تطبق حكومة مصطفى مدبولي منذ أواخر مارس قرار الغلق المبكر للمحال التجارية والمقاهي ضمن خطة لترشيد استهلاك الطاقة، وذلك في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، حيث تربط الحكومة هذه الإجراءات بمواجهة تداعيات الأزمة العالمية، بينما تظهر على الأرض آثار مباشرة تمس النشاط الاقتصادي وحياة المواطنين اليومية.
تراجع المبيعات وفرض الالتزام تحت ضغط العقوبات
في هذا الإطار، بدأت الحكومة تنفيذ قرار الغلق عند التاسعة مساءً لليوم الثالث على التوالي، حيث اعتمدت على تقليل ساعات العمل كوسيلة مباشرة لخفض الاستهلاك، بينما تجاهلت في الوقت نفسه طبيعة النشاط التجاري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على فترات المساء في تحقيق الجزء الأكبر من الإيرادات.
وعلى إثر ذلك، أكد عضو بمجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية أن المبيعات تراجعت بنسبة تتراوح بين 15% و20% خلال الأيام الأولى، حيث يعكس هذا التراجع تأثيرًا مباشرًا على دخل التجار، خاصة في ظل عدم وجود أي إجراءات تعويضية من جانب الحكومة للتخفيف من هذه الخسائر.
كما أوضح المصدر أن محال الملابس كانت الأكثر تضررًا لاعتمادها على الإقبال الليلي، بينما كانت محال الأدوات الصحية وقطع الغيار أقل تأثرًا، وهو ما يكشف أن القرار طُبق بشكل عام دون مراعاة اختلاف طبيعة الأنشطة الاقتصادية أو توقيتات ذروة الطلب.
وفي المقابل، حاول بعض التجار تبكير مواعيد العمل لتعويض الخسائر، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق نتائج ملموسة بسبب ارتباط سلوك المستهلك بالفترات المسائية، وهو ما يؤكد أن القرار اصطدم بواقع السوق دون دراسة كافية لتأثيراته الفعلية.
ومن ناحية أخرى، التزم أغلب التجار بالقرار نتيجة الخوف من الحملات التفتيشية، بينما لجأت قلة إلى التحايل، إلا أن التهديد بالغرامات التي تصل إلى 50 ألف جنيه، بالإضافة إلى خطر الغلق الإداري، فرض حالة من الالتزام القسري أكثر من كونه استجابة طوعية.
وفي هذا السياق، وجهت وزيرة التنمية المحلية منال عوض بتطبيق عقوبات تدريجية تبدأ بالإنذار وتنتهي بالتشميع، وهو ما عزز من الطابع العقابي للقرار، حيث اعتمدت الحكومة على الردع بدلًا من تقديم حلول متوازنة تراعي مصالح الأطراف المختلفة.
وفي تعليق على ذلك، قال الدكتور مدحت نافع إن القرارات التي تقلص ساعات النشاط التجاري تؤدي بالضرورة إلى خفض المبيعات اليومية، حيث أوضح أن التأثير يقع بشكل أكبر على المشروعات الصغيرة التي تعتمد على التدفقات النقدية اليومية لتغطية التزاماتها.
الظلام يفرض نفسه وتراجع الإحساس بالأمان
وبالتزامن مع التأثير الاقتصادي، انعكس القرار بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث أدى إغلاق المحال بالتزامن مع تخفيض الإضاءة العامة إلى انتشار الظلام في عدد من المناطق، وهو ما أثار مخاوف تتعلق بالأمان والتنقل في فترات المساء.
وفي هذا السياق، روت إحدى المواطنات بمنطقة اللبيني أنها فوجئت بانخفاض الإضاءة وإغلاق المحال قبل التاسعة مساءً، حيث اضطرت لإنهاء مشترياتها بسرعة، وهو ما يعكس تغيرًا مفاجئًا في نمط الحياة اليومية نتيجة تطبيق القرار.
كما أشارت المواطنة إلى أن الشوارع الداخلية لم تكن تلتزم سابقًا بالغلق المبكر، إلا أن تشديد الرقابة أدى إلى تغير الوضع، وهو ما دفعها إلى تقليل الخروج مساءً، خاصة مع تزامن ذلك مع ضعف الإضاءة في الشوارع.
وفي حي دار السلام، أغلقت المحال والمقاهي أبوابها في الموعد المحدد، بالتزامن مع إطفاء أعمدة الإنارة، مما أدى إلى انخفاض حركة المارة في منطقة تُعد من المناطق التجارية النشطة، وهو ما يعكس تأثيرًا واسعًا للقرار على الحياة العامة.
وعلى إثر ذلك، عبّر أحد أصحاب المحال عن رفضه للقرار، حيث أكد أن غلق المحال في منطقة تجارية عند التاسعة مساءً يؤدي إلى تراجع واضح في حركة البيع، بينما أشار إلى أن تبكير العمل لن يعوض الخسائر بسبب ارتباط المستهلكين بفترات المساء.
كما امتد التأثير إلى العاملين في خدمات التوصيل، حيث أشار أحد العاملين إلى تغير طبيعة العمل وانخفاض الحركة في الشوارع، وهو ما قد ينعكس على دخله، خاصة في ظل اعتماد هذه الفئة على ساعات العمل الليلية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور سعيد صادق إن تقليل الإضاءة بالتزامن مع الغلق المبكر يؤدي إلى تغيير سلوك المواطنين، حيث أوضح أن الشعور بانخفاض الأمان يدفع الأفراد إلى تقليل الحركة، وهو ما ينعكس على النشاط الاقتصادي والاجتماعي في الوقت نفسه.
تقديرات حكومية متباينة وانتقادات لغياب العدالة في الترشيد
وفي المقابل، تروج الحكومة لنتائج متوقعة من هذه الإجراءات، حيث أكد مصدر بوزارة الكهرباء أن الخطة تستهدف خفض 8 آلاف ميجاوات من الاستهلاك اليومي، وهو رقم كبير يعكس حجم الرهان على قرارات الغلق المبكر كأداة رئيسية للترشيد.
كما أوضح المصدر أن الحكومة تعتمد على خفض الاستهلاك داخل المؤسسات الحكومية والعمل من المنزل يوم الأحد، إلى جانب الغلق المبكر للمحال، وهو ما يشير إلى توزيع نظري لمصادر التوفير دون وضوح في مدى تحقق هذه الأهداف فعليًا.
وعلى الجانب الآخر، قدم مصدر بوزارة البترول تقديرًا أقل بكثير، حيث رجح أن لا يتجاوز الوفر الفعلي 5% من إجمالي الاستهلاك، وهو ما يكشف وجود فجوة واضحة بين التصريحات الرسمية المختلفة حول نتائج الخطة.
كما أشار المصدر إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في الاستعداد لزيادة الاستهلاك خلال الصيف، حيث يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي مع تشغيل أجهزة التكييف، وهو ما يوضح أن القرار يحمل طابعًا احترازيًا أكثر من كونه حلًا فعّالًا للأزمة الحالية.
وفي سياق متصل، انتقد المصدر عدم شمول الخطة للمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، حيث تحصل هذه المصانع على الغاز بأسعار مدعمة أقل من الأسعار العالمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة توزيع أعباء الترشيد بين القطاعات المختلفة.
كما أشار إلى أن رفع أسعار الغاز لبعض الصناعات في سبتمبر لم يكن كافيًا لمعالجة الفجوة، وهو ما يعزز الانتقادات بأن الحكومة اختارت تحميل العبء على التجار والمواطنين بدلًا من معالجة مصادر الاستهلاك الأكبر.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور وائل النحاس إن التركيز على الغلق المبكر للأنشطة الصغيرة لن يحقق كفاءة حقيقية في الترشيد، حيث أوضح أن استهداف القطاعات الأعلى استهلاكًا للطاقة كان سيحقق نتائج أكثر تأثيرًا وعدالة.
وبناءً على ما تقدم، يظهر أن قرار الغلق المبكر فرض أعباء مباشرة على التجار والمواطنين، حيث أدى إلى تراجع المبيعات وتغيير نمط الحياة اليومية، بينما لم تحسم الحكومة الجدل حول حجم الوفر الفعلي، وهو ما يعزز الانتقادات بأن الإجراءات الحالية تفتقر إلى العدالة والتوازن في توزيع أعباء أزمة الطاقة.

