شهدت الحلقة التي حملت عنوان "القواعد أم الطاقة.. ماذا تريد إيران؟" ، على قناة الجزيرة، اتفاقًا بين محللين وخبراء على أن الحرب الجارية تجاوزت شكلها العسكري التقليدي، بعدما تداخلت فيها حسابات الردع مع الطاقة والأمن والنفوذ. وطرح عثمان آي فرح منذ البداية سؤالًا مباشرًا عن مستقبل العلاقة الخليجية الإيرانية، كاشفًا أن دول الخليج لم تعد طرفًا متأثرًا من بعيد، بل ساحة تأثير رئيسية وهدفًا مباشرًا لرسائل النار.

 

 

حرب بلا محرمات وتوسيع متعمد لدائرة الضغط

 

أوضح عبد القادر فايز، الصحفي والخبير في الشؤون الإيرانية، أن الحرب الحالية تُدار بلا محرمات، لأن إيران تنظر إليها باعتبارها معركة وجودية لا تحتمل أنصاف الحلول. وربط فايز بين هذا الفهم وبين انتقال الهجمات من استهداف القواعد العسكرية إلى ضرب المنشآت المدنية، معتبرًا أن هذا التحول كشف سقوط السردية الرسمية التي حاولت طهران تسويقها في بداية المواجهة.

 

ولفت فايز إلى أن إيران لا تتعامل مع الخليج باعتباره مجالًا جانبيًا في الحرب، بل تنظر إليه بوصفه "نقطة ألم أمريكية" يمكن من خلالها توزيع الضغط على واشنطن والنظام الدولي. وأكد أن طهران لا تستهدف الاقتصاد فقط، بل توسع الاستهداف إلى المجالين السياسي والمجتمعي، بما يتفق مع عقيدة "الحرب غير المتكافئة" التي تبنتها منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

وفي موازاة ذلك، خلص فايز إلى أن هذه الحرب تدفع العلاقة المستقبلية بين إيران ودول الخليج نحو مسار سياسي بارد، بعد تراجع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قائمة بدرجات متفاوتة. وربط هذا الاستنتاج بطبيعة القرار داخل النظام الإيراني، قائلًا إن مَن يفاوض هو نفسه مَن يحارب وهو نفسه مَن يحكم، بما يمنح طهران قدرة متزامنة على إدارة الحرب والتفاوض.

 

وأشار فايز، استنادًا إلى هذا التداخل بين القرار العسكري والسياسي، إلى أن وجود سياق للتسوية لا يلغي احتمال أن تكون الحرب صفرية في نتائجها. وأكد أن اتساع ساحة الاستهداف وتراجع الضوابط القديمة يجعلان أي تسوية جزئية عاجزة عن إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، لأن الحرب بدّلت قواعد العلاقة نفسها قبل أن تصل إلى نهايتها العسكرية.

 

الخليج يواجه تهديدًا وجوديًا ويعيد حسابات الردع

 

أكد صالح المطيري، رئيس مركز "مدار" للدراسات، أن دول الخليج تنظر إلى الحرب بوصفها تهديدًا وجوديًا لا يقل خطورة عمّا تراه إيران لنفسها. وشرح أن الخطر لا يرتبط فقط بقرب الخليج من مسرح العمليات، بل بمكانته مركزًا عالميًا للطاقة وعقدة لوجستية بين الشرق والغرب، ما يجعل استهدافه جزءًا من الضغط على العالم كله لا على المنطقة وحدها.

 

وفي ظل هذا التوصيف، دعا المطيري دول الخليج إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك والتحول من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل الضابط. وربط هذا المطلب بما وصفه بمحاولات الابتزاز التي تمارسها إيران عبر الضربات المباشرة أو من خلال أدواتها الإقليمية، معتبرًا أن بقاء الرد الخليجي ضمن الصيغ القديمة يفتح المجال أمام مزيد من الضغط السياسي والعسكري.

 

ويبين حديث المطيري أن استهداف المنشآت المدنية من موانئ ومطارات ومرافق خدمية أسقط عمليًا التبرير الذي ربط الهجمات بالقواعد العسكرية فقط. وأكد أن توسيع الأهداف على هذا النحو يكشف وجود غايات استراتيجية أعمق داخل العقيدة العسكرية الإيرانية، لأن الانتقال إلى البنية المدنية لا يحمل معنى تكتيكيًا فقط، بل يفرض معادلة ردع جديدة على دول الخليج.

 

تحولات بنيوية تفرض مرحلة ردع وتعيد تعريف التحالفات

 

قدم الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات، قراءة ركزت على أن العلاقة بين إيران ودول الخليج دخلت تحولًا بنيويًا لا يبدو قابلًا للتراجع السريع. وأكد أن كل شيء تغير "مرة واحدة وإلى الأبد"، لأن دول الخليج وجدت نفسها في قلب حرب لم تخترها، بين أطراف تمتلك أجندات متشابكة وصراعًا ممتد الجذور.

 

ولفت مكي إلى أن الأزمة الحالية تميزت باستقطاب حاد وسوء فهم متعمد في أحيان كثيرة، لأن صورة الصراع جرى تبسيطها عربيًا إلى منطق الأبيض والأسود بسبب الموقف من إسرائيل. وأضاف أن هذا التبسيط منح السردية الإيرانية مساحة أوسع للحركة، رغم أن الوقائع أظهرت انتقال الاستهداف من القواعد العسكرية إلى الحكومات والمنشآت المدنية في دول الخليج.

 

وفي موازاة ذلك، قال مكي إن طهران لم تكتف بتطوير القوة الصاروخية، بل أعدت كوادر بشرية متطوعة ومنظمة للعمل وفق خطط جاهزة، بالتزامن مع استخدام الإغراق الإعلامي والضغط النفسي والتوجيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وربط بين هذه الأدوات وبين نجاح التنظيم الإعلامي الإيراني في التأثير على الرأي العام، بما سمح بتسويق التدرج في تبرير توسيع الحرب.

 

وأوضح مكي أن دول الخليج دخلت المواجهة متأثرة بأهداف جيوسياسية أكبر من قدرتها على التحكم، في وقت ساهمت فيه إدارة دونالد ترمب وإسرائيل في إدخال الخليج إلى المواجهة المباشرة دون استعداد كامل. وأكد أن هذه البداية كشفت الحاجة إلى مراجعة العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وإعادة تقييم التحالفات الإقليمية والدولية على أساس المصالح الفعلية لا الوعود السياسية.

 

وأشار مكي، انطلاقًا من هذا المسار، إلى أن المرحلة المقبلة ستقوم على الردع أكثر من التعاون، مع ضرورة تعديل نمط التحالفات في ضوء القدرات العسكرية الإيرانية وتردد القوى الغربية في حماية حلفائها حين ترتفع الكلفة. وأضاف أن إسرائيل تسعى إلى إضعاف موقع الخليج في المنطقة، فيما تحاول إيران إدارة الصراع بما يحقق مكاسبها من دون نقل الحرب إلى داخل أراضيها مباشرة.

 

وأكد مكي أن الحروب في هذه المنطقة تبقى صعبة التنبؤ، لكن المؤكد أن إيران أظهرت صلابة كبيرة، فيما أخفقت إسرائيل في تحقيق أهدافها عبر الاغتيالات والاستهدافات المحدودة. وربط ذلك باحتمال أن يقود فشل التفاهم الإيراني الأمريكي إلى زيادة القوة العسكرية، بما يشمل تدخلات برية أو السيطرة على مواقع استراتيجية، وهو ما يعزز الطابع الصفري للمواجهة.

 

واختتمت خلاصات الحلقة بتأكيد أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عنوانها الصراع على النفوذ والطاقة والسردية في وقت واحد، وأن دول الخليج ستدفع ثمن موقعها ما لم تبنِ معادلة ردع واضحة ومعلنة. وبذلك لا تبدو الحرب الراهنة حدثًا عابرًا، بل نقطة تحول تعيد رسم العلاقات الإقليمية على أساس القوة المباشرة، لا على أساس التفاهمات القديمة أو الضمانات المؤجلة.