حذّر قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، من أن الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط أصبحت من أخطر الأزمات التي يواجهها العالم الحديث، وربط هذا التصعيد مباشرة بأمن الطاقة وبسلامة سلاسل الإمداد وبأسعار الوقود والسلع. هذا التحذير لم يأت في فراغ، لأن الأسواق كانت تتحرك بالفعل تحت ضغط الحرب، ولأن الحكومة المصرية كانت قد دخلت أصلًا في مسار رفع أسعار الوقود وتقليص أعباء الدعم.

 

الوقائع التي تلت هذا التحذير أعطت التصريحات وزنًا أكبر داخل مصر، لأن أسعار النفط قفزت خلال مارس، ولأن الحكومة فرضت إغلاقًا مبكرًا للمحال والمقاهي والمطاعم لتقليل استهلاك الكهرباء المعتمدة على الوقود، ولأن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قال صراحة إن البديل عن هذه الإجراءات كان مزيدًا من رفع الأسعار. لذلك انتقل التحذير سريعًا من خطاب سياسي إلى ضغط معيشي مباشر على السوق المصرية.

 

تحذير السيسي جاء بينما كانت الحرب تدفع الطاقة والأسواق إلى مسار أكثر اضطرابًا.

 

ثم ربط السيسي بين تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وبين اضطراب إمدادات الطاقة والنفط والغاز وسلاسل التجارة الدولية، وقال إن أي تعطيل للممرات الحيوية في المنطقة ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. هذا الربط كان متسقًا مع ما حدث فعليًا، لأن تقارير الأسواق في 30 مارس 2026 سجلت صعود خام برنت إلى حدود 116 و117 دولارًا للبرميل تحت ضغط الحرب واتساع المخاطر في الممرات البحرية.

 

وبعد ذلك قدّم دانيال يرغن، نائب رئيس مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال، توصيفًا أكثر مباشرة عندما قال إن امتداد الصراع في الشرق الأوسط يمكن أن يوجه ضربة كبيرة إلى الاقتصاد العالمي، وربط ذلك بإمكانية تعطل مضيق هرمز وباب المندب. أهمية هذا التقدير أنه يضع تحذير السيسي داخل سياق دولي أوسع، ولا يجعله مجرد خطاب محلي مرتبط بمصر وحدها.

 

وفي هذا السياق اكتسبت إشارات السيسي إلى الوقود والأسمدة والمنتجات الزراعية أساسًا واقعيًا، لأن صعود أسعار الطاقة لا يتوقف عند محطات البنزين، بل ينتقل إلى تكلفة الإنتاج والنقل والتصنيع والزراعة. كما أن تقارير منشورة في 28 مارس 2026 تحدثت عن قفزة بأكثر من 35 بالمئة في أسعار اليوريا عالميًا مع تصاعد المخاوف على إمدادات الأسمدة، وهو ما يضع الغذاء نفسه تحت ضغط مباشر.

 

الضغط على الدول النامية ظهر سريعًا في مصر عبر الوقود والتضخم وكلفة الاستيراد.

 

ثم ظهرت حساسية الوضع المصري بسرعة، لأن مصر تستورد جزءًا معتبرًا من احتياجاتها من الوقود، ولأن وكالة أسوشيتد برس نقلت في 30 مارس 2026 أن البلاد تستورد 28 بالمئة من البنزين و45 بالمئة من السولار، وأن فاتورة النفط المصرية زادت إلى أكثر من الضعف منذ يناير حتى بلغت 2.5 مليار دولار. هذه الأرقام تفسر لماذا يتحول أي توتر إقليمي إلى عبء داخلي سريع.

 

وبعد ذلك زاد الضغط عندما رفعت وزارة البترول المصرية أسعار المنتجات البترولية في 10 مارس 2026 بزيادة 3 جنيهات، بينما كان صندوق النقد الدولي قد أكد في 26 فبراير 2026 استمرار برنامج الإصلاح الممتد حتى 15 ديسمبر 2026. هذا التزامن مهم، لأن السوق المصرية دخلت الأزمة الإقليمية وهي أصلًا في مسار رفع أسعار الطاقة، لا في مسار تهدئة الكلفة على المستهلك.

 

وفي هذا الموضع يكتسب رأي محمد أبو باشا، كبير محللي الاقتصاد الكلي في المؤسسة المالية التي يعمل بها، دلالة واضحة، لأن مقابلة منشورة له خلال مارس 2026 ناقشت صراحة المسار المتوقع للتضخم في مصر بعد زيادات الوقود وتقلبات الجنيه. كما أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت بالفعل ارتفاع التضخم الحضري السنوي إلى 13.4 بالمئة في فبراير بعد أن كان 11.9 بالمئة في يناير، أي قبل أن تتراكم آثار الحرب بالكامل.

 

الرسائل الاقتصادية حملت تمهيدًا عمليًا لمزيد من نقل الكلفة إلى المواطنين.

 

ثم اتخذت الحكومة المصرية إجراءات تقشفية مباشرة مع نهاية مارس، فألزمت المتاجر والمقاهي والمطاعم بالإغلاق عند التاسعة مساء لمدة شهر، وخفّضت إنارة الشوارع، وقلّصت ساعات العمل في بعض الجهات، وقال مدبولي إن الغرض هو تقليل استهلاك الوقود وإن البديل كان العودة إلى زيادات إضافية في الأسعار. هذه الصياغة الرسمية جعلت التحذير الرئاسي مرتبطًا فورًا بقرارات معيشية نافذة.

 

وبعد ذلك ظهر أن أثر هذه الإجراءات لا يقف عند الطاقة فقط، لأن الإغلاق المبكر ضرب ساعات الذروة لآلاف الأنشطة الصغيرة، ودفَع بعض أصحاب الأعمال إلى تقليص العمالة. أسوشيتد برس وثقت أن صاحب مقهى في القاهرة خفّض عدد العاملين لديه بنسبة 40 بالمئة بعد القرار. لذلك فإن الحديث عن حماية الاقتصاد لم يأت منفصلًا عن تحميل قطاعات واسعة من المجتمع كلفة فورية جديدة.

 

وفي هذا الإطار قالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري، إن مدة الصراع ستكون العامل الحاسم للاقتصاد كله، حتى عندما توفر أسعار النفط المرتفعة دخلًا أعلى لبعض المنتجين. كما نقلت بلومبرغ عن فاروك سوسة، الخبير الاقتصادي في غولدمان ساكس، أن استمرار الصراع حتى نهاية أبريل قد يوجه ضربات كبيرة إلى اقتصادات الخليج. وعندما تتضرر المنطقة بهذا الحجم، فإن دولة مستوردة للطاقة مثل مصر تكون أشد تعرضًا للضغط.

 

القلق الشعبي له أساس مادي واضح في سوق تعيش أصلًا تحت ضغط الغلاء.

 

ثم تتسع مخاوف الشارع المصري لأن الحكومة لا تواجه حربًا خارجية فقط، بل تواجهها داخل سوق أنهكته موجات غلاء متتالية خلال الأعوام الماضية. بيانات فبراير 2026 أظهرت صعودًا شهريًا للتضخم الحضري بنسبة 2.8 بالمئة، كما أن برنامج صندوق النقد ما زال يدفع في اتجاه استمرار إصلاحات الدعم والطاقة. لهذا السبب لا ينظر كثير من المصريين إلى التحذير بوصفه تنبيهًا خارجيًا مجردًا، بل بوصفه مقدمة لكلفة يومية أكبر.

 

وبعد ذلك يصبح الحديث عن الغذاء أكثر إلحاحًا، لأن مصر تعتمد على الاستيراد في سلع أساسية ومدخلات إنتاج، ولأن منظمة الأغذية والزراعة كانت قد أشارت إلى أن الأسعار المحلية لبعض الأغذية الأساسية بقيت مرتفعة خلال 2025 رغم برامج الدعم. ومع ارتفاع تكلفة الشحن والطاقة والأسمدة معًا، فإن انتقال أثر الحرب إلى أسعار الغذاء في مصر لا يحتاج إلى افتراضات واسعة، بل إلى وقت قصير فقط.

 

وفي الخاتمة تكشف تحذيرات السيسي لم تكن منفصلة عن مسار اقتصادي قائم بالفعل، بل جاء بينما كانت الحكومة ترفع أسعار الوقود، وتقلص الاستهلاك القسري للطاقة، وتواجه زيادة في فاتورة الاستيراد، وتتحرك داخل برنامج إصلاح يضغط على الدعم. لذلك فإن الخطر الذي تحدث عنه المنقلب لم يبق في حدود السياسة الخارجية، بل وصل مباشرة إلى دخل المصريين وإلى أعمالهم وإلى قدرتهم على تحمل الغلاء.

 

أيضًا لا تبدو المشكلة في أصل التحذير، بل في أن المواطن المصري يسمعه وهو يدفع الثمن مقدمًا. الحكومة تتحدث عن نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، لكن السوق تشهد بالفعل زيادة الوقود، وإغلاقًا مبكرًا، وتضخمًا صاعدًا، وقلقًا متجددًا من موجة غلاء جديدة. لذلك فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع ليست أن الدولة تستعد لرفع مزيد من الأسعار، بل أن المواطن سيُطلب منه مرة أخرى أن يتحمل هذه الفاتورة.