تصاعدت استغاثات سكان منطقة زهراء المعادي بالقاهرة لوقف أعمال تجريف حديقة «الشطر الثاني»، التي يصفونها بأنها آخر متنفس أخضر متبقٍ في المنطقة، محذرين من تحويلها إلى مشروعات تجارية تضم أكشاكًا وكافيهات، بما يهدد البيئة السكنية ويزيد الضغوط المرورية، في وقت صدرت فيه توجيهات رئاسية بشأن التوسع في المساحات الخضراء والحفاظ على الأشجار.

 

وطالب الأهالي بالتدخل العاجل لوقف الأعمال وإعادة الحديقة إلى حالتها السابقة، مؤكدين أن استمرار التجريف يثير مخاوفهم من فقدان مساحة خضراء يرون أنها تمثل عنصرًا أساسيًا في حماية البيئة وتحسين جودة الهواء، خصوصًا في ظل انتشار المحاجر والمصانع بالمناطق المحيطة.

 

وقالت لمياء أحمد، إحدى سكان المنطقة المقيمة بها منذ تسعينيات القرن الماضي، إن مطلب الأهالي الأساسي هو إعادة الحديقة إلى وضعها الطبيعي، موضحة أن الأعمال بدأت قبل فترة، ثم توقفت مؤقتًا بعد اعتراض السكان، قبل أن تستأنف مجددًا باستخدام المعدات والجرافات.

 

وأضافت، أن جزءًا كبيرًا من الحديقة أزيل بالفعل قبل توقف الأعمال، لكن السكان فوجئوا بعودتها مجددًا قبل أيام، معتبرة أن استمرار التجريف يهدد بالقضاء على المساحة الخضراء بالكامل، رغم المطالبات المتكررة بالحفاظ عليها.

 

 

إزالة متواصلة للمسطحات الخضراء

 

لا تقتصر مخاوف سكان زهراء المعادي على حديقة الشطر الثاني وحدها، إذ يقول عدد منهم إن المنطقة شهدت خلال العامين الماضيين تراجعًا ملحوظًا في المساحات المزروعة، بالتزامن مع تنفيذ أعمال طرق وإنشاء كباري وتوسعات خرسانية طالت جزرًا وسطى وأشجارًا كبيرة.

 

وأوضح محمود عبد الفتاح، أحد السكان المتضررين، أن إزالة المساحات الخضراء امتدت إلى الجزيرة المزروعة بشارع الخمسين والجزر الخضراء في شارع الزهراء، قبل أن تصل إلى الحدائق المعزولة المتبقية، مشيرًا إلى أن حديقة الشطر الثاني تأتي ضمن ثلاث حدائق أو مساحات خضراء يقول إنها تعرضت للإزالة خلال السنتين الماضيتين.

 

ويرى عبد الفتاح أن هذه الأعمال جرت دون مراعاة كافية للخصوصية البيئية للمنطقة، أو تقديم ما يثبت أن التوسعات المرورية تحقق فائدة تتناسب مع حجم المساحات الخضراء التي جرى فقدانها.

 

وبحسب روايته، فإن التغييرات التي شهدتها الشوارع شملت تقليص عرض بعض الجزر الوسطى المزروعة، التي كان يصل عرضها إلى نحو ستة أمتار، لتصبح في بعض المواضع مترًا أو مترًا ونصف المتر، فضلًا عن إزالة أشجار كبيرة ومساحات مزروعة على جانبي شارع الزهراء.

 

ويضيف أن إنشاء الكباري والتوسعات الخرسانية لم يقدم، من وجهة نظره، تحسنًا مروريًا يبرر ما حدث، معتبرًا أن طبيعة المنطقة وكثافتها السكانية لا تستدعي التضحية بهذا القدر من المساحات الخضراء دون دراسة واضحة للبدائل والآثار المترتبة على التنفيذ.

 

 

موقع جغرافي يزيد المخاوف البيئية

 

تكتسب أزمة الحديقة أهمية إضافية، وفق السكان، بسبب الموقع الجغرافي لزهراء المعادي، التي تقع بين هضبة المقطم ومنطقة شق الثعبان، حيث تنتشر المحاجر والأنشطة الصناعية التي ترتبط بانبعاث الأتربة والغبار.

 

وقال عبد الفتاح إن التخطيط العمراني للمنطقة قبل نحو ثلاثة عقود أخذ في الاعتبار أهمية الحدائق والمسطحات المزروعة، باعتبارها عناصر تساعد على تحسين البيئة المحيطة والحد من آثار التلوث، مشيرًا إلى أن إزالة هذه المساحات تثير تساؤلات بشأن كيفية الحفاظ على جودة الهواء في منطقة تتعرض لمصادر متعددة للأتربة.

 

ويخشى السكان أن يؤدي استمرار تقلص الغطاء النباتي إلى زيادة تعرضهم للغبار والملوثات، خاصة مع وجود أنشطة صناعية ومحاجر في المناطق المحيطة، معتبرين أن الأشجار ليست مجرد عنصر جمالي يمكن الاستغناء عنه مقابل إنشاءات جديدة، وإنما جزء من البنية البيئية التي تؤثر في الحياة اليومية للسكان.

 

وتتجاوز هذه المخاوف حدود الحديقة نفسها، لتشمل مستقبل التخطيط العمراني في المنطقة، ومدى التوازن بين تطوير شبكة الطرق وتوفير المساحات العامة المفتوحة، خصوصًا أن إزالة الأشجار والمساحات المزروعة يصعب تعويض آثارها بصورة فورية بمجرد إنشاء طرق أو منشآت بديلة.

 

 

شكاوى للأحياء دون استجابة واضحة

 

وأكد عبد الفتاح أن السكان تقدموا بشكاوى متعددة إلى الأجهزة التنفيذية المعنية، بينها حي المعادي، كما أشار إلى وجود شكاوى ومخاوف مماثلة لدى سكان مناطق أخرى، من بينها البساتين ومنطقة المعراج العلوي، التي قال إنها تواجه مشكلات تتعلق بالمساحات الخضراء.

 

وبحسب روايته، لم تسفر الشكاوى عن إجراءات ملموسة توقف أعمال الإزالة أو تمنع تكرارها، وهو ما دفع الأهالي إلى تصعيد مطالبهم ومناشدة المسؤولين التدخل قبل اختفاء ما تبقى من المساحات المزروعة.

 

وتتمثل المطالب الأساسية للسكان في وقف التجريف فورًا، وإعادة الحديقة إلى طبيعتها الخضراء، والكشف عن الجهة التي قررت تنفيذ الأعمال وأسبابها، إلى جانب توضيح طبيعة المشروع المقترح ومدى توافقه مع احتياجات المنطقة السكنية.

 

كما يطالبون بإتاحة المعلومات المتعلقة بالمخططات العمرانية قبل تنفيذها، وإشراك المتضررين في مناقشة أي تغييرات تمس الحدائق والمساحات العامة، بدلًا من مفاجأتهم بأعمال إزالة يصعب التراجع عن آثارها بعد اكتمالها.

 

 

غياب سياسات ملزمة لحماية الأشجار

 

من جانبه، اعتبر المحامي أحمد الصعيدي، رئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، أن استمرار إزالة الأشجار رغم التصريحات الرسمية الداعية إلى حماية المساحات الخضراء يكشف، بحسب تقديره، عن الحاجة إلى سياسات تنفيذية ملزمة وآليات رقابة واضحة.

 

وقال الصعيدي إن التصريحات وحدها لا تكفي لحماية الحدائق، ما لم تتحول إلى قرارات محددة تطبق على أرض الواقع، وتُلزم الجهات المحلية بمراعاة الاعتبارات البيئية عند تنفيذ مشروعات الطرق والتطوير العمراني.

 

وانتقد ما وصفه بالتناقض بين الخطاب الرسمي بشأن الحفاظ على البيئة والممارسات التي يشاهدها السكان في بعض المناطق، معتبرًا أن غياب الضوابط الواضحة يتيح استمرار إزالة المساحات الخضراء تحت مبررات التطوير أو زيادة الموارد المحلية.

 

 

مطالب بقانون مستقل لحماية المساحات الخضراء

 

ويرى الصعيدي أن حماية الحدائق في المدن المصرية تحتاج إلى إطار تشريعي أكثر وضوحًا، يحدد مسؤوليات الجهات المعنية ويضع ضوابط للتصرف في المساحات الخضراء، بدلًا من ترك القرارات المتعلقة بها لتقديرات الوحدات المحلية أو احتياجاتها المالية.

 

وأشار إلى أن المادة 19 من قانون البيئة تتناول نظام تقييم الأثر البيئي للمشروعات، لكنه شدد على ضرورة وجود ضمانات أكثر تحديدًا لحماية الحدائق والمسطحات الخضراء داخل المدن، بما يضمن عدم إهدارها دون دراسة للنتائج البيئية والاجتماعية المترتبة على ذلك.

 

وفي هذا السياق، أعرب عن أمله في استمرار الجهود الرامية إلى تقديم مشروع قانون لحماية الأشجار والمساحات الخضراء، سبق أن طرحه حزب الدستور، معتبرًا أن وجود تشريع واضح قد يساعد على تحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات التي تتسبب قراراتها في إزالة الغطاء النباتي.

 

كما دعا إلى إلزام الجهات التنفيذية بعقد جلسات استماع مجتمعية قبل تنفيذ المشروعات التي تمس المساحات العامة، بما يسمح للسكان بإبداء آرائهم بشأن طبيعة الاستخدامات الجديدة وتأثيرها في البيئة والمرور والخدمات.

 

وأكد أن إشراك الأهالي ليس إجراءً شكليًا، وإنما وسيلة لتقييم احتياجات المناطق السكنية بصورة أكثر دقة، ومنع اتخاذ قرارات قد تحقق عائدًا ماليًا مباشرًا للجهات المحلية، لكنها تفرض أعباء طويلة الأجل على السكان.

 

 

مخاوف من تحويل الحديقة إلى مشروع تجاري

 

وتتصل الاعتراضات على تجريف حديقة الشطر الثاني بمخاوف من تحويل المساحة إلى منطقة تجارية تضم أكشاكًا وكافيهات، وهو ما يعتبره السكان تغييرًا لطبيعة المكان واستخداماته، وليس مجرد تطوير للحديقة.

 

وقال الصعيدي إن التعامل مع المساحات العامة باعتبارها فرصًا استثمارية فقط قد يؤدي إلى تجاهل الأبعاد البيئية والصحية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن تعظيم الموارد المالية للوحدات المحلية لا ينبغي أن يكون على حساب حق السكان في بيئة ملائمة ومساحات مفتوحة.

 

وحذر من أن تقليص المساحات المزروعة في المناطق القريبة من مصادر التلوث يزيد أهمية الحفاظ على الأشجار والحدائق المتبقية، لافتًا إلى وجود مصانع أسمنت تعتمد على الفحم في مناطق طرة وحلوان والقطامية، وفق ما ذكره، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن حماية السكان من آثار التلوث.

 

كما أشار إلى أن المادة 27 من الدستور تتضمن مبادئ تتعلق بتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، معتبرًا أن التخطيط للمشروعات الجديدة ينبغي أن يراعي التوازن بين العائد الاقتصادي والاعتبارات البيئية والصحية واحتياجات المجتمعات السكنية.

 

من جانبها، شددت لمياء أحمد على تمسك السكان بما تقول إنه حقوق تعاقدية مرتبطة بشراء وحداتهم السكنية المطلة على الحديقة، موضحة أن كراسات الشروط الخاصة بالوحدات التابعة لشركة المعادي للإسكان والتعمير تنص، بحسب قولها، على تخصيص المساحة حديقة خاصة.

 

وأضافت أن إقامة أنشطة تجارية في الموقع قد تغير طبيعة البيئة السكنية، وتؤدي إلى زيادة الحركة المرورية والازدحام، فضلًا عن الضوضاء والضغط على الخدمات، مطالبة بإعادة الوضع إلى ما كان عليه واحترام ما ورد في مستندات شراء الوحدات.

 

 

توجيهات رئاسية وسط جدل إزالة الأشجار

 

تأتي استغاثات سكان زهراء المعادي في أعقاب توجيهات أعلن عنها عبد الفتاح السيسي في 6 سبتمبر الماضي، بشأن تبني مشروع لتخضير القاهرة، يتضمن تحويل المساحات التي يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء، ضمن خطة لتطوير المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية والتراثية في العاصمة.

 

وجاءت التوجيهات بعد انتقادات واسعة لحملة قطع أشجار في شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود بمنطقة المهندسين في الجيزة، قالت المحافظة إنها تستهدف زيادة عدد الحارات المرورية لمواجهة الكثافات وتحسين حركة السيارات في المنطقة.

 

وأثارت عمليات إزالة الأشجار في عدد من المحافظات مطالبات بوقف التجريف والحفاظ على الغطاء النباتي، كما أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن كيفية التوفيق بين مشروعات تطوير الطرق وحق السكان في المساحات الخضراء.

 

وفي 24 سبتمبر الماضي، أعلنت محافظة القاهرة نقل شجرة سقطت على أحد العقارات المجاورة في منطقة مصر الجديدة، بعد ساعات من العمل، مستعينة بمعدات قالت إنها مخصصة للتعامل مع الأشجار، في واقعة سلطت الضوء على إمكانية اللجوء إلى حلول بديلة عن الإزالة في بعض الحالات.

 

لكن سكان زهراء المعادي يرون أن حماية الأشجار لا ينبغي أن تقتصر على التعامل مع الحالات الطارئة أو إصدار تصريحات عامة، وإنما يجب أن تنعكس على القرارات اليومية المتعلقة باستخدام الأراضي والحدائق داخل الأحياء.

 

وبين مطالب الأهالي بالتراجع عن تجريف حديقة الشطر الثاني، ودعوات الحقوقيين البيئيين إلى وضع ضوابط تشريعية ورقابية أكثر فاعلية، تظل الأسئلة قائمة بشأن مصير المساحة الخضراء، وطبيعة المشروع المزمع إقامته مكانها، ومدى التزام الجهات التنفيذية بالتوجهات المعلنة للحفاظ على الأشجار.

 

ويتمسك السكان بوقف الأعمال وإعادة الحديقة إلى حالتها السابقة، مؤكدين أن خسارة المساحات الخضراء لا تعني اختفاء الأشجار فقط، بل تمس أيضًا جودة الحياة داخل المنطقة، وتثير مخاوف من أن تتحول المساحات العامة المتبقية إلى أنشطة تجارية على حساب البيئة واحتياجات السكان.