تلتهم شاحنات النقل الثقيل أرواح المواطنين على الطرق السريعة يومياً، بعدما حصد حادث الطريق الأوسطي حياة 10 عمال وأصاب 24 آخرين، إثر دهس تريلا لسيارتهم، ليعيد إلى الواجهة ملف غياب معايير السلامة المهدرة.
​
​
فيما تتوالى الكوارث الميدانية لتبرهن على هشاشة المنظومة الرقابية، إذ سبقت تلك الواقعة فاجعة دامية على طريق رأس غارب بالغردقة، أسفرت عن مصرع 3 مواطنين وإصابة 25 شخصاً، بينهم 5 أجانب يحملون جنسيات أوروبية مختلفة.
​
​


مجازر الأسفلت تحاصر العمال والمسافرين
​
​
وبناءً على المعطيات الميدانية، لم يتوقف مسلسل النزيف عند هذا الحد، بل أصيب 3 أشخاص إثر انقلاب شاحنة نقل ثقيل على طريق العوينات وتوشكى بمحافظة الوادي الجديد، في ظل انعدام الصيانة الدورية وتدني الرقابة.
​
​
وعلاوة على ذلك، استعادت الأذهان فاجعة محافظة بورسعيد في شهر فبراير الماضي، حين دهست مقطورة سيارة تقل عمالاً لتردي 10 منهم قتلى على الفور، مما جسد عمق المخاطر اليومية التي تهدد الأيدي العاملة المصرية.
​
​
وفي هذا الإطار، يوضح استشاري هندسة الطرق والمرور الدكتور حسن مهدي أن الحوادث المتكررة ناتجة عن خلل جسيم في الفحص الفني الدوري للشاحنات، بجانب غياب الموازين الدقيقة التي تمنع الحمولات الزائدة المدمرة للأسفلت.
​
​
ومن هذا المنطلق، تتفاقم الأزمة مع غياب اللوحات الإرشادية الواضحة، مما يضطر السائقين للاعتماد على التطبيقات الإلكترونية، وهو ما يؤدي لتشتت الانتباه ووقوع تصادمات مروعة كان يمكن تلافيها بالحد الأدنى من التجهيزات الهندسية.
​
​
وبالتوازي مع ذلك، تعيد مأساة الدواويس فتح ملف سقوط نحو 240 ضحية يومياً بين قتيل وجريح، ما يبرهن على أن شبكات الطرق الجديدة تحولت إلى مصائد للمواطنين، بفعل العشوائية وتراجع إجراءات الأمان الإلزامية.
​
​


ضوابط السير المعطلة تفاقم الفوضى
​
​
واستناداً إلى الواقع التشريعي، يخضع سير مركبات النقل الثقيل لقانون المرور رقم 66 لسنة 1973 وتعديلاته الشكلية، إلا أن عجز آليات التطبيق على الأرض يفرغ القرارات الوزارية من مضمونها العملي، تاركاً الفوضى تسود المحاور.
​
​
وفي سياق متصل، تنص اللوائح على حظر مرور شاحنات تفوق حمولتها 5 أطنان والمقطورات على قطاعات بالدائري من الساعة 6 صباحاً حتى منتصف الليل، وتحديداً بين محوري المريوطية الجديد وسعد الدين الشاذلي باتجاه الشرق.
​
​
وبموجب القواعد المعلنة، يُسمح للشاحنات بسلوك مسار بديل غرباً عبر صفط اللبن والمحور الزراعي على مدار 24 ساعة، مع فرض قيود صورية على كباري وأنفاق محافظتي القاهرة والجيزة لا تجد من ينفذها بصرامة.
​
​
بالإضافة إلى ذلك، يلزم القانون المقطورات بسرعة قصوى محددة بـ 60 كيلومتراً في الساعة، بيد أن غياب الرادارات المخصصة لمركبات النقل يتيح للسائقين تجاوز هذه الحدود، في ظل غياب المسارات المنفصلة عن الملاكي.
​
​
ومن ناحية أخرى، تقتصر عقوبات المادة 74 مكرراً من قانون المرور على غرامات هزيلة تتراوح بين 1000 و3000 جنيه، وهي مبالغ متواضعة لا تحقق الردع المطلوب لسائقي الشاحنات والشركات المشغلة وسط المخاطر.
​
​
وبناءً عليه، يرى أستاذ هندسة النقل الدكتور أسامة عقيل أن المشكلة الجوهرية تكمن في ترك الشاحنات الضخمة تتداخل مع الحافلات الصغيرة، معتبراً أن غياب الرقابة الآلية الصارمة على السائقين يضاعف حوادث الدهس.
​


​
أرقام الضحايا تفضح زيف التطوير
​
​
وعلى صعيد المؤشرات، وثقت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع وفيات حوادث الطرق والقطارات بنسبة 10.8% خلال عام 2025 لتبلغ 5829 حالة وفاة، مما يسقط الدعاية الرسمية التي تروج للأمان المزعوم على الأسفلت.
​
​
في حين سجلت الإحصاءات الرسمية 5260 حالة وفاة عام 2024، ونحو 5861 حالة في عام 2023، لتؤكد الأرقام التصاعد المستمر في نزيف الأرواح، رغم إنفاق المليارات على مشروعات الطرق دون معايير أمان.
​
​
ومع استمرار المشهد الدامي، يتبين إخفاق السياسات التي يتبناها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، والتي ركزت على تشييد الكباري كواجهة استعراضية، متجاهلة تأهيل السائقين وتطوير الرقابة ومنع الشاحنات من الانفلات.
​
​
وفي المقابل، يؤكد خبير هندسة النقل والسلامة المهندس أحمد عبد العظيم أن توسعة الطرق دون مسارات خاصة للشاحنات، جعلت منها شراكاً تبتلع سيارات الركاب، في ظل تعطل محطات الوزن وفحص الحمولات.
​
​
غير أن الفحوصات الفنية وتحاليل المواد المخدرة لسائقي النقل لا تتعدى كونها إجراءات موسمية، ما يدفع الملايين من المواطنين للركوب في حافلات تفتقر للحماية، تحت رحمة شاحنات تفتك بهم.
​
​
وهكذا يظل ملف النقل الثقيل دليلاً دامغاً على عجز الأجهزة المعنية عن حماية أرواح الأبرياء، لتتحول مسارات الأسفلت إلى ساحات مفتوحة للقتل، طالما بقيت القوانين حبراً على ورق.