شهدت السوق المحلية زيادة جديدة في أسعار الأسمدة المدعمة بعد رفع سعر شيكارة اليوريا والنترات زنة خمسين كيلوجرامًا إلى 290 جنيهًا، بما يعادل نحو 5800 جنيه للطن، وذلك بعد مستويات سابقة تراوحت بين 5250 و5350 جنيهًا. وجاء التحرك بعد زيادة أسعار السولار في 11 أبريل 2025، وهو ما رفع كلفة النقل ودفع الحكومة إلى تمرير جزء من العبء إلى المزارعين.

 

زيادة السعر بدأت من النقل ثم وصلت إلى الحيازة

 

وأوضحت مصادر بوزارة الزراعة أن الزيادة الحالية لم تبدأ من قرار مستقل داخل وزارة الزراعة، بل جاءت بعد ارتفاع كلفة نقل الأسمدة من المصانع إلى الجمعيات الزراعية ومنافذ الصرف. وبذلك انتقلت الزيادة من بند النقل إلى السعر النهائي، بعدما أصبحت الجمعيات مطالبة بتغطية نفقات شحن أعلى في وقت يتوسع فيه الطلب مع قرب الموسم الصيفي.

 

ولفتت الزيادة الجديدة الانتباه إلى أن الحكومة اختارت رفعًا محدودًا نسبيًا بدل ترك السوق لتسعير حر بالكامل. فالفارق بين السعر السابق والجديد للطن، وإن بدا أقل من قفزات السوق الحرة، يظل عبئًا مباشرًا على المزارع الذي يشتري السماد في توقيتات لا تسمح بالتأجيل، خصوصًا في المحاصيل التي ترتبط إنتاجيتها بمعدلات تسميد دقيقة.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، إن الأسمدة النتروجينية لا يمكن الاستغناء عنها لأن التربة لا توفرها بذاتها، كما أن غيابها في توقيت الاحتياج ينعكس مباشرة على حجم المحصول وجودته. ويعني ذلك أن أي زيادة في السعر لا تبقى مسألة حسابية، بل تتحول سريعًا إلى ضغط على قرار الزراعة نفسه.

 

التفسير الصناعي للأزمة يبدأ من الغاز والطاقة ولا ينتهي عند السولار

 

يبين مسار الأزمة أن كلفة النقل ليست العامل الوحيد، لأن صناعة الأسمدة نفسها تعمل داخل بيئة إنتاج تعرضت لضغوط متلاحقة خلال الشهور الماضية. فالمصانع تعتمد على الطاقة والغاز بوصفهما عنصرين حاكمين في التشغيل، وعندما ترتفع كلفة الوقود أو تتعطل الإمدادات، تنتقل الضغوط من المصنع إلى التوزيع ثم إلى المزارع الذي يجد نفسه في نهاية السلسلة.

 

وأكد المهندس شريف الجبلي، رئيس غرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات، في أكثر من مناسبة أن مصانع الأسمدة تأثرت بقوة باضطراب إمدادات الغاز، وأن الإنتاج لم يعد في بعض الفترات إلى مستويات ما قبل الأزمة. وهذا التقدير الصناعي يفسر لماذا تبدو أي زيادة في السولار مجرد حلقة إضافية في أزمة أوسع تتعلق بكلفة الإنتاج الصناعي نفسه.

 

وفي موازاة ذلك، حاولت وزارة الزراعة الإبقاء على منظومة الرقابة والتوزيع كما هي، فأكدت استمرار صرف الحصص وفق الحيازات المسجلة ومنع تسرب الكميات إلى السوق السوداء. لكن هذا المسار الإداري، رغم ضرورته، لا يغير حقيقة أن المزارع يدفع الآن أكثر للحصول على نفس الكمية، بينما ارتفعت أيضًا أسعار التقاوي والمبيدات وخدمات التشغيل الزراعي.

 

الخلفية تكشف أن الدعم مستمر شكليًا لكنه يتآكل فعليًا مع كل موجة تكلفة

 

أشارت الخلفية السعرية إلى أن الحكومة كانت قد أبقت أسعار توريد الأسمدة المدعمة عند مستويات مستقرة منذ نوفمبر 2021 قبل أن تعود لاحقًا إلى مراجعتها مع تغير تكاليف الصناعة والطاقة. ولذلك فإن الزيادة الحالية لا تبدو حادثًا منفصلًا، بل امتدادًا لمسار تتراجع فيه القيمة الفعلية للدعم كلما ارتفعت عناصر الكلفة خارج الموازنة الزراعية.

 

وفي ظل هذا المسار، يواجه المزارعون نتيجة مباشرة تتمثل في تضخم كلفة الفدان قبل الحصاد بوقت طويل. فشراء السماد ليس بندًا يمكن شطبه أو تأجيله بسهولة، بل خطوة إنتاجية حاسمة. وكل زيادة جديدة تدفع المزارع إلى تقليص معدلات الاستخدام أو الاقتراض أو تحميل الزيادة على سعر المحصول إذا سمحت السوق بذلك.

 

ويرى حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن رفع سعر الأسمدة المدعمة قد يساهم في تحسين توافرها والحد من التشوهات بين السعر الرسمي والسوق الحرة، لكنه أقر أيضًا بأن الزيادة تضيف عبئًا جديدًا على الفلاح. وتكشف هذه المفارقة أن الحكومة تعالج جانب الإتاحة والانضباط، بينما يبقى جانب القدرة على الشراء هو الحلقة الأضعف في الريف.

 

النتيجة النهائية أن كلفة الغذاء مرشحة للارتفاع ما لم تتدخل الدولة خارج منطق الزيادة المحدودة

 

وأكدت التطورات الأخيرة أن أثر زيادة السماد لن يتوقف عند حدود الجمعيات الزراعية، لأن الكلفة الأعلى تنتقل لاحقًا إلى أسعار المحاصيل، ثم إلى أسواق الغذاء. وعندما تتراكم زيادات الوقود والنقل والسماد والتقاوي في وقت واحد، تصبح النتيجة المتوقعة هي تآكل هامش الربح للمزارع الصغير واتساع الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع العادل.

 

وفيما أكدت الوزارة أن المخزون آمن وأن المصانع تعمل لتغطية احتياجات السوق، فإن الاستقرار الكمي وحده لا يكفي إذا ظل الاستقرار السعري غائبًا. فالمطلوب لم يعد مجرد ضمان وصول الشيكارة إلى الجمعية، بل ضمان أن يبقى ثمنها داخل حدود تسمح بالزراعة المنتجة، لأن الأمن الغذائي لا يتحقق بإعلان توافر الأسمدة فقط، بل بقدرة المزارع على شرائها دون أن يخسر الموسم كله.