جاءت الزيادات الجديدة في أسعار عدد من السلع التموينية المخصصة للمنحة الإضافية البالغة 400 جنيه لتفضح من جديد الطريقة التي تدير بها الحكومة ملف الدعم، لأن الدولة أعلنت منحة يفترض أنها تخفف العبء عن المستحقين، ثم تركت الأسعار ترتفع داخل السلع نفسها التي يفترض أن تُشترى بهذه المنحة. وبهذا المعنى، لم تعد المشكلة في ضعف قيمة الدعم فقط، بل في أن الحكومة نفسها تسمح بتآكله داخل القنوات التي تقدم من خلالها ما تسميه حماية اجتماعية.
تكشف قائمة الأسعار الجديدة لشهور إبريل ومايو ويونيو 2026 أن الأسرة التي تدخل إلى المنفذ التمويني لم تعد تواجه منحة إضافية فعلية، بل تواجه إعادة تسعير للسلة الأساسية على نحو يلتهم جزءًا كبيرًا من هذه القيمة قبل أن تتحول إلى غذاء حقيقي. ولذلك لم تعد المنحة تبدو إجراءً للحماية، بل صارت تبدو محاولة شكلية لإظهار أن الدولة تمنح الفقراء شيئًا، بينما السوق نفسه يسحب منهم هذا الشيء في اللحظة ذاتها.
المنحة الإضافية فقدت معناها بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية نفسها
أظهرت القائمة المحدثة لأسعار السلع التموينية المخصصة للمنحة الإضافية أن سعر السكر التمويني وصل إلى نحو 28 جنيهًا للكيلو، بينما بلغ سعر زيت الطعام عبوة 800 مل نحو 60 جنيهًا، ووصل زيت اللتر إلى قرابة 84 جنيهًا. كما سجل الأرز التمويني نحو 25 جنيهًا للكيلو، وهي أسعار تكشف أن السلع الأكثر أساسية لم تعد تتحرك داخل هامش مقبول للمستحقين.
ثم امتدت الزيادة إلى بقية الأصناف التي تعتمد عليها الأسر محدودة الدخل في استكمال احتياجاتها اليومية، إذ تراوحت أسعار المكرونة بين 14 و16 جنيهًا، وسجل الفول المعبأ نحو 20 جنيهًا، بينما بلغ العدس المجروش حوالي 36 جنيهًا. كما وصل سعر الشاي إلى نحو 5 جنيهات، وسجلت القهوة سريعة الذوبان قرابة 9 جنيهات، وهو ما يعني أن قائمة المنحة لم تعد تحمي حتى الحد الأدنى من السلة المعيشية.
وبسبب ذلك، لم تعد قيمة 400 جنيه تبدو كافية حتى داخل السوق التموينية نفسها التي يفترض أنها أقل كلفة من السوق الحرة. فحين تحاول الأسرة توزيع هذه القيمة على السكر والزيت والأرز والمكرونة والفول والعدس وبعض المشروبات الأساسية، تجد نفسها مضطرة إلى تقليص الكميات أو استبعاد بعض الأصناف. وهكذا تتحول المنحة من أداة تخفيف إلى مساحة جديدة لإدارة العجز اليومي في شراء الضروريات.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن المشكلة الحقيقية في برامج الدعم النقدي أو شبه النقدي لا تبدأ من الرقم المعلن، بل من قدرة هذا الرقم على الصمود أمام التضخم والأسعار الفعلية. وتكتسب هذه الملاحظة وزنها هنا لأن المنحة الإضافية فقدت جزءًا من قيمتها لحظة إعادة تسعير السلع، بما يجعل الزيادة في الدعم أقل أثرًا من الزيادة في التكلفة.
الحكومة تمنح على الورق ثم تسترد ما منحته عبر التسعير داخل المنافذ
لم تأت هذه الزيادات في سوق حر مفتوح وحده، بل ظهرت داخل سلع مخصصة أصلًا للمنحة الإضافية المقررة للمستحقين خلال إبريل ومايو ويونيو 2026. وهذه النقطة تكشف جوهر الأزمة، لأن الدولة لا تواجه الفقراء فقط بارتفاع أسعار السوق العامة، بل تواجههم أيضًا بارتفاع أسعار السلع التي تقدمها هي في إطار ما تسميه دعمًا أو حماية اجتماعية للفئات الأولى بالرعاية.
ثم يزداد الخلل وضوحًا حين نلاحظ أن المنحة محددة القيمة، بينما الأسعار متحركة في اتجاه الصعود. فالدولة ربطت المستحقين برقم جامد هو 400 جنيه، لكنها لم تربط السلع نفسها بسقف يحفظ لهذه القيمة معناها الشرائي خلال الأشهر الثلاثة. ولذلك صار المواطن يحصل على المبلغ نفسه اسميًا، لكنه يشتري به أقل من السابق فعليًا، وهو ما يعني أن الحكومة خفضت الدعم الواقعي من دون أن تعلن ذلك مباشرة.
كما يكشف هذا المسار أن المنحة لم تُبن على دراسة فعلية لتكلفة السلة التموينية في توقيت الصرف، بل بُنيت على منطق الحد الأدنى السياسي الذي يسمح للحكومة بإعلان إجراء اجتماعي جديد. لكن عندما تدخل الأسرة إلى المنفذ وتكتشف الأسعار الجديدة، فإنها تدرك سريعًا أن الزيادة لم تُصمم لحماية الاستهلاك، بل لتجميل المشهد العام وإعطاء انطباع مؤقت بأن الدولة ما زالت تقدم شيئًا للفقراء.
وفي هذا الإطار، يوضح الخبير الاقتصادي فخري الفقي أن أي دعم لا يُربط فعليًا بحركة الأسعار يفقد قدرته على حماية القوة الشرائية، لأن التضخم يلتهم القيمة الاسمية بسرعة. وتساعد هذه القراءة على فهم ما يجري داخل السلع التموينية حاليًا، لأن المنحة التي يفترض أن تساعد المستحقين تحولت إلى مبلغ محدود يجري استنزافه بسرعة بفعل الأسعار الرسمية الجديدة داخل المنافذ نفسها.
اتساع أسعار السلة التموينية يؤكد أن الفقراء يدفعون ثمن الغلاء حتى في قنوات الدعم
تكشف قائمة الأسعار الجديدة أن الارتفاع لم يقتصر على سلعة أو اثنتين، بل طال عددًا من الأصناف التي تشكل عماد الاستهلاك الغذائي للأسر محدودة الدخل. فحين يرتفع السكر والأرز والزيت والمكرونة والفول والعدس معًا، فإن الأسرة لا تستطيع المناورة كثيرًا، لأن معظم البدائل الضرورية تصبح بدورها أعلى تكلفة. وهكذا لا يبقى أمامها سوى تقليل الكميات أو التخلي عن بعض الأصناف الأساسية.
ثم ينعكس هذا الاتساع في الزيادة على المعنى الاجتماعي للمنحة نفسها، لأن المستفيد لا يستخدم هذه القيمة في شراء سلعة رفاهية أو استثنائية، بل في شراء أبسط مكونات المائدة اليومية. ولذلك فإن ارتفاع سعر الزيت إلى 60 جنيهًا لعبوة 800 مل، و84 جنيهًا للتر، وبلوغ العدس 36 جنيهًا، لا يمثل مجرد تعديل سعري، بل يمثل ضغطًا مباشرًا على غذاء الأسر التي تعيش أصلًا تحت وطأة الغلاء.
كما يدفع هذا الواقع كثيرًا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية بصورة قاسية. فالمنحة التي كان يفترض أن توسع قدرة الأسرة على شراء احتياجاتها تحولت إلى مناسبة لاختيار ما يمكن الاستغناء عنه أولًا. وهذا النوع من الاختيار لا يحدث في مستوى الرفاهية، بل في مستوى الغذاء الأساسي نفسه، حين يصبح على الأسرة أن تقرر ما إذا كانت ستشتري زيتًا أقل أو تستغني عن العدس أو تقلل الأرز.
وفي هذا المعنى، يشير الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء يضرب مباشرة دخول الفقراء أكثر من أي فئة أخرى، لأن الجزء الأكبر من إنفاقهم يذهب أصلًا إلى الطعام لا إلى الادخار أو الاستهلاك الاختياري. وتمنح هذه الملاحظة التقرير معناه الأوضح، لأن المنحة التموينية لا تُقاس بقيمتها الاسمية، بل بما تشتريه فعليًا داخل سلة غذائية آخذة في الانكماش.
بعد ذلك، يصبح الحديث عن حماية اجتماعية فعالة أمرًا شديد الصعوبة، لأن القناة التي يفترض أن تحمي المستحقين لم تعد معزولة عن موجة الغلاء. فالمواطن الذي يذهب إلى المنفذ التمويني لا يجد أسعارًا ثابتة تكفل له الحد الأدنى من الأمان الغذائي، بل يجد قائمة جديدة تؤكد أن الدعم نفسه صار جزءًا من الأزمة. وهنا لا تعود المشكلة في ضعف القدرة الشرائية فقط، بل في غياب الثقة أصلًا في جدوى ما تعلنه الحكومة.
كما يكشف تخصيص الأسعار الجديدة لثلاثة أشهر متتالية، إبريل ومايو ويونيو 2026، أن المستحقين لا يواجهون صدمة عابرة في بداية شهر واحد، بل يواجهون مرحلة كاملة من الضغط الممتد. وهذا الامتداد الزمني مهم، لأنه يعني أن الأسر لن تتعامل مع الزيادة بوصفها استثناءً سريعًا، بل بوصفها واقعًا مستمرًا يلتهم المنحة شهرًا بعد شهر، ويعيد إنتاج العجز المعيشي نفسه بصورة أكثر قسوة.
وأخيرًا، تؤكد الزيادات الجديدة في أسعار سلع المنحة التموينية أن الحكومة لم تعد تحمي الفقراء حتى داخل أدواتها المعلنة للدعم. فقد ارتفع السكر إلى 28 جنيهًا، والزيت إلى 60 و84 جنيهًا، والأرز إلى 25 جنيهًا، وارتفعت معه بقية الأصناف الأساسية، بينما بقيت المنحة عند 400 جنيه. ولذلك لا تبدو المنحة الإضافية دعمًا فعليًا، بل تبدو صيغة رسمية لتمرير الغلاء داخل منافذ يفترض أصلًا أنها ملاذ محدودي الدخل.

