لم يعد لجوء الحكومة إلى خطاب ترشيد الكهرباء عبر وزارة الأوقاف تفصيلًا إداريًا عابرًا يمكن التعامل معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من حملات التوعية العامة، لأن توقيته ومضمونه يكشفان أن السلطة نفسها باتت تدرك اتساع الأزمة إلى مستوى لم تعد قادرة على تحمله سياسيًا واجتماعيًا. وعندما تنتقل الدولة من معالجة الخلل في الطاقة والإمدادات والتخطيط إلى مخاطبة الناس من فوق المنبر، فإنها تعلن عمليًا أن أدوات الإدارة تراجعت لحساب أدوات التسكين والتهدئة.

 

تكشف هذه النقلة أن الأزمة لم تعد أزمة استهلاك فردي يمكن حلها بنصائح أخلاقية أو دعوية، بل أزمة دولة أرهقها الفساد وسوء التخطيط وارتهان القرار الاقتصادي والسيادي لخيارات قصيرة النظر. فالحكومة التي فشلت في بناء سياسات طاقة مستقرة، واعتمدت على الاستيراد من إسرائيل، وأهملت تنويع المصادر وتكوين المخزونات، ثم باعت شركات ومحطات لتسدد الديون، عادت الآن لتطلب من المواطنين أن يتحملوا نتائج هذا المسار باسم الترشيد والانضباط.

 

استدعاء المنبر الديني يكشف أن الدولة انتقلت من الإدارة إلى التسكين.

 

أعلنت وزارة الأوقاف تخصيص موضوع خطبة الجمعة الثانية للحديث عن ترشيد استهلاك الكهرباء في إطار ما سمته نشر الوعي المجتمعي بقضايا ترشيد الطاقة. ولا يمكن فصل هذا القرار عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة، لأن السلطة لم تلجأ إلى المساجد إلا بعدما وصلت الأزمة إلى مرحلة لم تعد تحتمل معها خطابًا إداريًا تقليديًا أو تبريرًا ماليًا محدودًا.

 

ثم جاء هذا التوجه ليؤكد أن الحكومة لا تريد فقط خفض الاستهلاك، بل تريد قبل ذلك نقل عبء الأزمة إلى المجتمع نفسه. فبدل أن تبدأ الدولة من مساءلة سياساتها في الطاقة والتوليد والاستيراد، بدأت من المواطن الذي يطلب منه الآن أن يخفض استهلاكه وأن يضبط سلوكه وأن يتلقى منبر الجمعة بوصفه أداة تعبئة لتقليل الغضب لا لتفسير أصل الكارثة.

 

كما يكشف هذا المسار أن الدولة تعرف أن الأزمة أكبر من قدرتها على المواجهة المباشرة. ولذلك اختارت الاستنجاد بالخطاب الديني، لأنه أقل كلفة سياسيًا من الاعتراف بفشل التخطيط، وأقدر على تهدئة الشارع من البيانات الحكومية الجافة. وعندما تضع السلطة الوزارة الدينية في مقدمة المشهد، فإنها تقول بوضوح إنها تبحث عن غطاء معنوي وأخلاقي يعوض عجزها التنفيذي الفعلي.

 

وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي جودة عبد الخالق أن جوهر الأزمات المتراكمة في مصر يعود إلى غياب التخطيط الرشيد وإلى إدارة اقتصادية تنقل أعباء القرارات الخاطئة إلى المواطنين بدل أن تعالج أصل الخلل. وتساعد هذه القراءة على فهم لماذا تلجأ السلطة إلى خطاب الوعظ العام كلما عجزت عن تقديم حل عملي، لأن الاعتراف بالخلل الحقيقي يفتح بابًا لا تريد الدولة فتحه.

 

الاعتماد على الاستيراد وغياب التفكير المستقبلي أوصلا الكهرباء إلى حافة العجز.

 

جاءت أزمة الكهرباء الحالية بعد سنوات من السياسات التي لم تبنِ أمن الطاقة على تنويع حقيقي للمصادر ولا على توسع منظم في المخزونات الاستراتيجية، بل على رهانات قصيرة الأجل ارتبطت بالاستيراد وبالترتيبات السياسية الإقليمية. وبهذا المعنى، لم تكن الأزمة مفاجئة، لأن أساسها ظل قائمًا منذ اختارت الدولة أن تربط جزءًا من احتياجاتها الحيوية بمسارات خارجية قابلة للاهتزاز في أي لحظة.

 

ثم تعمق الخلل عندما تعاملت السلطة مع ملف الطاقة بوصفه ملفًا ماليًا وسدادًا للديون أكثر من كونه ملفًا سياديًا واستراتيجيًا. فبدل أن توسع الدولة خياراتها وتحصن مصادرها وتبني قدرة احتياطية مستقلة، مضت في مسار يفضل البيع السريع والحلول المؤقتة على التخطيط الممتد. ولذلك لم تكن الصدمة في ظهور الأزمة، بل في أن الدولة واجهتها من دون استعداد يوازي حجم المخاطر المتوقعة.

 

كما أدى هذا المسار إلى كشف أزمة أوسع في فلسفة الحكم نفسها، لأن السلطة لم تتصرف بعقل دولة تنظر إلى المستقبل، بل بعقل إدارة تبحث عن مخرج مالي عاجل حتى لو كان على حساب الأمن الاقتصادي لاحقًا. وعندما تُباع الشركات ومحطات التوليد لسداد الديون، فإن الرسالة التي تتلقاها السوق واضحة، وهي أن الدولة تؤجل الانفجار ولا تمنعه، وتغطي العجز ولا تعالجه.

 

وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي فخري الفقي أن الأزمات المتراكمة في مصر ترتبط بضعف الرؤية الإنتاجية طويلة المدى وباختلال أولويات الإنفاق والاستثمار. وتبرز أهمية هذا الرأي هنا لأن أزمة الكهرباء ليست منعزلة عن بقية الأزمات، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات فضلت المعالجات المالية السريعة على بناء قدرة مستقرة في الطاقة والغذاء والنقل وسائر القطاعات الحيوية.

 

الفساد وسوء الإدارة دفعا الحكومة إلى مطالبة الناس بدفع ثمن ما لم يصنعوه.

 

لم تتوقف الأزمة عند حدود ضعف التخطيط، لأن الفساد المستشري داخل بنية الدولة حول كثيرًا من الملفات الحيوية إلى مساحات مغلقة على المحاسبة والمراجعة. وعندما تغيب الشفافية عن التعاقدات والإنفاق وبيع الأصول وتحديد الأولويات، يصبح من الطبيعي أن تصل الدولة إلى لحظة تعجز فيها عن تفسير أزمتها للناس إلا عبر خطاب أخلاقي يحمّلهم جزءًا من المسؤولية.

 

ثم يظهر هذا الخلل بوضوح في الطريقة التي يجري بها تقديم الأزمة للرأي العام. فالحكومة لا تبدأ من سؤال كيف أُديرت الموارد، ولا من سؤال لماذا غابت البدائل، ولا من سؤال كيف جرى بيع الأصول تحت ضغط الدين، بل تبدأ من سؤال كيف يستهلك المواطن الكهرباء. وهنا يصبح المواطن متهمًا ضمنيًا بالتبذير، بينما يُعفى صناع القرار من مسؤولية الخيارات التي أنتجت المأزق.

 

كما يكشف هذا الترتيب أن السلطة تخشى مواجهة الناس بحقيقة أبسط وأقسى، وهي أن الأزمة لم تتفاقم بسبب استخدام المواطنين للمراوح والمكيفات والإضاءة، بل بسبب سنوات من الإدارة المرتبكة والفساد وسوء ترتيب الأولويات. ولذلك تحاول الحكومة تقديم خطاب الترشيد بوصفه حلًا جماعيًا، بينما الحقيقة أن ما تطلبه هو تغطية اجتماعية على عجز سياسي وإداري متراكم.

 

وفي هذا المعنى، يلفت الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي النظر إلى أن الدولة في مصر اعتادت تحميل المجتمع كلفة السياسات الفاشلة بدل أن تعيد النظر في بنية القرار ذاته. وتمنح هذه القراءة التقرير أساسه المباشر، لأن استدعاء وزارة الأوقاف هنا لا يظهر كخطوة توعوية بريئة، بل كجزء من آلية أوسع لتدوير الأزمة ونقل ثمنها إلى الناس باسم الواجب العام.

 

بعد ذلك، يصبح المنبر الديني أداة لضبط المزاج العام قبل أن يكون أداة لشرح المسألة. فالدولة التي لا تستطيع الدفاع عن سجلها في إدارة الطاقة، ولا تملك رواية مقنعة عن بيع الأصول والاعتماد على الخارج وغياب البدائل، تلجأ إلى خطاب يطلب الصبر والانضباط والتضامن. وهكذا يتحول الدين من مجال هداية روحية إلى وسيلة تستخدمها السلطة عندما يفشل منطق الإدارة ويشتد الضغط الشعبي.

 

وأخيرًا، يكشف تخصيص خطبة عن ترشيد الكهرباء أن الحكومة وصلت إلى لحظة دفاع لا هجوم، وأنها لم تعد قادرة على تحمل نتائج فسادها وسوء تخطيطها من دون الاستنجاد بالمؤسسة الدينية. ولذلك فإن جوهر الأزمة لا يوجد في استهلاك الناس للكهرباء، بل في دولة بددت هوامش الأمان، وأهملت التفكير المستقبلي، ثم عادت لتطلب من المواطنين أن يتحملوا بصمت فاتورة قرارات لم يشاركوها ولم يستفيدوا منها.