أظهرت دراسة استراتيجية موسعة نشرها مركز بيجن - السادات للدراسات الاستراتيجية، التابع لجامعة بار إيلان، أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة مطولة من عدم الاستقرار الاستراتيجي، يتداخل فيها الصراع العسكري التقليدي وحرب الوكالة مع التنافس المحتدم على الممرات المائية والمضائق البحرية الحيوية.
أوضحت الدراسة، التي أعدتها الباحثة ألونا برينر، أن الاكتشافات الهائلة لحقول الغاز الطبيعي (مثل حقلي تامار ولفيثان في إسرائيل، وأفروديت في قبرص، وظهر في مصر) منحت المنطقة وزنًا طاقيًا استثنائيًا، لكن تحويل هذه الميزة إلى واقع اقتصادي ومستدام يتطلب التنقل الحذر بين شبكة معقدة من النزاعات الحدودية، والمخاطر الأمنية، وحسابات النفوذ الإقليمي.
ورصد التقرير الاستراتيجي أبعاد الخريطة الجيوسياسية الحاكمة لإمدادات غاز شرق المتوسط وفق المحاور التالية:
العقدة الجغرافية.. معضلة منشآت الإسالة المصرية
أشارت الدراسة إلى أن الجزء الأكبر من الغاز المستخرج شمال مصر يمر حتمًا عبر محطتي إسالة الغاز الطبيعي المسال في إدكو ودمياط. واعتبر المركز أن هذا المسار يمثل استراتيجيًا "عنق زجاجة جغرافي" يرهن عمليات التصدير والشركات الإقليمية والمستهلكين النهائيين للموافقة والقرار السياسي المصري.
ومع تعرض الإنتاج الإقليمي لصدمات متتالية نتيجة الاضطرابات الأمنية —مثل توقف حقل "لفيثان" الإسرائيلي عن العمل لثلاث مرات خلال الأعوام الثلاثة الماضية (في أكتوبر 2023، يونيو 2025، ومؤخرًا بين فبراير وأبريل 2026)— اضطرت دول مستوردة كالأردن إلى السحب من مخزونها الاستراتيجي والبحث عن مصادر بديلة مكلفة. وتزامن ذلك مع أزمة داخلية في مصر؛ حيث ينمو الاستهلاك المحلي للغاز بمعدلات تفوق التوقعات، مما يقلص من قدرتها التصديرية الفعليه ويزيد من قلق الأسواق الدولية حول استدامة التدفقات.
موت "أنبوب شرق المتوسط" وصعود وحدات الإسالة العائمة
حسمت الدراسة الجدل الدائر حول مشروع خط أنابيب شرق المتوسط الذي كان مقترحًا لربط غاز إسرائيل باليونان وإيطاليا ومنها إلى أوروبا، مؤكدة أنه بات "مستبعدًا وغير واقعي بالكامل". وبررت ذلك بالتكلفة الباهظة للمشروع، والتعقيدات الهندسية والصيانة الفائقة لمد الأنبوب على قاع البحر لمسافة تتجاوز 1900 كيلومتر وبعمق سحيق يتخطى 3000 متر في بعض أجزائه.
وفي مقابل سقوط خيار الأنبوب التقليدي، طرح المركز التكنولوجي البحري بدائل أخرى، أبرزها:
وحدات الإسالة العائمة: وهي سفن ومنصات عائمة في عرض البحر تستقبل الغاز مباشرة من آبار قاع البحر، وتقوم بضغطه وتبريده لتحويله إلى حالته السائلة المخزنة في صهاريج معزولة، ليتم نقلها مباشرة عبر ناقلات الشحن دون الحاجة للمرور بالبنية التحتية البرية لأي دولة، مما يمنح الشركات مرونة تامة واستقلالية عن الضغوط السياسية للدول المضيفة.
الممرات البرية البديلة: على الرغم من أن مد الأنابيب عبر البر يعد أقل كلفة هندسية، إلا أنه يعرض المشروع لتقلبات الأنظمة الحاكمة؛ مثل خط أنابيب (BTC) المار عبر تركيا، والذي تفرض عليه أنقرة رسومًا، فضلاً عن الاتفاقية البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا عام 2019 والتي ترسم حدودًا تقطع مسار أي أنبوب يحاول تجاوز المياه الإقليمية التركية.
عقيدة "الوطن الأزرق" والمناورات التركية
عرّج التقرير على لغز النزاع القانوني في المياه الاقتصادية، مستشهدًا بـ عقيدة "الوطن الأزرق" التي تتبناها تركيا. فرغم أن أكثر من 160 دولة تعترف باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، إلا أن أنقرة ترفض التوقيع عليها، وتطرح بدلاً منها خارطة تمنحها السيادة على مساحة بحرية شاسعة تبلغ 460 ألف كيلومتر مربع، مما يعطل مشاريع الترسيم الجغرافي وحقول المزادات حول جزيرة "كاستيلوريزو" وقبرص (وتحديدًا بعد إعلان قبرص مؤخرًا عن الجدوى التجارية للاكتشاف الجديد لحقل "جلاوكوس").
وحذرت الدراسة من نمط تاريخي تستغل فيه القوى الكبرى "نوافذ التشتت الدولي" لفرض أمر واقع بحري، مثلما فعلت تركيا في تدخلها بقبرص عام 1974 تزامنًا مع أزمة ووترجيت الأمريكية، وروسيا في جورجيا عام 2008 أثناء أولمبياد بكين.
الممرات المتنوعة وتدشين شبكة أمان إقليمية
خلصت الدراسة الإسرائيلية إلى أن التهديدات المستمرة لحرية الملاحة واستهداف الممرات المائية الحيوية من قبل إيران وحلفائها (مثل الحصار الحوثي في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وهجمات مضيق هرمز هذا العام)، دفعت دول المنطقة وصناع القرار إلى ضرورة البحث السريع عن مسارات برية وبحرية تنوع من شبكة الإمداد.
وأكدت الدراسة أن دول المنطقة تمضي قدمًا وبشكل متسارع في بناء وتدشين مسارات ربط برية وبنى تحتية ممتدة (تشبه ممر الـ IMEC) عبر دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وصولاً إلى بلاد الشام وموانئ البحر المتوسط؛ بهدف حماية الاقتصاد من صدمات العرض وتقليل مخاطر الاعتماد على ممر مائي أو نقطة فشل واحدة.
وأضافت أن هذه الدول مستمرة في إتمام هذه المشاريع الحيوية لإرساء الاستقرار التجاري والنفطي، بغض النظر عن المسميات السياسية أو الموقف من إقحام اسم إسرائيل فيها، حمايةً لمصالحها القومية العليا.
https://besacenter.org/eastern-mediterranean-gas-considerations/

