تحولت خريطة أنشطة المؤسسة العسكرية المصرية خلال خمسة عقود من دبابات وطائرات ومدفعية وصواريخ وجسور لعبور قناة السويس عام 1973، إلى مصانع أسمنت وأسمدة وشركات غذاء ووقود ومياه ومقاولات وعقارات.
⠀
⠀
اتسع هذا الانتقال تحت حكم السيسي حتى باتت كيانات عسكرية حاضرة في أسواق مدنية يفترض أن تتنافس فيها الشركات بشروط متساوية، بينما تتراجع الإجابات عن الكلفة الحقيقية والرقابة والأرباح.
⠀
⠀


د. مراد علي يواجه اقتصاد الامتيازات
⠀
⠀
ففي أكتوبر 1973، كانت الأولوية واضحة: تحصينات العدو، وساعات الهجوم، وعبور الجنود، وتأمين رؤوس الكباري، وتغطية القوات بالدفاع الجوي؛ لم تكن محطات البنزين ومصانع الأغذية عناوين المعركة الوطنية.
⠀
⠀
لكن مقارنة الحرب بالسوق لا تعني أن الجيش لم يعرف الصناعة سابقًا؛ فقد نشأت صناعات دفاعية في الخمسينيات، قبل أن تتوسع الأنشطة المدنية تدريجيًا بعد اتفاقية السلام عام 1979.
⠀
⠀
ومنذ تأسيس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية عام 1979، تحولت فكرة توفير احتياجات القوات المسلحة وبيع الفائض إلى قاعدة لأعمال تجارية اتسعت لاحقًا نحو الزراعة والتصنيع والتوريد والتجزئة.
⠀
⠀
ثم أعطى إنشاء جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة عام 1982 المؤسسة نفوذًا إضافيًا في إدارة الأراضي، قبل أن تتسع فرص الشركات العسكرية في المشروعات المدنية والشراكات خلال العقود التالية.
⠀
⠀
ومع عام 2014، تسارعت عملية التمدد بصورة ملحوظة، وأصبحت الشركات والهيئات العسكرية طرفًا في الطرق والإسكان والمناطق الصناعية، إلى جانب مصانع الأسمنت والرخام والصلب والمنتجات الغذائية.
⠀
⠀
وبحسب تقرير دولي صدر عام 2025، بلغ عدد الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية 62 شركة، ضمن نحو ثمانين شركة عسكرية تتبع كيانات حكومية متعددة، مع محدودية الإفصاح المالي.
⠀
⠀
وفي الوقت نفسه، أصبحت هيئة هندسية عسكرية جهة لإدارة عقود الإنشاءات الكبرى، بينما تؤول أعمال التنفيذ غالبًا إلى مقاولي القطاع الخاص، بما يجعل السؤال عن الشروط والتكلفة والعائد أكثر إلحاحًا.
⠀
⠀
وربط الدكتور مراد علي، خبير إدارة الأزمات، تقييم طرح بعض شركات الجيش للبيع بالإفصاح عن نسب الأسهم وهوية المشترين واستخدام حصيلة البيع، محذرًا من الاكتفاء بصفقات غامضة.
⠀
⠀
كما شدد علي، في تصريحات منشورة خلال أبريل 2025، على ضرورة إتاحة فرصة حقيقية للمستثمر المصري، بدل تحويل الأصول المملوكة للدولة إلى حصص تستحوذ عليها كيانات أجنبية كبيرة.
⠀
⠀
وفي ضوء هذا الطرح، تصبح صفقات الوطنية للوقود وصافي للمياه وسايلو فودز وشيل أوت اختبارًا لجدية الحكومة: هل تفتح السوق فعلًا أم تغير أسماء المساهمين فقط؟
⠀
⠀
غير أن بيع حصة من شركة لا يزيل تلقائيًا امتيازاتها، فإذا بقيت الأراضي والعقود والإعفاءات تعمل بالقواعد القديمة، فلن يكون المستثمر الصغير قادرًا على منافسة الكيان الجديد.
⠀
⠀
وعليه، لا تقاس عودة النشاط العسكري إلى حدوده المهنية بعدد الإعلانات عن الطروحات، بل بمدى نشر القوائم المالية وفصل المسؤوليات العسكرية عن المصالح التجارية وتطبيق قواعد موحدة.
⠀
⠀


د. سالي صلاح وبيع الأصول العامة
⠀
⠀
وفي مقال حمل اسمها خلال أغسطس 2026، وصفت الدكتورة سالي صلاح تحولات ملكية الأصول المصرية بأنها مسار ينقل الدولة من موقع المالك إلى موقع مدير الأصول لحساب مستثمرين خارجيين.
⠀
⠀
واعتبرت صلاح أن تسييل الأصول تحت ضغط التمويل والديون لا يعالج بالضرورة ضعف الإنتاج، خاصة إذا خرجت المؤسسات أو الأراضي من السيطرة العامة دون خطط تعيد بناء القطاعات.
⠀
⠀
ومن هذه الزاوية، لا تنفصل شركات المياه والغذاء والأسمدة عن ملف الأراضي والموانئ والعقارات؛ فالسلطة على عوامل الإنتاج تحدد من يدخل السوق ومن يتحمل تكاليفها ومن يحصل على أرباحها.
⠀
⠀
وبعدما كانت المعدات الهندسية ترتبط في الذاكرة الشعبية بتجهيزات العبور والتحصين، أصبحت جهات عسكرية تدير مشروعات استصلاح صحراوي وعقارات وخدمات، وتؤثر في تحديد مسارات الاستثمار والأولوية الإنفاقية.
⠀
⠀
وفي صناعة الأسمنت تحديدًا، دخل المجمع الصناعي العسكري ببني سويف بطاقة تصميمية كبيرة، في سوق كانت تعاني أصلًا ضغوطًا فائضة لدى منتجين مدنيين، ما أثار أسئلة عن جدوى التوسع.
⠀
⠀
كما نشطت شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية في إنتاج الأسمدة والرخام والحديد، بينما اتسعت خدمات بيع الوقود والمياه والأغذية للمستهلكين، فأصبحت الحدود بين الأنشطة الدفاعية والأسواق اليومية أقل وضوحًا.
⠀
⠀
ولم تعد القضية ملكية مصنع هنا أو محطة هناك؛ بل قدرة كيانات قريبة من سلطة القرار على الحصول على أراضٍ وتراخيص وتعاقدات دون أعباء مماثلة لما يتحمله المنافسون.
⠀
⠀
وبينما تروج الحكومة لتوسيع مساهمة القطاع الخاص، تظل بيئة الأعمال مختلة إذا دخل المستثمر المدني من بوابة الضرائب وأسعار الأراضي والتمويل، ودخل منافسه صاحب الامتيازات عبر باب آخر.
⠀
⠀

وفي يوليو 2026، وصفت دراسة اقتصادية هذا النموذج بأنه قائم بصورة متزايدة على جني الإيرادات من إدارة الأصول والأراضي، بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية تدعم الصادرات وتستوعب العاملين.
⠀
⠀
لكن هذا لا ينفي تنفيذ مشروعات بنية تحتية أو إنتاج سلع يحتاجها السوق؛ إنما يضع المردود الفعلي في مواجهة تكلفة الفرصة البديلة ومديونية التمويل وحق المجتمع في الرقابة.
⠀
⠀
وفي بلد يعاني ارتفاع تكاليف المعيشة، لا تبدو أولوية افتتاح محطة وقود جديدة أهم من رفع كفاءة التعليم والمستشفيات أو دعم مصانع مدنية قادرة على التصدير والتوظيف المستدام.
⠀
⠀
وهنا تتعاظم خطورة تحذيرات سالي صلاح بشأن الأصول العامة، فالتصرف في ممتلكات تراكمت عبر أجيال لا يجوز أن يصبح حلًا سريعًا للأزمات المالية دون مساءلة المجتمع عن العائد والمصير.
⠀
⠀


ممدوح الولي وميزان المنافسة المختل
⠀
⠀
أما ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، فوضع جوهر المشكلة في اختلال المنافسة بين الشركات العسكرية والمدنية، بسبب فروق تكلفة العمالة والأراضي والضرائب وسهولة الوصول إلى العقود.
⠀
⠀
وأوضح الولي في حديث سابق أن الاعتماد على المجندين منخفضي التكلفة، إلى جانب امتيازات ضريبية وتنظيمية، يمنح الشركات العسكرية أفضلية لا يستطيع المستثمر العادي الحصول عليها بالشروط نفسها.
⠀
⠀
وفي مقال تناول معوقات طرح أسهم شركات الجيش عام 2019، تساءل الولي عن استعداد الإدارات العسكرية لقبول حقوق المساهمين، بما فيها مساءلة مجالس الإدارة والاطلاع على الميزانيات والعقود.
⠀
⠀
ولأن الشركة المقيدة بالبورصة تخضع لقواعد الإفصاح والجمعيات العمومية ومراقبة الحسابات، فإن دخول مساهمين مدنيين يطرح تحديًا أمام نموذج إداري اعتاد التسلسل العسكري والقرار المغلق.
⠀
⠀
ومن هنا، يتحول السؤال من حجم ما تنتجه المصانع العسكرية إلى مقدار الضرر الذي يلحق بالمنتجين الآخرين عندما تصبح المنافسة محسومة بامتيازات لا يستطيعون الحصول عليها.
⠀
⠀
وفي الوقت الذي يدفع فيه صاحب مصنع مدني الضرائب وأجور العمال وتكلفة الأرض والطاقة، تتباين الأعباء التي تتحملها بعض الكيانات العسكرية، ما يربك حسابات السعر والأرباح والاستثمار.
⠀
⠀
ولا تعني هذه الاختلالات أن كل مشروع عسكري فاشل أو أن جميع المقاولين المدنيين خاسرون؛ فقد استفادت شركات خاصة من عقود تنفيذ كبرى، لكن الاستفادة المشروطة لا تعني تكافؤ الفرص.
⠀
⠀
وبالمقابل، تظل قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على المنافسة والتوسع محدودة إذا استقرت العقود والأراضي والموارد لدى كيانات كبيرة تتمتع بنفوذ تنظيمي، بدلًا من توزيع الفرص وفق كفاءة الإنتاج.
⠀
⠀
كما أن تقدير وزن الاقتصاد العسكري بدقة يظل صعبًا بسبب نقص البيانات المنشورة، ولذلك فإن الأرقام المتداولة عن سيطرته على نصف الاقتصاد لا تستند جميعها إلى قياسات مستقلة قابلة للتحقق.
⠀
⠀
والطريق إلى إنهاء هذا الغموض يبدأ بقوائم مالية معلنة ومراجعة مستقلة، ونظام موحد للضرائب والتعاقدات وتخصيص الأراضي، مع حصر الأنشطة التي تتصل مباشرة بالأمن والدفاع.
⠀
⠀
وبعد ثلاثة وخمسين عامًا من حرب أكتوبر، لم تعد المقارنة بين دبابة ومصنع أسمنت مجرد صورة بلاغية؛ إنها مساءلة عن وظيفة المؤسسة العسكرية وموقعها وحدود نفوذها في الاقتصاد الوطني.
⠀
⠀
وفي نهاية المطاف، تظل مهمة القوات المسلحة حماية الحدود والسيادة، أما الأسواق فتحتاج شركات تنافس بوضوح وبقواعد متساوية، لا أن تتحول إلى امتداد للمؤسسات التي يفترض أن تحمي البلاد.
⠀
⠀
ويبقى السؤال الذي تتهرب منه حكومة السيسي: كيف انتقل المشهد من رؤوس الكباري والدفاع عن الأرض في 1973 إلى التحكم المتزايد في الأرض والتعاقدات والأسواق، ومن سيحاسب على كلفة هذا الانتقال؟