أعلنت جامعة الدول العربية من مقرها في القاهرة يوم الأحد اختيار الدبلوماسي المصري نبيل فهمي أمينًا عامًا جديدًا للجامعة خلفًا لأحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في يونيو المقبل في قرار جرى تمريره بالإجماع ومن دون اعتراض عربي رغم أن الصيف الماضي شهد موجة مطالبات صريحة بإنهاء احتكار مصر للمنصب ونقل مقر الجامعة من القاهرة وفتح الباب أمام مرشحين من السعودية وقطر والجزائر وهو ما يجعل هذا التحول السريع في المواقف العربية محل تساؤل سياسي مباشر لأن القبول المفاجئ بالمرشح المصري لا يعكس قوة الجامعة ولا يعكس ثقة متزايدة في دورها بقدر ما يكشف تراجع وزن المنصب نفسه داخل نظام عربي عاجز عن إنتاج توافق حقيقي على إصلاح المؤسسة أو إعادة تعريف دورها في لحظة إقليمية تهتز فيها المنطقة تحت ضغط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتراجع فعالية الأطر العربية الرسمية في حماية الأمن العربي أو حتى التعبير المؤثر عن مصالحه.
ويأتي اختيار فهمي في توقيت يتعرض فيه الدور العربي الرسمي لاختبار قاس بعد اتساع الشكوك الخليجية في جدوى الجامعة العربية نفسها حيث صدرت مواقف علنية من مسؤولين خليجيين تنتقد عجز الجامعة عن صون الأمن العربي في ظل تعرض دول بالقصف وتبدل موازين القوة في الإقليم وهو ما يضع الأمين العام الجديد أمام مؤسسة منهكة أكثر مما يضعه أمام منصب نافذ كما يكشف أن الإجماع على اسمه لم يكن تعبيرًا عن اقتناع عربي بمشروع جديد بقدر ما كان مخرجًا إداريًا من خلاف عربي مفتوح في ظل ظروف مرتبكة تنتظر نتائج الحرب ومآلاتها ولذلك فإن اختيار مصر مجددًا لا يظهر بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا بقدر ما يظهر بوصفه تكريسًا لعجز جماعي عن كسر عرف قديم داخل مؤسسة فقدت كثيرًا من هيبتها وأصبحت أقرب إلى إدارة الجمود من صناعة القرار العربي.
إجماع عربي يخفي تراجع المنصب لا قوة المرشح
في هذا السياق جاء اختيار نبيل فهمي بالإجماع رغم أن دولًا عربية طالبت قبل شهور بإنهاء احتكار مصر للمنصب بل إن الرياض دفعت إلى حد طرح نقل مقر الجامعة من القاهرة وتسمية عادل الجبير للأمانة العامة مع مطالبات موازية من الجزائر وقطر وهو ما يؤكد أن التراجع الحالي عن هذه المطالب لا يعكس تسوية مبدئية بل يعكس تغيرًا في حسابات العواصم العربية تجاه مؤسسة لم تعد ترى فيها أداة مؤثرة.
وبناء على ذلك ربط محللون هذا الإجماع بحالة الإحباط الخليجي من أداء الجامعة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حيث تساءل أنور قرقاش قبل أيام عن دور الجامعة في وقت تعرضت فيه الإمارات للقصف كما عبر وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد يوم الأحد عن غضب خليجي واضح من عجز الجامعة عن أداء دور مؤثر في حماية الأمن العربي وهو ما سحب من المنصب كثيرًا من بريقه السابق.
وفي هذا الإطار قال السفير عبد الله الأشعل إن اختيار نبيل فهمي ممتاز من حيث الخبرة والسيرة الشخصية لكنه أشار بوضوح إلى أن الرجل سيواجه أزمات ثقيلة تتعلق بطبيعة علاقته بإسرائيل وبمحاولات الخليج تطويعه ليصبح منفذًا لرغباته وهو ما يكشف أن المشكلة لا تقف عند اسم المرشح بقدر ما تتصل بحدود الدور المسموح به داخل مؤسسة تخضع لموازين قوى متشابكة.
اختيار مصري بسبب الانقسام العربي لا بسبب استعادة الدور
في امتداد لهذا المشهد أكد الدكتور مصطفى الجمال أن قبول العرب بالمرشح المصري جاء في ظرف عربي حاد وعصيب يشهد انقسامات واضحة تجعل الاتفاق على شخصية خليجية أو مغاربية أمرًا بالغ الصعوبة ولذلك بدا الحل المصري متاحًا ومعتادًا أكثر من كونه حلًا يعكس اقتناعًا متزايدًا بجدوى استمرار العرف القديم الذي يجعل أمين الجامعة من دولة المقر.
ثم يفسر الباحث والكاتب ياسر عبد العزيز هذا المسار بالعودة إلى لحظة تأسيس الجامعة حين كانت مصر صاحبة الثقل السياسي والعسكري الأكبر عربيًا غير أنه يؤكد أن هذا التبرير التاريخي لم يعد قائمًا الآن لأن القاهرة تعيش تراجعًا شديدًا خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة وارتهن قرارها بدرجات مختلفة لعواصم خليجية على رأسها الرياض وأبوظبي وهو ما يجعل إعادة إنتاج الدور المصري أقرب إلى تعبير عن ضعف عربي عام.
كما يلفت هذا المسار إلى أن قبول المرشح المصري لم يكن توافقًا حقيقيًا بقدر ما كان مخرجًا من أزمة بين دول متنافسة وجدت في الاسم المصري حلًا مؤقتًا يرضي الجميع من دون أن يحسم أصل الخلاف وهو ما يفسر قبول نبيل فهمي كما قُبل أحمد أبو الغيط من قبل بوصفهما خيارين لإدارة الجمود لا لقيادة تحول عربي جاد داخل الجامعة.
أمين جديد أمام جامعة في العناية المركزة.
في ضوء ذلك يواجه نبيل فهمي مؤسسة فشلت في التعامل مع أزمات السودان منذ نيسان 2023 وليبيا واليمن وحصار قطر والخلاف الجزائري المغربي والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وحرب غزة بين 2023 و2025 وهي حصيلة دفعت كثيرين إلى التشكيك في جدوى الجامعة نفسها قبل التشكيك في اسم أمينها العام لأن العجز صار مرتبطًا بالبنية وآلية القرار وعدم التزام الأعضاء بقراراتهم.
وفي هذا السياق انتقد ياسر عبد العزيز آلية اتخاذ القرار داخل الجامعة وعدم التزام الدول الأعضاء بالقرارات الصادرة عنها مؤكدًا أن المؤسسة أخفقت في معالجة أغلب النزاعات العربية وأنها تواجه الآن تحديات أشد ترتبط بالتطبيع المستمر مع الاحتلال وبصعود قوى إقليمية تتنافس على قيادة المنطقة في وقت يغيب فيه الحضور السياسي المصري رغم تعاظم قدراتها العسكرية وهو ما يعمق أزمة الجامعة بدل أن يخففها.
ومن ثم يصبح الأمين العام الجديد أمام معادلة قاسية لأن المؤسسة العربية تدخل هذه المرحلة وهي أقرب إلى العناية المركزة بحسب توصيفات واسعة في المجال العام بينما لا تبدو لدى الحكومات العربية إرادة فعلية لإعادة النظر في نظامها الأساسي أو طريقة اتخاذ القرار فيها أو منحها صلاحيات تجعلها قادرة على تجاوز دور البيانات الشكلية التي اكتفت بها في أخطر ملفات المنطقة خلال السنوات الماضية.
سيرة دبلوماسية مثقلة بالجدل وتحديات البداية
في هذا الإطار يأتي نبيل فهمي إلى المنصب بعد مسار دبلوماسي طويل بدأ من مكتب الرئيس أنور السادات عام 1974 مرورًا بتمثيل مصر في الأمم المتحدة ثم العمل سفيرًا في اليابان بين 1997 و1999 وفي واشنطن بين 1999 و2008 وصولًا إلى تعيينه أول وزير خارجية بعد انقلاب تموز 2013 وهو ما يمنحه خبرة مؤسسية واسعة لكنه يضعه أيضًا تحت ظل مواقف سياسية مثيرة للجدل.
كما يرتبط اسم فهمي بتصريحات تركت أثرًا واسعًا في الذاكرة السياسية من بينها وصفه علاقة مصر بالولايات المتحدة في أيلول 2013 بأنها زواج شرعي ثم تراجعه إلى تشبيهها بزواج يحتاج إلى تقييم مستمر بما كشف ميلًا واضحًا إلى واشنطن كما ارتبط اسمه بتصريح سابق عن وجود أسلحة ثقيلة في اعتصام رابعة قبل مذبحة آب 2013 وهو تصريح سارعت منظمة العفو الدولية إلى نفي الاستناد إليه.
ثم يدخل الرجل منصبه الجديد خلفًا لأحمد أبو الغيط الذي تولى الأمانة العامة منذ 10 آذار 2016 ضمن سلسلة طويلة من الأمناء المصريين بدأت بعبد الرحمن عزام عام 1945 مرورًا بمحمد عبد الخالق حسونة ومحمود رياض وعصمت عبد المجيد وعمرو موسى ونبيل العربي ولم يخرج المنصب عن الهيمنة المصرية إلا في مرحلة الشاذلي القليبي بين 1979 و1990 عندما انتقلت الجامعة مؤقتًا إلى تونس بعد كامب ديفيد.
وفي أول تصريح له بعد اختياره وجه فهمي الشكر لعبد الفتاح السيسي على اختياره ممثلًا لمصر وتحدث عن تحديات تواجه الأمة ومخالفات صارخة للقانون الدولي واحتلال أراض عربية ومخططات تستهدف الهيمنة لكن هذه اللغة السياسية العامة تصطدم منذ اللحظة الأولى بحقيقة أن الجامعة نفسها لم تنجح خلال السنوات الأخيرة في تحويل مثل هذه العبارات إلى مواقف مؤثرة أو أدوات ضغط فعالة داخل الإقليم أو خارجه.
وفي النهاية فانتقال نبيل فهمي إلى الأمانة العامة جاء في لحظة لا تبدو فيها الجامعة العربية قادرة على استعادة دورها بقرار إداري أو بتغيير الاسم على باب المكتب لأن أصل الأزمة يكمن في عجز النظام العربي الرسمي عن بناء إرادة مشتركة وفي استمرار هيمنة الحسابات الضيقة على مؤسسة فقدت التأثير والهيبة معًا ولذلك فإن الإجماع على المرشح المصري لا يبدو تتويجًا لدور القاهرة بقدر ما يبدو إعلانًا جديدًا عن شلل عربي مزمن يدار بالحد الأدنى من التوافق.

