خرجت ملايين الأشخاص في أنحاء الولايات المتحدة، أمس السبت، في تظاهرات واسعة تحت شعار “لا ملوك”، احتجاجا على سياسات دونالد ترامب الداخلية وعلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وكشفت هذه الموجة أن الغضب لم يعد محصورا في دوائر حزبية ضيقة، بل تمدد إلى ساحات عامة ومدن كبرى وصغرى، في لحظة تتهم فيها قطاعات واسعة ترامب بدفع البلاد نحو حكم أكثر استبدادا وحرب أكثر اتساعا.

 

موجة ثالثة أوسع من سابقاتها وتنتشر في كل الولايات

 

أوضح اتساع الاحتجاجات أن نسخة هذا العام جاءت أكبر من تظاهرات “لا ملوك” التي نُظمت في يونيو وأكتوبر من العام الماضي، إذ سجل موقع الحركة أكثر من 9 ملايين مشارك في أكثر من 3100 موقع عبر الولايات الخمسين. وبذلك لم تعد الحركة مجرد فعل احتجاج موسمي ضد ترامب، بل تحولت إلى شبكة تعبئة عابرة للولايات قادرة على تكرار الحشد وتوسيعه من جولة إلى أخرى.

 

ولفتت الجغرافيا الواسعة للاحتجاجات إلى أن الرفض لم يتركز في معاقل الحزب الديمقراطي فقط، رغم الثقل الواضح لمدن مثل واشنطن ونيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو. فقد شهدت مناطق محافظة ومدن أصغر أيضا تجمعات ضمن اليوم نفسه، وهو ما أكد أن الحرب على إيران وسياسات ترامب لم تعد قضية نخبوية، بل صارت محل اعتراض علني يتجاوز الحدود التقليدية للمعارضة الأمريكية.

 

وأكدت ولاية مينيسوتا هذا التحول عندما تصدرت مشهد هذا العام بعد مقتل أمريكيين اثنين خلال المظاهرات على يد عناصر من إدارة الهجرة والجمارك، بحسب الرواية التي تبناها المنظمون وعدد من التقارير. ولهذا لم يكن اختيار سانت بول مركزا رئيسيا للاحتجاج مجرد قرار تنظيمي، بل جاء بوصفه ردا مباشرا على الدم الذي سبق الحشد ورفع منسوب الغضب السياسي ضده.

 

وأشار البث المباشر من سانت بول إلى مشاركة وجوه معروفة مثل بروس سبرينغستين وجين فوندا والنائبة إلهان عمر، وهو ما منح الاحتجاجات زخما رمزيا وإعلاميا إضافيا. كما انتقل المشهد في واشنطن إلى “مسيرة إلى العاصمة” من جسر ميموريال إلى نصب واشنطن التذكاري، بينما تحركت حشود نيويورك من سنترال بارك وميدان كولومبوس عبر الجادة السابعة نحو تايمز سكوير وسط انتشار أمني كثيف.

 

الحرب على إيران نقلت شعار “لا ملوك” من الداخل إلى السياسة الخارجية

 

أوضح المحتجون، عبر اللافتات والهتافات، أن الاعتراض لم يعد موجها فقط إلى نزعة ترامب التنفيذية أو سياساته تجاه المهاجرين، بل اتسع ليشمل الحرب على إيران بوصفها تجسيدا مباشرا لسياسة القوة المنفلتة من المحاسبة. ولهذا ظهرت في الشوارع عبارات مثل “أوقفوا الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران” و”يجب أن يرحل ترامب” و”لا ملوك”، في جمع واضح بين رفض الاستبداد الداخلي ورفض الحرب الخارجية.

 

ولفتت شهادات المتظاهرين إلى حدة هذا الربط. فقد قالت إيسلا سيبورن إن بلادها تعيش الآن “ملكية أكثر من الديمقراطية”، مضيفة أن الرئيس والبلاد يجب أن يخضعا لمساءلة دولية أكبر بسبب ما يفعلانه في الخارج. كما وصفت بوني سيغلر الهجمات على إيران بأنها “مخزية” و”غير دستورية” و”غير إنسانية”، وهو ما أظهر أن جزءا من الشارع يرى الحرب خرقا سياسيا وأخلاقيا في آن واحد.

 

وفي موازاة ذلك، قال متظاهر عرّف نفسه باسم “أوريون” إن الحرب على إيران فُرضت قسرا على الجميع، وإن المستفيد الأكبر منها هم من في السلطة. أما هيلين زيرا، التي قالت إن والدها قاتل في الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية، فأكدت أن الحروب لا تحل أي شيء، وربطت احتجاجها برفض الفساد والعنصرية وسلطة المليارديرات. وبذلك اتضح أن الحرب صارت جزءا من ملف أوسع ضد بنية الحكم نفسها.

 

ويرى نورمان سولومون، المدير الوطني لمنظمة “روتس أكشن”، أن الحرب على إيران لا يمكن فصلها عن نمط أوسع من عسكرة القرار السياسي الأمريكي واستخدام الخوف لتأديب الداخل. ويمنح هذا التقدير خلفية أوضح لما حدث في الشوارع، لأن المحتجين لم يخرجوا فقط ضد قصف جديد، بل ضد آلية حكم تعتبر التصعيد الخارجي أداة لتوسيع السلطة وإسكات الاعتراض الداخلي.

 

البيت الأبيض يهاجم المحتجين بينما تكشف الحركة أزمة حكم أعمق

 

أكد البيت الأبيض تمسكه بخطاب النزع المسبق لشرعية الاحتجاجات، إذ وصفت المتحدثة باسمه هذه التظاهرات بأنها نتاج “شبكات تمويل يسارية” لا تتمتع بدعم شعبي حقيقي. لكن هذا الرد بدا منفصلا عن مشهد الحشود التي ملأت أكثر من ثلاثة آلاف موقع، كما بدا استمرارا لسياسة إنكار الغضب الشعبي بدل التعامل مع أسبابه، سواء في ملف الحرب أو في ملفات الهجرة والحقوق والحريات.

 

ولفت المؤرخ روث بن غيات إلى أن الحرب كثيرا ما تكون أداة باردة في يد الحكام ذوي النزعة السلطوية، خاصة حين تتراجع فعالية الوسائل الأخرى لتثبيت السلطة. وتكتسب هذه الملاحظة وزنا خاصا هنا، لأن احتجاجات “لا ملوك” انطلقت أساسا من رفض ما يسميه منظموها تآكل المعايير الديمقراطية، ثم وجدت في الحرب على إيران دليلا إضافيا على أن الإدارة تدفع البلاد نحو حكم أكثر تغولا.

 

وأشار انتشار الاحتجاجات خارج الولايات المتحدة إلى أن الشعار نفسه عبر الحدود، إذ شهدت فرنسا وبريطانيا ومدن في اليابان وأستراليا فعاليات مشابهة بأسماء مختلفة، بينما تجمع في باريس مئات أغلبهم أمريكيون مقيمون هناك مع نقابيين وحقوقيين فرنسيين في ساحة الباستيل. ورفعت الحشود شعارات مناهضة لترامب والحرب والربح من الحرب، وهو ما أكد أن صورة الإدارة الأمريكية تتآكل خارجيا أيضا لا داخليا فقط.

 

ويبين تاريخ الحركة نفسه أن ما جرى ليس انفجارا مفاجئا، لأن أول احتجاجات “لا ملوك” بدأت في 15 يونيو 2025، في عيد ميلاد ترامب التاسع والسبعين، ثم عادت في 18 أكتوبر من العام نفسه حين اتهمه المحتجون بدفع البلاد إلى مسار عسكري واستبدادي. ولذلك جاءت نسخة مارس 2026 بوصفها الحلقة الثالثة في تصعيد احتجاجي منظم، لا موجة غضب عابرة تولدت في يوم واحد.

 

وأكدت الباحثة إريكا شينويث أن اتساع المشاركة الشعبية في الحركات السلمية ليس مجرد رقم، بل عامل حاسم في تحويل الاحتجاج من تعبير رمزي إلى قوة ضغط فعلية، مع بقاء التنظيم والاستدامة شرطين أساسيين للنتيجة. وهذا ما يكشفه مشهد “لا ملوك”، لأن الحركة لم تكتف بحشد الملايين، بل بنت تكرارا زمنيا واتساعا جغرافيا يوحيان بأن الصدام مع ترامب مرشح للاستمرار لا للانطفاء.