كشف حجم الثروات المعدنية التي تمتلكها مصر عن مفارقة اقتصادية صارخة، بعدما أظهرت البيانات أن البلاد تزخر بالذهب والفوسفات والنحاس والمعادن الاستراتيجية، بينما تظل مساهمة التعدين غير البترولي محدودة بصورة تثير تساؤلات بشأن الإدارة الاقتصادية.
 
 
وأظهرت تصريحات الخبير الجيولوجي حسن بخيت أن مصر تمتلك فرصاً تعدينية وصناعية ضخمة لم تُستغل بالكامل، في وقت يواجه فيه المواطنون الغلاء وتآكل الدخول، وسط تساؤلات عن أولويات حكم السيسي.
 
 


ثروات هائلة وعائد اقتصادي هزيل

 

وتكشف الأرقام أن مساهمة التعدين غير البترولي بلغت نحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2023-2024، وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، رغم التنوع الكبير في الخامات المصرية.
 
 
وفي المقابل، تستهدف الحكومة رفع مساهمة التعدين إلى نحو 6% بحلول عام 2030، وهو فارق يكشف حجم الطموحات المعلنة، لكنه يطرح سؤالاً عن الخطط الفعلية لتحقيقها.
 
 
والأكثر إثارة للغضب أن مصر ليست دولة فقيرة بالموارد الطبيعية، وإنما تمتلك صحارى وجبالاً تضم خامات متعددة، بعضها معروف منذ عقود، بينما تحتاج مواقع أخرى إلى استكشاف وتقييم اقتصادي.
 
 
وبحسب البيانات الجيولوجية، تحتل مصر المرتبة الثالثة عالمياً في احتياطات صخر الفوسفات، والسابعة مكرراً في إنتاجه وفق بيانات عام 2024، وهي مكانة تستحق سياسة صناعية أكثر طموحاً.
 
 
أما الذهب، فقد كشف حسن بخيت عن خريطة تضم ما بين 270 و280 موقعاً ومظهراً تعدينياً، وهي مؤشرات جيولوجية لا تعني بالضرورة وجود مناجم منتجة أو احتياطات مثبتة بكل موقع.
 
 
ورغم ذلك، يقدم منجم السكري نموذجاً لما يمكن تحقيقه، بعدما تحول إلى مشروع كبير لإنتاج الذهب، بينما لا تزال مواقع أخرى بحاجة إلى دراسات واستثمارات لتحويل إمكاناتها إلى إنتاج فعلي.
 
 
وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية؛ فامتلاك الثروات وحده لا يصنع اقتصاداً قوياً، لكن استمرار الفجوة بين الإمكانات والإنتاج يضع السياسات الحكومية أمام مساءلة لا يمكن إسكاتها بشعارات التنمية.
 
 
وفي ملف الرمال السوداء، تمتلك مصر نحو 11 موقعاً غنياً بهذه الرواسب، وفق تصريحات بخيت، وتضم معادن تدخل في صناعات متقدمة، لكنها تحتاج إلى تقييمات دقيقة واستثمارات تصنيعية.
 
 
وبدلاً من الاكتفاء بالاحتفال بافتتاح المشروعات، يصبح السؤال الأهم: كم تحقق هذه الثروات من قيمة مضافة؟ وكم توفر من وظائف مستقرة؟ وكم تسهم فعلياً في تخفيف الأعباء عن المصريين؟
 
 
ولا يمكن اعتبار استخراج الخام إنجازاً اقتصادياً مكتملاً، إذا بقيت الصناعات الأعلى قيمة بعيدة عن متناول الاقتصاد المحلي، واستمر الاعتماد على استيراد منتجات يمكن تطوير صناعاتها داخلياً.
 
 


ثروة المعادن تكشف قصور التصنيع

 

وتبرز محافظة المنيا مثالاً صارخاً على الفرص الصناعية المتاحة، إذ تمتلك منطقة سمالوط حجراً جيرياً فائق النقاء، يدخل بحسب حسن بخيت في نحو 34 صناعة، بينها الصناعات الطبية والدوائية والغذائية.
 
 
ومع ذلك، يظل السؤال قائماً بشأن حجم الاستفادة الصناعية المحلية من هذه الخامة، مقارنة بإمكانات تصنيع منتجات متقدمة ترفع قيمتها الاقتصادية وتخلق فرص عمل تتجاوز نشاط المحاجر التقليدي.
 
 
وكشف بخيت عن مشاهدات سابقة لشركات تستخدم تقنيات متطورة لاستخلاص منتجات عالية القيمة من الحجر الجيري، وتبيعها بأسعار مرتفعة، ما يبرز أهمية نقل التكنولوجيا وتطوير الصناعات الوطنية.
 
 
لكن المشكلة أن امتلاك المواد الخام لا يكفي لامتلاك التكنولوجيا، وأن الحديث المتكرر عن توطين الصناعة يفقد قيمته ما لم يتحول إلى مصانع وقدرات إنتاجية ومهارات مصرية حقيقية.
 
 
وفي قطاع النحاس، تشير تصريحات بخيت إلى أن مصر تستورد خامات ومنتجات نحاسية بأكثر من مليار دولار سنوياً، رغم وجود خمسة أو ستة مواقع واعدة تحتاج إلى تطوير واستثمارات.
 
 
وهذه المفارقة تستوجب مساءلة السلطة عن خطط الاستكشاف والتصنيع، مع الاعتراف بأن وجود مؤشرات للنحاس لا يعني تلقائياً إمكانية تغطية الواردات دون إثبات الجدوى الاقتصادية والفنية.
 
 
أما الذهب، فتتجاوز الفرصة الاقتصادية مجرد استخراج المعدن، لتشمل التكرير وصناعة المشغولات والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية، وهي أنشطة يرى بخيت أن مصر تستطيع التوسع فيها.
 
 
وأشار الخبير إلى أن مصر لا تمتلك مصفاة ذهب بمستوى المعايير المتقدمة المعمول بها في دبي، وهو ما يطرح أسئلة عن تأخر بناء قدرات تصنيعية تواكب إمكانات البلاد.
 
 
وفي منطقة مروة السيقان، تحدث بخيت عن وجود نحو أربعة ملايين طن من الكوارتز فائق النقاء، وهي خامة يمكن أن تدخل في صناعات تكنولوجية، بشرط توافر عمليات المعالجة والتقنيات المناسبة.
 
 
كما تضم منطقة أبو دباب خامات التنتالوم والنيوبيوم، المستخدمة في تطبيقات صناعية استراتيجية، وهو ما يكشف اتساع الفرص الممكنة، لكنه يستدعي دراسات جدوى جادة قبل إطلاق الوعود الاستثمارية.

 

وبين الفوسفات والكوارتز والنحاس والذهب، يظهر السؤال الذي لا تستطيع البيانات الجيولوجية وحدها الإجابة عنه: لماذا لا تتحول هذه الموارد بالقدر المأمول إلى قاعدة تصنيعية أوسع؟
 
 
والأخطر أن الاكتفاء بتصدير الخامات منخفضة التصنيع، متى حدث، يعني خسارة فرص محتملة لإضافة القيمة محلياً، بينما تتحمل البلاد تكاليف استيراد سلع صناعية تحتاج إلى تكنولوجيا ومعرفة متقدمة.
 
 
ولذلك، فإن معيار النجاح الحقيقي ليس عدد المناجم أو حجم الاحتياطات المعلنة، وإنما قدرة الدولة على بناء سلاسل إنتاج متكاملة، وتدريب العمالة، وتطوير البحث العلمي، وجذب استثمارات منتجة.
 
 


أين العائد ومن يحاسب السلطة؟

 

وتتحمل سلطة السيسي مسؤولية تقديم حساب واضح للمصريين عن نتائج سياساتها التعدينية، بعيداً عن الدعاية الحكومية التي تكتفي بإعلان المشروعات دون أن توضح دائماً أثرها الاقتصادي والاجتماعي.
 
 
فالمواطن لا يحتاج إلى سماع أرقام ضخمة عن المعادن المدفونة تحت الأرض، بقدر حاجته إلى معرفة العائد الفعلي منها، وكيف ينعكس على التشغيل والإنتاج والدخل العام.
 
 
ومن هنا، تصبح الشفافية ضرورة لا ترفاً، عبر نشر بيانات الإنتاج والإيرادات والتكاليف والعوائد الحكومية، وتوضيح شروط استغلال الموارد وآليات الرقابة على التعاقدات التعدينية.
 
 
كذلك، يجب أن تتضمن المحاسبة حجم الوظائف المباشرة وغير المباشرة، ونصيب المجتمعات المحيطة بالمناجم من التنمية، ومدى الالتزام بحماية البيئة وصحة العاملين والسكان.
 
 
ولا يجوز تحويل الثروة الطبيعية إلى مجرد أرقام تزين التصريحات الرسمية، بينما تبقى الأسئلة المتعلقة بالعدالة في توزيع العوائد، والقيمة المضافة، ومستقبل الصناعة دون إجابات تفصيلية مقنعة.
 
 
وفي ظل الأزمات المعيشية، تبدو المفارقة أشد قسوة؛ فالمصريون يسمعون عن الذهب والكنوز والمعادن النادرة، لكن حياتهم اليومية تظل محكومة بضغوط الأسعار والدخول وتكاليف الخدمات الأساسية.
 
 
ولا تعني وفرة المعادن أن الفقر يمكن إنهاؤه فوراً، لكنها تجعل المطالبة بإدارة أكثر كفاءة وشفافية أمراً مشروعاً، خصوصاً حين تتحدث السلطة باستمرار عن الإنجازات والإصلاح الاقتصادي.
 
 
ثم إن هدف الوصول بمساهمة التعدين إلى 6% بحلول 2030 يحتاج إلى جدول زمني معلن، ومؤشرات محددة، وتعريف واضح للأنشطة المحتسبة، حتى يمكن تقييم النتائج بصورة موضوعية.
 
 
أما استمرار إطلاق الأهداف دون عرض تقدم قابل للقياس، فيفتح الباب أمام انتقاد مشروع لنهج اقتصادي يراكم الوعود، بينما يظل الاختبار الحقيقي مرتبطاً بالإنتاج والتصنيع والقدرة التنافسية.
 
 
وتزداد المسؤولية السياسية عندما تكون الموارد الطبيعية ملكاً عاماً للأجيال الحالية والمقبلة، لأن طريقة استغلالها لا تتعلق بالأرباح وحدها، بل بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة وحماية ثرواته.
 
 
والواقع أن حكم السيسي لا يستطيع الاحتماء إلى الأبد بحجة محدودية الموارد، بينما تكشف الدراسات الجيولوجية عن فرص ضخمة تستحق الاستثمار والتصنيع، وتكشف النتائج الحالية عن فجوة تستوجب التفسير.
 
 
وليس المطلوب بيع أوهام للمصريين بأن الذهب سيحل جميع المشكلات، بل مواجهة سؤال مباشر: ما الذي قدمته السياسات الاقتصادية لتحويل هذه الثروات إلى إنتاج مستدام وعائد عام ملموس؟
 
 
وفي النهاية، تظل مأساة مصر الاقتصادية أكبر من مجرد مناجم لم تُستغل؛ إنها أزمة أولويات ومحاسبة، في بلد يمتلك موارد واعدة، بينما ينتظر ملايين المواطنين نتائج تنموية يشعرون بها.
 
 
فمصر لا ينقصها الذهب المدفون في الجبال، وإنما تحتاج إلى إدارة تجعل ثرواتها قوة للإنتاج لا مادة للدعاية، وتضع حق المصريين في عوائد مواردهم فوق حسابات السلطة السياسية.