تلتهم القرارات الاقتصادية المباغتة مقومات الأمن الغذائي للمواطنين، إذ تدفع التوجهات الرسمية نحو تسريع تصدير المحاصيل الاستراتيجية خارج الحدود، لتتلاشى السلع الحيوية من الأسواق الشعبية وتشتعل الأسعار بوتيرة تفوق قدرات المستهلكين المنهكين مادياً.
ويتزامن هذا التراجع المعيشي الحاد مع إصرار الجهات الحكومية على فرض رسوم متصاعدة لجمع العملات الصعبة، بينما تتسع رقعة الغلاء اليومي لتضرب أبسط مقومات الوجبة الأساسية لدى ملايين الأسر المصرية العاجزة عن مواجهة الأعباء.
استنزاف السلع وجباية الرسوم الخارجية
وتتصاعد المخاوف الشعبية عقب توقف حركة الملاحة الإقليمية لمدة 1 شهر، ليعود جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى استئناف تدفق الشحنات، بعدما رفع رسوم التصدير بنسبة 20% دفعة واحدة لتعظيم الإيرادات المالية المحصلة من المنافذ.
وفي تفاصيل الإجراءات الجمركية الأخيرة، قفزت رسوم تصدير الطن من 100 دولار إلى 120 دولاراً، ما يفرض أعباءً إضافية على المتعاملين ويدفعهم لتعويض الفارق المالي الشاسع عبر مضاعفة أسعار بيع المحصول داخل المحافظات والأسواق المحلية.
واستناداً إلى البيانات التجارية، تقدمت الشركات المصدرة بطلبات مكثفة لشحن نحو 100,000 طن، غير أن العمليات المنفذة فعلياً اقتصرت على 25,000 طن فقط، نتيجة تعطل خطوط الإمداد البحرية والاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية المتلاحقة في الممرات المائية.
وبموجب هذه الترتيبات الجديدة، تستعد إحدى الشركات التصديرية الكبرى لشحن حصة تبلغ 2,000 طن إلى أسواق المغرب وسوريا، لتسدد بمفردها رسوماً إجبارية تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 240,000 دولار لصالح الخزينة العامة دون أدنى تردد.
ومما يعمق الغموض المالي، يمتنع المسؤولون عن توضيح مصير مئات الملايين المحصلة من هذه العمليات التصديرية، في وقت تغيب فيه أي مخصصات لدعم المزارعين أو تخفيض تكاليف مدخلات الإنتاج الزراعي المتضخمة في القرى المصرية.
ويوضح القيادي الأسبق بشعبة الأرز في اتحاد الصناعات وخبير تجارة الحبوب، مصطفى السلطيسي، أن قيمة الرسوم المفروضة بدأت تاريخياً عند مستوى 150 دولاراً للطن، قبل أن تهبط لاحقاً إلى 100 دولار ثم ترتفع حالياً.
ويؤكد السلطيسي في توصيفه للواقع التجاري، أن هذا التذبذب الحاد في الرسوم الإدارية ينسف تماماً استقرار التعاقدات التصديرية، ويفاقم اختلالات السوق الداخلية عبر نقل التكاليف الجمركية المتغيرة مباشرة إلى تسعير الأرز المطروح للمستهلكين في المتاجر.
ومن هذا المنطلق، تتحول الرسوم الحكومية المفروضة إلى ضريبة خفية يدفعها المواطن من دخله المتآكل، حيث يعمد التجار إلى تحميل المستهلك النهائي كافة الزيادات المالية المفروضة عند بوابات الموانئ ومكاتب التخليص التابعة للجهاز.
قفزات الأسعار ومزاعم الفائض السنوي
وبالتوازي مع تلك القرارات الرسمية، اشتعلت الأسعار في المتاجر ليرتفع طن الأرز الأبيض بنحو 500 جنيه، مسجلاً مستويات غير مسبوقة تتراوح بين 19,000 جنيه كحد أدنى وتتجاوز حاجز 24,500 جنيه للأصناف الممتازة ذات الجودة العالية.
ومن زاوية أخرى لحركة التداول، قفز سعر طن الشعير رفيع الحبة بنحو 700 جنيه دفعة واحدة، ليرتفع من 13,000 جنيه في الأسبوع الماضي ليصل مباشرة إلى 13,700 جنيه، وسط تسابق التجار على تخزين المحصول وحجبه.
وفي المقابل، استقر سعر طن الشعير عريض الحبة عند مستوى 15,000 جنيه، في وقت تتمسك فيه الجهات الرسمية بمزاعم امتلاك فائض إنتاجي سنوي يصل إلى نحو 900,000 طن لتبرير السماح بخروج المحصول إلى الموانئ.
ويرى أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، أن التقديرات الرسمية للإنتاج تفتقر إلى الدقة العلمية، لأن احتساب الفائض المزعوم يتجاهل متطلبات الأمان الغذائي الحقيقي والمخزون الاستراتيجي للدولة.
ويضيف الدكتور نور الدين محذراً، أن تصدير محصول الأرز في ظل شح الموارد المائية ومخاطر سد النهضة يمثل تفريطاً خطيراً في حصة المياه العذبة، التي تستنزفها الزراعات الكثيفة وتخرج إلى الخارج على شكل مياه افتراضية مهدرة.
وعلاوة على المخاطر المائية القائمة، فإن توجيه السلع الحيوية نحو التصدير بالتزامن مع تراجع القوة الشرائية للأسر المصرية يحرم الفئات الفقيرة من مصدر غذائي لا يمكن تعويضه، في ظل الارتفاعات القياسية لأسعار الدواجن واللحوم والأسماك.
وبصورة أعمق، يُعرّي غياب الرقابة التموينية واقع ترك الأسواق فريسة سهلة للمضاربات السعرية العشوائية، التي تستغل قرارات التصدير كذريعة مباشرة لخلق حالة مصطنعة من الشح السلعي وتحقيق هوامش أرباح قياسية على حساب المستهلكين.
احتكار المنافذ وضرب السيادة التموينية
وإزاء هذا المشهد المتأزم، تحول جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة إلى ممر إلزامي ووحيد لجميع عمليات الشحن الخارجي، ما قوض قواعد المنافسة العادلة وكرس احتكار إدارة محصول استراتيجي تحت قبضة كيان يفرض شروطه ورسومه.
وتأسيساً على السجلات التشريعية، كانت وزارة التجارة والصناعة قد أصدرت القرار رقم 722 لسنة 2016 لفرض حظر صارم على تصدير الأرز، وجرى تجديده رسمياً خلال شهر فبراير 2025 للحفاظ على الأمن المائي والغذائي للبلاد.
غير أن التوجهات الراهنة انقلبت تماماً على تلك القرارات الحمائية، حيث قررت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية فتح باب الشحن الخارجي حصرياً عبر هذا الجهاز التنفيذي حتى نهاية العام المقبل، لكسر القيود القانونية المتوارثة منذ سنوات.
ويشير أستاذ الاقتصاد الزراعي والباحث في سياسات الأمن الغذائي، الدكتور عبد التواب بركات، إلى أن تحويل المحاصيل التموينية إلى أداة لتحصيل العملة الصعبة يعكس خللاً جسيماً في ترتيب الأولويات الوطنية لحماية المواطنين من تقلبات الجوع.
ويؤكد الدكتور بركات في دراساته الاقتصادية، أن احتكار قنوات التصدير لصالح جهة واحدة يضغط على صغار المزارعين والمضارب، ويحرم السوق المحلية من وفرة المعروض التي كان يفترض أن تخفض الأسعار إلى مستويات تناسب الدخول المتآكلة.
ومما يعقد المشهد الزراعي، أن موسم الحصاد الذي ينطلق في شهر مايو من كل عام، وتبدأ ذروة تدفقه بين شهري أغسطس وأكتوبر، كان من المفترض أن يوفر استقراراً سعرياً مستداماً يلمسه المواطن العادي في الأسواق.
وفضلاً عن ذلك، فإن المحصول الجديد الذي يدخل المضارب عادة في شهر نوفمبر، يواجه اليوم ضغوطاً تصديرية شرسة تسحب الكميات الوفيرة نحو الموانئ، لتتحول وفرة الإنتاج إلى أرباح حصرية للمصدرين وأعباء معيشية ساحقة للأسر.
وهكذا تترسخ سياسات تصدير الغذاء على حساب الكفاية الذاتية، ليظل المواطن البسيط محاصراً بين نارين؛ نار غلاء الحبوب التموينية داخل وطنه، ونار القرارات الإدارية التي تدفع بأرزه اليومي إلى موائد المستهلكين خارج الحدود.

