تصاعدت الهجمات بالطائرات المسيرة بالسودان بشكل ملحوظ، مما أدى لأزمات إنسانية متفاقمة وتعطل واسع للخدمات الأساسية في عدة ولايات، وسط استمرار النزاع المسلح الذي يهدد حياة الملايين ويدمر البنية التحتية للطاقة والمياه.
وشهدت الساحة السودانية إعلان الجيش إسقاط طائرة مسيرة معادية عبرت الحدود من إثيوبيا باتجاه ولاية النيل الأزرق، وذلك في ظل تصعيد عسكري خطير يستهدف محطات الكهرباء المركزية، مما يعمق معاناة المواطنين في مناطق واسعة.
وبالتزامن مع هذا التطور العسكري، ارتفع عدد محطات الطاقة المستهدفة إلى 16 محطة خلال أسبوع، كان آخرها محطة مدينة مروي بالولاية الشمالية، مما أدى لانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه عن آلاف السكان المتضررين من هذه الحرب المدمرة.
تداعيات الهجمات على قطاع الكهرباء
ومن جهته، أوضح الجيش السوداني في بيان مقتضب أن دفاعاته الجوية تمكنت من إسقاط المسيرة بنجاح تام، دون الإفصاح عن الجهة المسؤولة أو تفاصيل المهمة التي كانت تنفذها تلك الطائرة في الأجواء قبل تدميرها.
وفي سياق متصل، تمكنت القوات المسلحة من إسقاط طائرة مسيرة أخرى معادية، وهي صينية الصنع من طراز FH-95، في ولاية غرب كردفان، تزامنا مع استمرار المواجهات العنيفة مع قوات الدعم السريع بالمنطقة.
وعلى إثر هذه التطورات الميدانية، قررت الحكومة السودانية تقديم شكوى رسمية ضد إثيوبيا أمام مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، متهمة إياها بتسهيل انطلاق تلك الطائرات من أراضيها لضرب المنشآت الوطنية.
ورغم خطورة هذه الاتهامات الموجهة ضد أديس أبابا باستهداف منشآت حيوية داخل الأراضي السودانية، لم يصدر أي تعليق فوري من السلطات الإثيوبية لتوضيح موقفها أو نفي تورطها في الهجمات المتكررة التي دمرت المحطات.
من جانبها، تستمر السلطات والمنظمات الحقوقية في توجيه الاتهامات لقوات الدعم السريع باستهداف البنية المدنية، في حين تلتزم الأخيرة الصمت غالبا، مكتفية بالتأكيد المستمر على أن عملياتها العسكرية تهدف لحماية المدنيين العزل.
ومنذ شهر إبريل من عام 2023، يشهد السودان حربا طاحنة بسبب الخلافات حول توحيد المؤسسة العسكرية، مما أسفر عن سقوط ضحايا كثر، ونزوح نحو 13 مليون شخص، بحسب التقديرات الدولية المتتابعة.
تحذيرات أممية من انهيار الخدمات
وفي هذا الصدد، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من العواقب الكارثية لاستمرار قصف البنية التحتية، مؤكدا أن تدمير مرافق الطاقة يسبب انقطاعا واسعا للخدمات الحيوية، ويحرم السكان من المياه الآمنة.
كما أبدى المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة قلقه الشديد من تداعيات الغارات المستمرة، مشيرا إلى استهداف محطتين لتوليد الكهرباء بولاية كسلا، فضلا عن محطة مروي، مما يفاقم الأوضاع المعيشية.
وبالإضافة إلى ذلك، امتدت الهجمات لتشمل مرافق حيوية في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر وشمال كردفان والجزيرة، حيث أسفر غياب الكهرباء عن تعطل منظومات ضخ المياه وتدهور الظروف الصحية للسكان.
وبناء على هذه المعطيات الصعبة، اضطر آلاف المدنيين للاعتماد الكلي على مصادر مياه غير معالجة أو آمنة، وهو ما حذرت منه الجهات الطبية لأنه يضاعف مخاطر تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه.
ولم تتوقف الإدانات عند هذا الحد، بل عبر الأمين العام للأمم المتحدة عن استيائه العميق لاستمرار هذه الأعمال العدائية، مذكرا بأنها أودت بحياة المئات، في انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني.
لذلك، وجهت المنظمة الدولية نداء عاجلا لكافة الأطراف المتصارعة بضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية الدائرة، والجلوس بحسن نية لضمان حماية المدنيين الأبرياء والمرافق الصحية التي يعتمدون عليها في حياتهم اليومية.
تزايد النزوح واستمرار الجهود الدبلوماسية
وعلى الصعيد الإنساني، تتواصل موجات النزوح هربا من العنف المستمر، حيث أوضحت منظمة الهجرة أن 2000 شخص اضطروا لترك منازلهم في قريتي كانو وبارو بشمال دارفور خلال أسبوع واحد بحثا عن ملاذ آمن.
وفي ذات السياق المأساوي، سجلت ولاية النيل الأزرق معدلات نزوح غير مسبوقة، إذ فر 120000 مدني، من بينهم رجال ونساء وأطفال، من مناطقهم المشتعلة بين شهري يناير ومنتصف أكتوبر من العام الماضي.
وأمام هذا الوضع المتدهور، جدد المتحدث الأممي مطالبته الملحة بتوفير الحماية الكاملة للمدنيين العزل، مع ضرورة السماح الفوري لجميع العاملين في المجال الإغاثي بإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين المتواجدين بمناطق الاشتباكات.
ومن الناحية السياسية، أنهى المبعوث الشخصي للسودان بيكا هافيستو زيارة مهمة استغرقت يومين في العاصمة البحرينية المنامة، وذلك للمشاركة الفاعلة في فعاليات حوار المنامة الذي نظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
وعلى هامش هذا المؤتمر الدولي، حرص المبعوث الأممي على عقد لقاءات ثنائية مكثفة مع مجموعة من كبار المسؤولين البارزين، وعلى رأسهم وزير الخارجية البحريني، بغرض حشد الدعم الإقليمي لوقف تدهور الأوضاع بالسودان.
وختاما، يستعد هافيستو للعودة مجددا إلى الأراضي السودانية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، سعيا لمواصلة النقاشات الجادة مع السلطات المحلية والأطراف المعنية لخفض حدة التوترات العسكرية وضمان استقرار البلاد وتأمين حياة المدنيين بشكل كامل.

