تحتل القوة مكانة مهمة في التصور الإسلامي، باعتبارها وسيلة لحماية الدعوة وصيانة كرامة الأمة وتأمين حرية الاعتقاد، وردع العدوان الذي يستهدف الإنسان ومقدساته وحقوقه، في إطار العدل والمسؤولية.
ويرتبط تحصيل هذه القوة ببناء متكامل يجمع الإيمان والعلم والعمل والتربية والإعداد؛ فالأمة القادرة على أداء رسالتها تحتاج إلى إنسان راسخ العقيدة، واعٍ بمسؤوليته، يحسن الأخذ بالأسباب وتسخيرها للإصلاح وحماية المجتمع.
حماية العقيدة وصيانة حرية الاختيار
تبدأ مسؤولية القوة بحماية الإنسان الذي يختار الإيمان، وتأمينه من الاضطهاد والإكراه، حتى يستطيع ممارسة عقيدته دون خوف، وتبقى الدعوة قادرة على مخاطبة الناس وإبلاغ رسالتها.
وفي هذا السياق، يعرض النص أربعة مقاصد للقوة، أولها تأمين الذين يختارون العقيدة على حريتهم، فلا يُصدون عنها، ولا يتعرضون للفتنة والاضطهاد بعد اعتناقها.
أما المقصد الثاني، فيتمثل في ردع المعتدين ومنعهم من انتهاك الحرمات، بينما يتعلق الثالث بحماية تبليغ الدعوة من القوى التي تستخدم القهر لمنع وصولها إلى الناس.
ويعبّر النص عن المقصد الرابع بقوله: «أن تحطم هذه القوة كل قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية من دون الله رب العالمين»، رابطًا القوة برفض استعباد الإنسان للإنسان.
وتظل حماية حرية الاعتقاد مقتضيةً لرفض الإكراه؛ فالقوة التي تصون اختيار الإنسان ينبغي أن تخضع للعدل، وأن تحمي حقه في الاستماع والتفكير، دون أن تتحول إلى وسيلة لفرض الإيمان.
المؤمن القوي أساس نهضة الأمة
ينطلق بناء الأمة القوية من بناء المؤمن القادر على تحمل المسؤولية، والثبات على الحق، والمبادرة إلى العمل النافع، بدل الاستسلام للعجز أو الاكتفاء بالأماني التي لا تصنع واقعًا.
وفي هذا المعنى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، وهو حديث رواه مسلم، وتتمة عبارته: «وفي كلٍّ خير».
ومن ثم، فإن الدعوة إلى القوة تحمل المؤمن على تنمية قدراته، وتقوية عزيمته، وإتقان عمله، حتى يصبح إيمانه باعثًا على النفع، وتكون طاقته عونًا على خدمة الناس وحماية الحقوق.
كما أن بناء القوة يحتاج إلى تربية مستمرة تصل العقيدة بالسلوك، وتغرس الصبر والانضباط والأمانة، وتربط التفوق بالمسؤولية؛ فامتلاك القدرة دون وعي أخلاقي قد يحوّلها إلى أداة ظلم.
الإعداد الشامل والأخذ بأسباب العصر
يتطلب تحصيل أسباب القوة فهم الواقع، ومعرفة مواطن الضعف، والعمل على معالجتها؛ فلا يكفي أن تتطلع الأمة إلى العزة بينما تتأخر في العلم والإنتاج والتنظيم وإعداد أبنائها.
وفي التعبير عن ضرورة الاستعداد، ترد في النص عبارتا «يقرعوا الحديد بالحديد» و«يقابلوا الريح بالإعصار»، تأكيدًا لأهمية امتلاك القدرة على مواجهة العدوان وعدم الاستسلام له.
غير أن لغة المواجهة، ومنها تعبير «يقاتلوا الكفر وأهله» الوارد في المادة، لا يصح تحويلها إلى دعوة عامة للاعتداء على الناس بسبب معتقداتهم؛ فالإعداد مسؤولية تضبطها حرمة الدماء والعدل.
وبناءً على ذلك، يشمل الاستعداد تحصيل المعرفة، وتطوير القدرات، وإتقان وسائل الحماية، وإعداد الإنسان الذي يحسن استخدامها؛ فتقدم الأدوات يحتاج إلى تقدم مماثل في الوعي والحكمة وحسن التقدير.
كذلك فإن القوة العلمية والاقتصادية والاجتماعية تمنح الأمة قدرة أكبر على حماية استقلالها وخدمة أبنائها، وتساعدها على مواجهة التهديدات دون أن تبقى رهينة للحاجة أو التبعية.
التربية والبذل في مواجهة التحديات
يربط النص بين الإصلاح والتربية القادرة على إعداد أجيال تتحمل المشقة، ويورد كلامًا منقولًا بتصرف عن الشيخ محمد الغزالي، مع الإحالة إلى كتابه «ركائز الإيمان بين العقل والقلب».
ويبدأ الكلام المنقول بقوله: «إن التغيير الإسلامي الذي تنشده الأمة الإسلامية لا يمكن تحقيقه من غير جهاد، وبدون صياغة جيل مجاهد، فالمهمة التغييرية مهمة شاقة».
ثم يتابع: «فالقوى الظاهرة والخفية القابضة على الزمام في عالمنا قوى شريرة، وقد هيأها أعداء لهذا الدور من زمن بعيد، وهي تعمل ليل نهار على خفت صوت الإسلام بشتى الطرق والوسائل».
ويضيف في وصف صعوبة التغيير: «وإزالة هذه القوى، وإقامة الإسلام مكانها ليس بالأمر السهل، فهي ستتشبث بمواقعها حتى النفس الأخير».
ثم يقول: «وذلك يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى تربية جهادية تخرج أنماطا من المجاهدين، يحبون الموت كما يحب الناس الحياة، ويعيشون همَّ الإسلام وقضاياه ليلهم ونهارهم».
ويواصل: «لابد من بناء قاعدة صلبة متينة تستطيع أن تصمد في هذا الصراع الجبار، وتقف في وجه المؤامرات، وتجاهد في كل المجالات والجبهات».
ويختتم الكلام المنقول بقوله: «وتدفع ثمن التمكين لدين الله في الأرض من زهرة أبنائها الشهداء».
وتحتاج هذه اللغة الحماسية إلى قراءة تميز بين أقوال المفكرين والنصوص الشرعية؛ فلا تصبح التضحية تمجيدًا للموت لذاته، ولا يتحول الحديث عن الإصلاح إلى تبرير لاستباحة الأرواح.
أما المعنى التربوي الذي يخدم بناء الأمة، فيتمثل في الصبر وتحمل المسؤولية والبذل الواعي، وإعداد أجيال تحمل هموم مجتمعها، وتعمل بإخلاص على دفع الظلم وحماية الحياة.
العلم والعمل طريق العزة والنهضة
يتصل بناء القوة بالاستعداد لبذل المال والجهد والوقت، وبإدراك أن النهضة لا تتحقق دون عمل متواصل، وأن المعرفة تحتاج إلى إرادة تحملها من الكتب إلى حياة الناس.
وفي هذا الباب، يورد النص قولًا تحيل مراجعه إلى شكيب أرسلان في كتاب «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟»، يربط فيه النهوض بالبذل وتحمل التكاليف.
ويقول النص المنقول: «إن الواجب على الأمة الإسلامية اليوم لتنهض وتتقدم وتترقى في مصاعد المجد أن تجاهد بمالها ونفسها الجهاد الذي أمرها الله به في القرآن الكريم مرارا عديدة».
ويتابع: «فالجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف بالعلوم كلها، فإذا تعلمت الأمة هذا العلم وعملت به دانت لها سائر العلوم والمعارف».
وفي المعنى العملي للنهضة، يحتاج البذل إلى علم وتخطيط وإتقان؛ فالإرادة الصادقة تدفع إلى التعلم، والعمل المنظم يحول المعرفة إلى مؤسسات وقدرات وخدمات تحفظ للناس كرامتهم.
ومن هنا، تتكامل العقيدة مع العلم، والإيمان مع العمل، والإعداد مع المسؤولية، لتكون قوة الأمة سندًا للحق، وحماية للمظلوم، وقدرة على الإصلاح وصيانة الحقوق وإقامة العدل.

