كشفت شكاوى سكان منطقة الكوثر بمدينة حدائق أكتوبر، المعروفة سابقًا بمنطقة «607 عمارة»، عن أزمة بيئية وصحية متفاقمة، بعدما تحولت المساحات المحيطة بمساكن الإسكان الاجتماعي إلى تجمعات عشوائية للقمامة.
وحذر الأهالي من استمرار غياب خدمات النظافة الأساسية، وسط اتهامات لجهاز المدينة بالتقصير، مؤكدين أن تراكم المخلفات وانتشار الروائح والحشرات حوّلا حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.
إسكان اجتماعي تحاصره القمامة والإهمال
وتكشف الأزمة عن فجوة صارخة بين المشروعات السكنية التي تروج لها الحكومة والواقع الذي يعيشه المواطنون، حيث تتوسع عمليات البناء وتسليم الوحدات، بينما تتراجع الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة داخلها.
وفي الوقت الذي انتقلت فيه آلاف الأسر إلى المنطقة بحثًا عن الاستقرار، فوجئ السكان بغياب بنية خدمية مناسبة لجمع المخلفات، وكأن مسؤولية الجهات الحكومية تنتهي بمجرد تسليم مفاتيح الشقق.
كما يؤكد الأهالي أن الشوارع الداخلية والممرات الفاصلة بين العمارات ومناطق انتظار السيارات تفتقر إلى صناديق القمامة، بينما تتركز الصناديق القليلة المتاحة على الطرق الرئيسية والأطراف الخارجية للمنطقة.
وبسبب هذا القصور، يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة للتخلص من مخلفات منازلهم، في مشهد يعكس غياب التخطيط الخدمي الذي يفترض أن يواكب التوسع العمراني والزيادة السكانية.
ولا يمكن اعتبار غياب صناديق القمامة مجرد تفصيل إداري صغير، بل يمثل إخفاقًا في توفير واحدة من أبسط الخدمات التي يحتاجها المواطن للحفاظ على نظافة مسكنه وسلامة أسرته.
والأكثر إثارة للغضب أن المنطقة تابعة لمشروع الإسكان الاجتماعي، الذي يفترض أن يوفر حياة مستقرة للأسر، لا أن يتركها محاصرة بالمخلفات والروائح الكريهة وسط غياب الحلول الجذرية.
وفي ظل استمرار الشكاوى، تتصاعد التساؤلات بشأن مسؤولية جهاز مدينة حدائق أكتوبر عن توفير خدمات النظافة، ومدى وجود خطة فعلية تتناسب مع أعداد السكان والتوسع المستمر في المنطقة.
وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن تطوير المدن الجديدة وتحسين جودة الحياة، تكشف أزمة الكوثر أن البناء وحده لا يصنع مجتمعًا عمرانيًا متكاملًا ما دامت الخدمات الأساسية غائبة.
مخلفات متراكمة ومخاطر تهدد السكان
ومع استمرار نقص صناديق التجميع، تحولت المساحات الفضاء المحيطة بالعمارات إلى نقاط عشوائية لإلقاء القمامة، بعدما عجزت منظومة النظافة عن استيعاب المخلفات اليومية الناتجة عن تزايد أعداد السكان.
كما ساهم تراكم المخلفات المكشوفة في انتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، الأمر الذي أثار مخاوف الأهالي من تداعيات صحية وبيئية قد تتفاقم حال استمرار الوضع دون تدخل عاجل.
ويشير السكان إلى أن الروائح المنبعثة من القمامة، خاصة مع تعرضها لأشعة الشمس، أصبحت مصدر إزعاج يومي، يدفع بعض الأسر إلى إغلاق نوافذ المنازل هربًا من الهواء الملوث بالروائح.
وفي المقابل، يواجه الأطفال وكبار السن مخاوف متزايدة نتيجة انتشار الذباب والناموس بالقرب من الوحدات السكنية، وسط مطالبات باتخاذ إجراءات وقائية تحول دون تفاقم المشكلات الصحية المحتملة.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند المخاطر الصحية، إذ امتدت إلى تشويه المظهر العمراني لمنطقة حديثة الإنشاء، كان يفترض أن تكون نموذجًا للتخطيط الحضري، لا ساحة مفتوحة لتراكم المخلفات.
واللافت أن هذه المشاهد تقع داخل مشروع سكني حكومي، ما يطرح تساؤلات محرجة بشأن الرقابة على الخدمات، ومعايير تسليم المناطق الجديدة، ومسؤولية الجهات المختصة عن متابعة احتياجات السكان.
وبدلًا من معالجة أسباب المشكلة، يجد المواطنون أنفسهم أمام أعباء يومية إضافية، تبدأ بالبحث عن مكان بعيد للتخلص من القمامة، ولا تنتهي عند محاولة حماية أسرهم من آثار تراكمها.
وهنا تبرز مفارقة قاسية، فالمواطن الذي انتقل إلى الإسكان الاجتماعي طلبًا للاستقرار أصبح مطالبًا بمواجهة مشكلات خدمية كان يفترض حلها قبل انتقاله، وليس بعد تحولها إلى أزمة مزمنة.
مطالب عاجلة ومحاسبة المسؤولين عن التقصير
وفي مواجهة هذا الواقع، يؤكد الأهالي أن الحفاظ على النظافة مسؤولية مشتركة، لكن مطالبة المواطنين بالالتزام لا تعفي جهاز المدينة من واجبه في توفير الصناديق وخدمات جمع المخلفات بانتظام.
كما يشدد السكان على ضرورة إسناد أعمال النظافة إلى شركة معتمدة تتولى رفع المخلفات المتراكمة، وتوفير خدمة مستمرة تشمل الشوارع الداخلية والمناطق المحيطة بالعمارات، بدلًا من الاكتفاء بالمحاور الرئيسية.
ويطالب الأهالي بتوزيع صناديق قمامة كافية داخل المربعات السكنية، بما يسمح للمواطنين بالتخلص من مخلفاتهم بسهولة، ويمنع تحويل الأراضي الفضاء والممرات إلى تجمعات عشوائية جديدة للنفايات.
كذلك تتضمن المطالب وضع جدول زمني معلن لجمع القمامة يوميًا، مع متابعة تنفيذ أعمال النظافة بصورة منتظمة، وتحديد جهة واضحة لتلقي الشكاوى ومحاسبة المقصرين في أداء واجباتهم.
غير أن القضية تتجاوز مجرد توفير صناديق إضافية، إذ تستدعي مراجعة طريقة إدارة الخدمات داخل المنطقة، والكشف عن أسباب وصول الأوضاع إلى هذا المستوى رغم استمرار التوسع السكني.
ومن الضروري أن يعلن جهاز مدينة حدائق أكتوبر موقفه من شكاوى الأهالي، ويوضح الجهة المسؤولة عن النظافة، والإجراءات التي يعتزم تنفيذها، والمواعيد المحددة لإنهاء تراكم المخلفات.
كما تفرض الأزمة ضرورة محاسبة الجهات التي يثبت تقصيرها، لأن استمرار تدهور الخدمات لا ينبغي أن يتحول إلى أمر اعتيادي يتحمله المواطنون دون مساءلة أو التزام رسمي بمعالجة أسبابه.
وفي ظل الحديث الحكومي المتكرر عن تحسين مستوى المعيشة، تظل منطقة الكوثر شاهدًا على التناقض بين الوعود والواقع، حيث يواجه السكان مشكلات يومية تتعلق بأبسط مقومات الصحة والنظافة.
والأخطر أن استمرار تجاهل المطالب قد يدفع الأزمة إلى مزيد من التفاقم، خصوصًا مع زيادة الإشغال السكني، وارتفاع كميات المخلفات التي تحتاج إلى منظومة جمع ونقل قادرة على استيعابها.
وفي النهاية، لا يحتاج سكان الكوثر إلى شعارات جديدة عن جودة الحياة، بل إلى شوارع نظيفة وخدمات منتظمة ومسؤولين يتحملون واجباتهم، بدلًا من ترك آلاف المواطنين يدفعون ثمن الإهمال.
فالحياة الكريمة لا تتحقق بتسليم الشقق والتقاط الصور، وإنما بضمان بيئة صحية وآمنة، وأي عجز مستمر عن توفير هذه الحقوق الأساسية يضع كفاءة الإدارة الحكومية ومصداقية وعودها موضع تساؤل.

