يربط الناس بين يوم رحيل الإنسان وحسن خاتمته، ومثال لذلك أنهم يستبشرون خيرا لمن مات يوم الجمعة أو في رمضان على سبيل المثال.

وبين رحيل اللواء سعد الدين الشاذلي الذي حبسه السادات ونفاه مبارك، بالتزامن مع وقت تنحي المخلوع، وإرادة الله التي شاءت أن تكون لحظة الصمت النهائي للإذاعي أحمد سعيد مؤسِّس إذاعة “صوت العرب” عن 93 عاماً، هو في نفس يوم الهزيمة، التي طالما صدعنا ببياناته الكاذبة عن انتصارات وهمية فيها.

وذكر تقرير “بي بي سي” أن “سعيد” رحل عشية الذكرى الواحدة والخمسين للحرب التي أذاع بياناتها، وألصقت به وصف “مذيع النكسة”، حيث ظل الشعب المصري منخدعًا ببياناته عبر “صوت العرب”، إلى أن جاءت ساعة الحقيقة عندما خرج عبد الناصر للشعب وأعلن في خطابه يوم 9 يونيو مسئوليته الكاملة عما حدث وخطأ تقديراته، ولجأ إلى خدعة الاستقالة من منصبه.
ويشير متابعون إلى أن التزامن بين الأحداث له اعتبار ، ضاربين المثل بإصرار أمريكا على الاحتفال بنقل سفارة أمريكا للقدس والزعم أنها عاصمة للدولة اليهودية في نفس يوم الذكرى السبعين لإعلان الدولة الصهيونية، يوم الأرض للفلسطينين.

كما أصرت أمريكا أيضا، على إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في صباح عيد الأضحى، في إضارة مهينة للمسلمين بأنه تم ذبح رئيس عربي في نفس يوم نحر المسلمين لذبائحهم.

الإذاعي المنسحب

يقول المفكر السعودي الليبرالي عبدالله الغذامي عن وفاة المذيع القومي أحمد سعيد “كنا ننصت إليه متسمرين في الستينات الميلادية وتحول الإنصات إلى هلع يوم السادس من يونيو 1967 كنا نترك الامتحانات لنتابع أخبار الحرب وكنا نصدقه بأننا منتصرون وانكسر كل شيء في اليوم الخامس حين ظهرت الهزيمة..بعدها انسحب أحمد سعيد ، وبقي لنا الانكسار”.

ولطالما اتهم أحمد سعيد ومحمد حسنين هيكل بأنهما من أبواق بث الأكاذيب وتمجيد الفرعون الذي خسر في 6 ساعات سوريا وسيناء ونصف فلسطين بما فيها القدس‬ ‫عوضا عن فقدانه السودان وقتل من اليمن عشرات الآلاف‬ ‫وضحى بعشرات الآلاف من جنود مصر‬، وأعدم بعض خيرة رجال الوطن‬، و‫سجن وعذب في زنازين مرعبة‬ ‫عشرات الآلاف،‬ ‫وأقام جمهورية رعب وتجسس، ‫وترك البلاد فقيرة متخلفة رديئة.

أثير الإذاعة في وقتها كان عابرا للقارات، فادعى أحمد سعيد انتصار الجيش المصري على إسرائيل في حرب 1967، ونقل عبر إذاعة “صوت العرب” بيانات تتحدث عن انتصار ساحق لمصر وعن إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية، وذلك عكس ما حدث؛ حيث احتلت إسرائيل آنذاك سيناء، وأذاقت الجيش المصري مرارة الهزيمة.

 

مذيع الانكسار

المجلس الثوري المصري تحدث عن مرارة الهزيمة وأثر الاستماع للكذب، قائلا: “ألا يتملكك الشعور بالعار والاشمئزاز وأنت تسمع أحد ضباط مصر المكسورين وهو يقصّ كيف أنه وقد انقطع الاتصال بين وحدته في شرقي سيناء وقيادته في غربيها، اعتمد ومجموعته على (صوت العرب) وفي ثاني أيام الهزيمة كان العطش قد بلغ بهم مبلغه وهم يهيمون على وجوههم في الصحراء عندما أعلنت الإذاعة ذائعة الصيت أن فيالق مصر حاصرت الإسرائيليين في القطاع الأوسط من سيناء، فتهلل الجنود فرحا وعدلوا عن خطة الهرب عن طريق القطاع الجنوبي واتجهوا بدلا من ذلك نحو القطاع الأوسط …وفجأة وجدوا الإسرائيليين فوق رؤوسهم من كل اتجاه..ثأر شخصي يجمع هذا الضابط المصري بعلم الإعلام المصري (أحمد سعيد) الذي كان السبب المباشر في وقوعه مع جنوده بأيدي اليهود”.

الشاذلي ويوم تنحي الطاغية

وبعد 19 عاما من التجاهل في عصر المخلوع، يرحل الفريق سعد الدين الشاذلي، في 10 فبراير 2011، أي قبل يوم واحد من إعلان اللواء عمر سليمان تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وأدى الثوار صلاة الغائب على سعد الدين الشاذلي في ميدان التحرير، وأقيمت له جنازة عسكرية مهيبة حضرها العديد من القادة والضباط، وحصل قبل وفاته على نجمة سيناء، وكرم الرئيس محمد مرسي اسمه بقلادة النيل العظمى.

وفي إطار مشابه لما كان عليه الحال في 5 يونيو 1967 ، وبعد أن أعطى عبد الحكيم عامر قراره الكارثي بالانسحاب الفوري من الحرب، وقع الألاف من الجنود أسرى أو هاموا على وجوههم في الصحراء بدون طعام أو ماء، وكانت الفرقة الوحيدة التي لم تستسلم ولم يؤسر منها أحد هي كتيبة الفريق سعد الدين الشاذلي الذي سجنه السادات ومبارك فيما بعد.

وظهر في الحرب أن العسكر لم يخونوا المجندين من الشعب بل خانوا أحد أفضل ضباطهم الفريق سعد الدين الشاذلي.

في الوقت الذي كتب عمرو موسى في مذكراته منتقدا عهد عبدالناصر: “عبد الناصر كان يستورد طعامه من سويسرا..وهو سبب نكسة 67، ومظاهرات التنحي مسرحية ..عبد الناصر اختصر مصر في شخصه”.

مهندس النصر

وشغل “الشاذلي” منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في الفترة ما بين 16 مايو 1971 وحتى 13 ديسمبر 1973، وهو مؤسس وقائد أول فرقة سلاح مظلات في مصر، وأمين عام مساعد جامعة الدول العربية للشئون العسكرية، وسفير سابق لدى إنجلترا والبرتغال، ومحلل عسكري، وأأحد أعلام العسكرية العربية المعاصرة، ويوصف بأنه الرأس المدبر لحرب أكتوبر أو كما يطلق عليه “مهندس حرب أكتوبر”.

هو صاحب خطة المآذن العالية، أو “عملية بدر” لعبور القناة، وكان المخطط لتنفيذها في 1971 ولكن القوات الجوية والدفاع الجوي كان ينقصهما بعض الأسلحة للتفوق على الإسرائيليين ومنعهم من الاقتراب لمسافة 10 كيلو متر من القناة بعد عبور القوات المصرية.