دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الأزمة الإقليمية إلى مستوى أخطر، بعدما انتقل التهديد من مضيق هرمز إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. هذا التطور لم يأت فجأة، لأن طهران ربطت بين استهدافها وبين توسيع الضغط على الملاحة، ثم جاءت تهديدات الحوثيين لتضع المضيق أمام احتمال تعطيل جديد يضرب التجارة والطاقة والغذاء.

 

باب المندب من ممر بحري إلى ساحة ضغط مباشر

 

فرضت أهمية باب المندب نفسها مع اتساع الحرب، لأن المضيق يمثل أحد أضلاع مثلث المعابر الاستراتيجية لنقل الطاقة والغذاء بعد مضيق هرمز وقناة السويس. ويقع المضيق بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من الجهة الأخرى، بينما يبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو ثلاثين كيلومترا، وهو ما يجعل أي تهديد فيه قابلا للتحول بسرعة إلى أزمة ملاحة واسعة.

 

يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ثم تتصل هذه الحركة بقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. ولهذا السبب، لا ينحصر أثره في الدول المطلة عليه فقط، بل يمتد إلى أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الآسيوية. هذا الموقع جعله ممرا لا يمكن عزله عن حركة التجارة الدولية اليومية ولا عن تدفق الشحنات الكبرى بين القارات.

 

تؤكد الأرقام هذا الثقل، لأن ما بين سبعة وعشرة ملايين برميل نفط تمر يوميا عبر باب المندب. كما تمر عبره نسبة تتراوح بين اثني عشر وخمسة عشر بالمئة من التجارة الدولية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة وأسواق آسيوية مثل الصين والهند وسنغافورة. لذلك، فإن أي اضطراب في هذا المضيق ينعكس مباشرة على الأسعار، وعلى كلفة النقل، وعلى زمن وصول السلع.

 

يزداد أثر هذا الممر لأن أوروبا تحصل عبر باب المندب وقناة السويس على نحو خمسة وعشرين بالمئة من حاجتها من الغاز الطبيعي المسال المنقول بحرا. كما تمر عبره سنويا أكثر من واحد وعشرين ألف سفينة، بمعدل سبع وخمسين سفينة يوميا. وتعبر منه شحنات سنوية تقدر قيمتها بنحو سبعمئة مليار دولار في طريقها إلى قناة السويس ثم إلى البحر الأبيض المتوسط.

 

جاء هذا الثقل الاقتصادي في لحظة إقليمية شديدة التوتر، لأن إيران قيدت الملاحة في مضيق هرمز منذ الثاني من مارس، بعد هجمات أمريكية إسرائيلية بدأت في الثامن والعشرين من فبراير. ووفقا للنص، فإن هذه الهجمات أوقعت ما لا يقل عن ألف وخمسمئة قتيل في إيران. وبسبب ذلك، لم يعد الحديث عن باب المندب منفصلا عن مسار الحرب، بل صار امتدادا مباشرا لها.

 

التهديد الإيراني الحوثي نقل الأزمة من التصريح إلى الفعل المحتمل

 

بدأ التهديد المباشر لباب المندب يوم الحادي والعشرين من مارس 2026، عندما نقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن مسؤول عسكري أن أي هجوم أمريكي على جزيرة خارك سيخلق حالة من عدم الاستقرار في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. هذا التصريح وضع المضيق داخل خطاب الرد الإيراني، وربط أمن الملاحة الدولية بتطورات المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

تقدم هذا المسار يوم الخامس والعشرين من مارس 2026، عندما نقلت تسنيم عن مصدر عسكري إيراني أن طهران تملك القدرة والإرادة على إيجاد تهديد موثوق تجاه باب المندب إذا أقدمت الولايات المتحدة على احتلال أجزاء من الأراضي الإيرانية. بهذا الكلام، لم تعد طهران تتحدث عن هرمز فقط، بل وسعت الرسالة إلى البحر الأحمر والممرات التي تمر منها التجارة الدولية.

 

انتقل التهديد بعد ذلك إلى الحوثيين بشكل أكثر مباشرة، عندما أعلن المتحدث العسكري للجماعة يحيى سريع يوم الثامن والعشرين من مارس 2026 أن الجماعة جاهزة للتدخل العسكري المباشر إذا انضمت تحالفات أخرى مع أمريكا وإسرائيل ضد إيران، أو إذا استُخدم البحر الأحمر في عمليات عدائية. ثم قال المسؤول بوزارة الإعلام التابعة للجماعة محمد منصور إن إغلاق باب المندب يبقى ضمن الخيارات المطروحة.

 

اكتسب هذا التهديد ثقله من سوابق قريبة، لأن الحوثيين سبق أن استهدفوا خلال الحرب على غزة سفن شحن في البحر الأحمر بصواريخ وطائرات مسيرة، بسبب ارتباطها بشركات إسرائيلية أو مشغلة معها. ونتيجة لذلك، علقت شركات ملاحة كبرى، بينها ميرسك وسي إم إيه سي جي إم، رحلاتها عبر باب المندب، وغيرت مسارها إلى طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى كلفة.

 

أدى هذا التحويل في المسار إلى نتائج اقتصادية مباشرة، لأن الطريق حول رأس الرجاء الصالح أطول بنحو ستة آلاف ميل بحري. ولهذا السبب، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين، كما زادت مدد الشحن، وتحملت الأسواق والمستهلكون الكلفة الإضافية. ومن هنا، لم يعد الحديث عن باب المندب شأنا عسكريا مجردا، بل صار مسألة تمس الإمدادات والأسعار وحركة التجارة اليومية.

 

في هذا السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي اللبناني العميد المتقاعد هشام جابر إن الحوثيين يمتلكون القوة البحرية الكافية ويستطيعون في أي ساعة إغلاق مضيق باب المندب. كما يرى جابر أن أي تدخل أمريكي أو إسرائيلي لضرب الحوثيين سيدفع البحر الأحمر إلى أن يصبح منطقة عمليات عسكرية، وعندها يتحول خطر الإغلاق من احتمال سياسي إلى واقع ميداني مباشر.

 

الخبراء يوثقون الكلفة الاقتصادية والعسكرية للأزمة المزدوجة

 

جاء خطر باب المندب في وقت كانت فيه الأسواق تعاني أصلا من أزمة هرمز، لأن المضيق الأخير كان يتدفق منه يوميا نحو واحد وعشرين مليون برميل نفط، أي خمس الاستهلاك العالمي، إلى جانب خمسة وعشرين بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وبسبب تقييد الملاحة فيه، ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة والغذاء والأسمدة، وظهر أثر ذلك على التضخم في عدة مناطق.

 

فيما أكد الخبير الجزائري في سلاسل الإمداد والتوريد نصر الدين بوغاشيش أن التهديدات التي تواجه باب المندب تتزامن مع أزمة هرمز، قال إن هذا التزامن سيخلق اضطرابا أكثر حدة في إمدادات الطاقة والغذاء. ويؤكد بوغاشيش أن السفن ستضطر عند تفاقم التهديد إلى تغيير مسارها بالكامل نحو رأس الرجاء الصالح، وهو ما يضاعف الكلفة على العملاء وعلى شركات الشحن.

 

ربط بوغاشيش هذا التقدير بأثر مباشر على المستهلك النهائي، لأن رفع أسعار النقل البحري وتأمينات الشحن لا يتوقف عند الموانئ والشركات، بل ينتقل إلى أسعار السلع في الأسواق. ولهذا السبب، يرى أن مناطق البحر المتوسط وأوروبا وشمال إفريقيا ستكون من أكثر المناطق تأثرا. كما يلفت إلى أن التجربة السابقة خلال الحرب على غزة أثبتت كيف تتسع الكلفة بسرعة عندما تضطرب حركة البحر الأحمر.

 

وثق هذا المسار ضررا وقع بالفعل على قناة السويس، إذ قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الثاني من مارس إن القناة تكبدت خسائر قاربت عشرة مليارات دولار خلال عامي الحرب. وهذه الخسارة لا تعكس فقط تراجع أعداد السفن، بل تكشف أيضا أن أي تهديد لباب المندب يضرب إيرادات الممرات المرتبطة به، ويضعف حركة التجارة التي تعتمد عليها دول المنطقة.

 

كما يرى رئيس مركز جهود للدراسات في اليمن عبد الستار الشميري أن أي مناورة لإغلاق باب المندب ستنعكس سلبيا على الاقتصاد العالمي وعلى كلفة التأمين. ويؤكد الشميري أن الصين قد تكون أول الخاسرين، لأن حجم وارداتها وصادراتها المارة عبر البحر الأحمر يقدر بنحو ثلاثمئة مليار دولار سنويا. وهذا الرقم يوضح أن أثر الأزمة لن يتوقف عند الإقليم، بل سيمتد إلى القوى الاقتصادية الكبرى.

 

فيما أكد الشميري أن وجود قوات دولية قد يمنع الحوثيين تقنيا وعسكريا من إغلاق المضيق بالكامل، قال إن هذا لا يمنع إرباك التجارة العالمية في البحر الأحمر والمضيق. وهذا التفصيل مهم، لأن الخطر لا يحتاج إلى إغلاق كامل حتى يقع الضرر، بل يكفي تعطيل جزئي أو تهديد مستمر حتى ترتفع الكلفة، وتضطرب الجداول الملاحية، وتزداد فواتير التأمين والشحن.

 

ربط الشميري بين هذا التصعيد وبين احتمالين متقابلين، إذ قال إن تفاقم الأزمة قد يعجل بتوجيه الولايات المتحدة ضربات أكثر قوة لإيران، أو قد يدفع نحو مسار سياسي لطي هذا الملف. وهذا الربط جاء في وقت تتحدث فيه واشنطن عن مفاوضات غير مباشرة مع طهران، بينما تعلن الأخيرة أنها لا تثق بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد حربين شنهما عليها خلال التفاوض.

 

جاء تقدير هشام جابر ليضع هذه المخاوف في إطار عسكري أكثر وضوحا، لأنه قال إن دخول الولايات المتحدة أو إسرائيل على خط استهداف الحوثيين سيدفع البحر الأحمر إلى أن يصبح مسرحا مفتوحا للعمليات العسكرية. وعندما يحدث ذلك، فإن باب المندب لن يبقى ممرا تجاريا تحت التهديد فقط، بل سيتحول إلى نقطة اشتباك فعلي تعبر منها آثار الحرب إلى العالم كله.

 

تدعم الوقائع الميدانية هذا التقدير، لأن جماعة الحوثي أعلنت مساء السبت تنفيذ عملية عسكرية ثانية استهدفت مواقع في إسرائيل بصواريخ وطائرات مسيرة، ردا على العدوان الإسرائيلي على إيران ولبنان. كما وسعت إسرائيل منذ الثاني من مارس عدوانها على لبنان، فيما ردت إيران وحزب الله بهجمات صاروخية ومسيرة. وبذلك، صار البحر الأحمر جزءا من مشهد حرب يتوسع على أكثر من جبهة.