كشف تقرير صادر عن منتدى الدراسات المستقبلية في إسطنبول حول الحالة المصرية لعام 2025 عن صورة مركبة لدولة تدير أزماتها بدلًا من معالجتها حيث يرصد التقرير تحولات متداخلة في السياسة والاقتصاد والأمن والمجتمع تعكس استمرار نمط الإدارة القائم على الاحتواء المؤقت دون حلول جذرية في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات داخلية متراكمة وهو ما يضع العام 2026 أمام احتمالات مفتوحة على استمرار نفس المسار دون تغيير جوهري في السياسات العامة.
ويعرض التقرير تفاصيل دقيقة لمسارات السياسة الخارجية والداخلية إلى جانب الأداء الاقتصادي والأمني والاجتماعي مع إبراز فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي حيث تستمر السلطة في تثبيت أدوات السيطرة السياسية بالتوازي مع تراجع المشاركة المجتمعية وتآكل العدالة الاجتماعية وهو ما يعكس نموذج إدارة يعتمد على الضبط أكثر من الإصلاح في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على قطاعات واسعة من المواطنين.
سياسة خارجية حذرة وفجوة في التوظيف الجيوسياسي
في هذا السياق يرصد التقرير أن السياسة الخارجية المصرية خلال 2025 تحركت عبر دوائر متدرجة تبدأ بدول الجوار المباشر وغير المباشر مثل فلسطين والسودان وليبيا ثم تمتد إلى القرن الإفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر قبل الانتقال إلى العلاقات مع القوى الإقليمية مثل دول الخليج وشرق المتوسط والاحتلال الإسرائيلي ثم التفاعل مع القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.
وبناء على ذلك يصف التقرير نمط هذه السياسة بأنه دفاعي حذر يركز على إدارة الأزمات بدلًا من المبادرة وهو ما يعكس تراجع القدرة على توظيف الإمكانات الجيوسياسية المتاحة لمصر بشكل فعال ويؤكد أن أولوية الحفاظ على الاستقرار الداخلي تفرض نفسها على حساب التحرك الخارجي الأكثر فاعلية.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية إن التركيز على إدارة الأزمات بدلًا من صناعتها يعكس تراجع الدور الإقليمي ويضيف أن غياب المبادرة السياسية يقلل من تأثير مصر في محيطها رغم امتلاكها أدوات جيوسياسية كبيرة يمكن استخدامها بشكل مختلف.
هيمنة سياسية وتراجع المشاركة العامة
في امتداد لهذا المسار يوضح التقرير أن المشهد الداخلي شهد ترسيخًا لسيطرة السلطة عبر أدوات التشريع وإدارة الانتخابات وضبط النخب وهو ما أدى إلى هدوء ظاهري في الحياة السياسية لكنه جاء مصحوبًا بتراجع واضح في المشاركة والمساءلة داخل المجال العام.
كما يربط التقرير هذا الوضع بتغير طبيعة العمل البرلماني حيث سيطرت أحزاب الموالاة على المشهد وأصبح البرلمان قريبًا من السلطة التنفيذية وهو ما يقلل من دوره الرقابي ويحول العملية التشريعية إلى امتداد للقرار الحكومي.
وفي هذا السياق يقول الدكتور عمرو حمزاوي أستاذ العلوم السياسية إن ضعف المشاركة السياسية يعكس تراجع الثقة في المؤسسات ويضيف أن غياب التوازن بين السلطات يؤدي إلى برلمان محدود التأثير وهو ما ينعكس على جودة التشريعات والسياسات العامة.
أزمة اقتصادية ممتدة وضغوط اجتماعية متزايدة
في المقابل يشير التقرير إلى أن الاقتصاد المصري خلال 2025 شهد تحسنًا محدودًا في بعض المؤشرات لكنه لا يعكس تعافيًا حقيقيًا بسبب استمرار الأزمة الهيكلية القائمة على الاعتماد على الموارد الريعية والديون مع تراجع دور الإنتاج الحقيقي وتآكل العدالة الاجتماعية.
كما يضيف التقرير أن هذا الوضع يتقاطع مع تحديات في قطاع الطاقة وصفقة الغاز مع الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب استمرار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وهو ما يعكس استمرار الضغوط المالية على الاقتصاد.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور رشاد عبده الخبير الاقتصادي إن التحسن الجزئي في المؤشرات لا يعكس تغييرًا في بنية الاقتصاد ويضيف أن الاعتماد على الديون والموارد غير الإنتاجية يجعل أي تحسن مؤقتًا ويؤدي إلى استمرار الضغوط على الفئات الأكثر تأثرًا.
في سياق متصل يوضح التقرير أن المؤسسة العسكرية تعتمد على استراتيجية الردع المرن في التعامل مع ملفات الأمن الإقليمي مع توسع دورها داخليًا وخارجيًا وهو ما يعكس تزايد حضورها في إدارة ملفات متعددة تتجاوز الدور التقليدي.
ثم يشير التقرير إلى أن الدولة تعتمد نموذج الاستقرار المدار القائم على السيطرة الأمنية والرقابة الرقمية مع استمرار مظاهر العنف اليومي والاحتقان الاجتماعي رغم الهدوء الرسمي وهو ما يعكس فجوة بين الصورة المعلنة والواقع الفعلي.
كما يرسم التقرير صورة لمجتمع يواجه ضغوطًا مركبة نتيجة الأزمات الاقتصادية والتفكك الأسري وتصاعد العنف وتراجع العدالة الاجتماعية وهو ما يعكس تدهورًا في الأوضاع المعيشية بالتوازي مع استمرار الخطاب الرسمي الذي يقدم صورة مختلفة.
وفي سياق مواز يوضح التقرير أن المجتمع المدني والمعارضة يواجهان قيودًا قانونية وأمنية مع استمرار النشاط بشكل محدود بسبب التضييق والانقسامات وهو ما يجعل مستقبل المعارضة مرتبطًا بإعادة التنظيم والتوحد.
ثم يشير التقرير إلى هيمنة المؤسسات الرسمية على المجال الديني مع تأثير مباشر على إدارة الشعائر والتوجيه إلى جانب تدخل الدولة في المجال الثقافي وتراجع دور المؤسسات التقليدية لصالح المنصات الرقمية مع ظهور صراع هويات بين سردية رسمية فرعونية وأخرى شعبية عربية إسلامية.
وأخيرا يعرض التقرير مسارًا متماسكًا لدولة تعتمد على إدارة الأزمات بدلًا من حلها حيث تتقاطع السياسة الخارجية الحذرة مع هيمنة داخلية واضحة وأزمة اقتصادية مستمرة وهو ما يضع عام 2026 أمام امتداد نفس السياسات دون مؤشرات على تغيير جذري في طريقة إدارة الدولة أو معالجة التحديات المتراكمة.

