تدخل مصر مرحلة أشد حساسية في ملف الغذاء، مع تصاعد التحذيرات الدولية من اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، بينما تواصل الحكومة في الداخل مسارًا يقوم على رفع أسعار الطاقة وتقليص الدعم. ويضع هذا التزامن السوق المصرية أمام ضغط مزدوج، لأن الدولة تعتمد على الاستيراد في سلع أساسية واسعة الاستهلاك، ولأن المستهلك يواجه أصلًا موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار.

 

تحذيرات دولية من اضطراب الإمدادات وارتفاع الكلفة

 

ثم كشفت عبير عطيفة، المسؤولة الإعلامية الإقليمية في برنامج الأغذية العالمي، في أكثر من إحاطة وتصريح، أن المنظمات الإنسانية تعمل تحت ضغط تمويلي وتشغيلي متزايد، وأن أي تعطيل في مسارات الشحن يهدد سرعة وصول الغذاء إلى المناطق المحتاجة. وربطت عطيفة بين تعقد الأزمات الدولية وبين ارتفاع المخاطر التي تواجه حركة الإمدادات في المنطقة، بما يرفع الكلفة قبل وصول السلع إلى المستهلك النهائي.

 

كما أكد برنامج الأغذية العالمي في مارس 2026 أن المخاطر في مضيق هرمز، مع تهديدات البحر الأحمر وباب المندب، تعطل الشحن بين آسيا والشرق الأوسط، وتزيد كلفة النقل، وتطيل زمن التسليم، وتضغط على توافر الحاويات. وهذا التطور لا يخص المساعدات وحدها، لأن الممرات نفسها تنقل سلعًا غذائية ومواد أولية وأسمدة تدخل في إنتاج الغذاء عالميًا.

 

بعد ذلك وسع مكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة، صورة الأزمة حين قال في يوليو 2025 إن العالم شهد زيادة حادة في أسعار الغذاء بفعل صدمات عالمية متراكبة. كما أوضحت المنظمة في تقاريرها اللاحقة أن ارتفاع كلفة الطاقة أبقى أسعار الأسمدة فوق مستويات 2024، رغم تراجعها عن ذروة 2022، وهو ما يبقي الضغط قائمًا على الإنتاج الزراعي العالمي.

 

لذلك لم تعد التحذيرات الدولية تتعلق بنقص المعروض فقط، بل صارت تتعلق أيضًا بالزمن والكلفة. فحين ترتفع مصروفات النقل والتأمين والطاقة، تنتقل الزيادة تدريجيًا من خطوط الملاحة إلى المستوردين، ثم إلى التجار، ثم إلى المستهلكين. وهذه الحلقة تكتسب في مصر أثرًا أشد، لأن السوق المحلية تستورد جزءًا كبيرًا من احتياجاتها الغذائية الأساسية من الخارج.

 

اعتماد مصر على الواردات يجعل الصدمة العالمية محلية بسرعة

 

ثم تظهر هشاشة الوضع المصري بوضوح في بند الحبوب، إذ قدّرت وزارة الزراعة الأمريكية واردات مصر من القمح في الموسم 2025 و2026 بنحو 13 مليون طن. كما أعلنت وزارة الزراعة المصرية في يونيو 2025 دخول نحو 4.9 ملايين طن من القمح و4.2 ملايين طن من الذرة الصفراء و2.2 مليون طن من فول الصويا منذ بداية العام، وهو ما يكشف استمرار الاعتماد الكبير على الخارج.

 

وفي هذا السياق قال كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، في أغسطس 2025 إن تعزيز الأمن الغذائي يبدأ من تقليل الاعتماد على الاستيراد، لأن التعويل على الخارج يربط السوق المحلية مباشرة بتقلبات الأسعار الدولية. ويكتسب هذا التحذير وزنه الآن، لأن أي اضطراب جديد في الشحن أو التمويل أو سعر الصرف يتحول سريعًا إلى زيادة على فاتورة الواردات المصرية.

 

كما تظهر البيانات المحلية أن أثر الخارج لا يتوقف عند الموانئ. فقد أظهرت بيانات التضخم لشهر فبراير 2026 أن أسعار قسم الطعام والمشروبات ارتفعت سنويًا بنسبة 3.9 بالمئة، بينما قفزت أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 24.5 بالمئة، وارتفعت خدمات النقل بنسبة 20.3 بالمئة. وهذه الأرقام تعني أن سلعة الغذاء تصل إلى المستهلك داخل بيئة محلية مرتفعة الكلفة أصلًا.

 

لذلك يصبح ما يسمى بالتضخم المستورد واقعًا يوميًا لا تعبيرًا نظريًا. فحين ترتفع تكلفة الشحن أو الحبوب أو الزيوت عالميًا، يتلقى المستورد المصري الصدمة الأولى. ثم يضيف سعر الصرف وتكاليف التخزين والنقل المحلي الصدمة الثانية. وبعد ذلك يواجه المستهلك السعر النهائي في السوق، من دون أن تتوافر آليات كافية لعزل دخله عن هذه السلسلة المتراكمة من الزيادات.

 

التقشف الداخلي يضاعف أثر الأزمة ويدفع الفاتورة إلى الأسر الأفقر

 

ثم جاءت السياسات الداخلية لتضيف ضغطًا مباشرًا على تكلفة المعيشة. فقد رفعت الحكومة أسعار الوقود في 11 أبريل 2025 بما وصل إلى نحو 15 بالمئة لبعض المنتجات، في إطار خفض دعم الطاقة. كما سبقت ذلك زيادة في أسعار الكهرباء للأسر في أغسطس 2024 تراوحت بين 14.45 بالمئة و50 بالمئة، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصادر حكومية.

 

وفي هذا الإطار قالت عبير لهيطة، العضو المنتدب لشركة مصرية عاملة في النقل والشحن، في مارس 2026 إن تحريك أسعار الوقود يدفع أسعار خدمات النقل البري إلى الارتفاع بين 15 و20 بالمئة. ولا يبقى هذا الأثر داخل قطاع النقل وحده، لأن كل زيادة في كلفة النقل تنتقل إلى أسعار السلع المنقولة، وعلى رأسها الغذاء الذي يعتمد على حركة يومية من الموانئ إلى المخازن ثم إلى الأسواق.

 

بعد ذلك أكد البنك المركزي المصري، في تقريره عن تضخم أبريل 2025، أن ارتفاع أسعار الوقود انتقل بالفعل إلى خدمات أخرى، منها النقل الداخلي الخاص والإنفاق على المطاعم والمقاهي. وهذا الربط الرسمي مهم، لأنه يثبت أن زيادة الطاقة لا تتوقف عند محطة الوقود، بل تتحول إلى كلفة إضافية على حركة الناس والسلع والخدمات، ثم تظهر في سلة الإنفاق اليومية للأسر.

 

وفي الوقت نفسه قال صندوق النقد الدولي في مارس 2025 إن مصر ماضية في خفض دعم الطاقة ضمن برنامجها الاقتصادي، بينما أشار تقريره التفصيلي إلى استمرار تقدير الدعم على المنتجات البترولية والكهرباء. وهذا المسار يعني أن الضغوط على الأسعار لا تأتي من الخارج فقط، بل تأتي أيضًا من قرارات داخلية ترفع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات في وقت واحد.

 

لذلك تنتهي الكلفة النهائية عند الطرف الأضعف، وهو المستهلك محدود الدخل الذي لا يملك وسيلة للتفاوض مع الأسعار. فالعالم يرفع فاتورة الغذاء عبر الشحن والطاقة والأسمدة، والحكومة ترفع في الداخل كلفة الوقود والكهرباء، بينما يبقى دخل الأسر أبطأ من حركة الأسعار. ولهذا تبدو الأزمة المقبلة في مصر أزمة معيشة مباشرة، لا ملفًا خارجيًا يمكن عزله عن موائد الناس.