الحكومية، مع شبكة طويلة من الاستثناءات لحماية الخدمات الأساسية.

وكل ذلك يعني أن السلطة لا تدير فائضًا تسعى إلى ترشيده، بل تدير شحًا بات يمس الوزارات السيادية نفسها.

 

وأخيرًا، يكشف العمل عن بعد يوم الأحد وخفض الكهرباء والوقود بنسبة 50 في المئة في وزارة العدل أن الحكومة لم تعد تملك ترف الفصل بين أزمة الطاقة وبين تشغيل مؤسساتها الأساسية.

ولذلك فإن القرار لا يُقرأ بوصفه إجراءً تنظيميًا معزولًا، بل باعتباره علامة جديدة على أن الدولة تدير الأزمة من موقع الاضطرار لا من موقع السيطرة، وتنقل كلفتها إلى مؤسساتها وموظفيها وخدماتها بدل أن تقدم حلًا جذريًا يعالج أصل الخلل في الطاقة والإدارة معًا.