أعلنت هيئة إغاثية سودانية مقتل أكثر من 10 مدنيين وإصابة عدد آخر في هجوم قالت إن قوات الدعم السريع نفذته على قرية أبو عجال بولاية غرب كردفان، في واقعة جديدة تكشف اتساع دائرة الخطر على السكان مع انتقال المعارك والحشود العسكرية بين مناطق كردفان والنيل الأزرق.

 

وتزامنت أنباء القتل في غرب كردفان مع موجة نزوح جديدة في ولاية النيل الأزرق، حيث أعلنت المنظمة الدولية للهجرة مغادرة 1770 شخصا من عدة قرى خلال يوم واحد، ليرتفع عدد النازحين من محافظة ود الماحي إلى 5525 شخصا خلال ثلاثة أيام فقط بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

 

وتكشف التطورات المتزامنة أن المدني السوداني أصبح محاصرا بين جبهات تتوسع بصورة مستمرة، فبينما يسقط قتلى في القرى الواقعة قرب خطوط التماس في كردفان، تفر أسر بأكملها من النيل الأزرق بحثا عن مناطق أكثر أمنا، وسط حرب مستمرة منذ أبريل 2023 دون نهاية قريبة للمعاناة الإنسانية.

 

كردفان تتحول إلى ساحة قتل جديدة

 

قالت هيئة طوارئ دار حمر الأهلية إن قوات الدعم السريع هاجمت قرية أبو عجال الواقعة في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة النهود بولاية غرب كردفان، وإن الهجوم أسفر عن مقتل أكثر من 10 مدنيين وإصابة عدد كبير من السكان، متهمة القوات بارتكاب انتهاكات داخل القرية.

 

ولم تقدم الهيئة تفاصيل بشأن الدافع وراء الهجوم أو الملابسات العسكرية التي سبقته، كما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على الاتهامات الواردة في بيان الهيئة، وهو ما يجعل مسؤولية الواقعة في هذه المرحلة قائمة على رواية الجهة المحلية التي أعلنت حصيلة القتلى والمصابين.

 

لكن الهجوم يأتي في توقيت تشهد فيه غرب كردفان حشودا عسكرية لقوات الدعم السريع بالتزامن مع اقتراب الجيش السوداني من مدينتي النهود والخوي، بعد سلسلة من التحركات العسكرية التي أعلن الجيش خلالها تحقيق تقدم في مناطق مختلفة من ولاية شمال كردفان المجاورة.

 

وكانت شبكة أطباء السودان قد أعلنت قبل أيام مقتل 25 مدنيا في مدينة أم بادر بولاية شمال كردفان، واتهمت قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن مقتلهم، بما يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه السكان مع انتقال العمليات العسكرية من منطقة إلى أخرى واتساع نطاق المواجهات.

 

وفي المقابل، أعلن الجيش السوداني سيطرته على مدينة المزروب في شمال كردفان، وقال إنه ألحق خسائر بقوات الدعم السريع في الأفراد والمركبات، بعدما كان قد أعلن في أواخر سبتمبر السيطرة على منطقتي أم شرو وسودري ضمن سلسلة من التقدمات العسكرية في الولاية.

 

وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلن الجيش السيطرة على 11 منطقة في شمال كردفان، بعدما وسع نطاق انتشاره منذ أواخر يوليو عقب استعادة مدينة بارا ومناطق جبرة الشيخ وأم سيالة، وتأمين الطريق القومي الرابط بين بارا ومدينة أم درمان الواقعة غربي العاصمة الخرطوم.

 

ويعني هذا التقدم أن خطوط القتال تتحرك بصورة متسارعة باتجاه مناطق جديدة، وهو ما يضع قرى ومجتمعات كانت بعيدة نسبيا عن المواجهات المباشرة أمام خطر التحول إلى ساحات عسكرية، بينما لا يملك السكان سوى خيار البقاء تحت النيران أو النزوح إلى مناطق أخرى غير مضمونة الاستقرار.

 

النيل الأزرق يفرغ من قراه

 

وفي جنوب السودان الداخلي، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 1770 شخصا يمثلون 354 أسرة من قرى مختلفة في محافظة ود الماحي بولاية النيل الأزرق خلال يوم واحد، نتيجة تدهور الوضع الأمني وتصاعد العمليات العسكرية في عدد من المناطق الريفية.

 

وشملت موجة النزوح سكان قرى أميري وجبل نمر وأبو قداف وباشكركات وآب جنكور ومكلا ومنقيطة وجبل النو وميزنا ومنشيلنغ، فيما توجهت الأسر النازحة إلى محافظة الروصيرص داخل الولاية نفسها هربا من المناطق التي تشهد تصعيدا أمنيا وعسكريا.

 

ولم تكن هذه الموجة الأولى خلال الأيام الأخيرة، إذ أعلنت المنظمة في اليوم السابق نزوح 955 شخصا يمثلون 191 أسرة، بعدما كانت قد سجلت قبل ذلك بيوم مغادرة 2800 شخص يمثلون 560 أسرة من عشر قرى في المحافظة نتيجة الأسباب الأمنية نفسها.

 

وبذلك بلغ مجموع النازحين من قرى محافظة ود الماحي 5525 شخصا، أي 1105 أسر، خلال ثلاثة أيام فقط، وهي أرقام تعكس السرعة التي يمكن أن تتحول بها قرى مستقرة إلى مناطق طاردة للسكان بمجرد اقتراب العمليات العسكرية منها.

 

ولا يبدأ نزوح النيل الأزرق بهذه الأيام الثلاثة، فقد أعلنت المنظمة الدولية للهجرة في 13 سبتمبر نزوح 99 ألفا و277 شخصا يمثلون 19 ألفا و497 أسرة داخل الولاية خلال الفترة الممتدة من 11 يناير إلى 23 أغسطس، بما يكشف حجم الأزمة التي سبقت موجة التصعيد الأخيرة.

 

وتشهد الولاية خلال الفترة الأخيرة هجمات نسبت إلى قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال المتحالفة معها ضد عدد من المناطق، وهو ما ساهم في زيادة المخاوف بين السكان ودفع آلاف الأسر إلى مغادرة قراها قبل أن تجد نفسها وسط مواجهات مسلحة يصعب التنبؤ بمسارها.

 

حرب تتمدد والمدنيون بلا حماية

 

وتتجاوز أزمة السودان الآن حدود جبهة واحدة، فولايات كردفان الثلاث تشهد مواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع، بينما ينتقل التصعيد إلى النيل الأزرق ومناطق أخرى، لتتحول الحرب التي بدأت بخلاف على ترتيبات دمج القوات داخل المؤسسة العسكرية إلى صراع واسع يدفع المدنيون تكلفته الأكبر.

 

ومنذ اندلاع القتال في أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف واضطر نحو 13 مليون شخص إلى النزوح، فيما دفعت الحرب أجزاء من البلاد إلى أوضاع غذائية وإنسانية بالغة الخطورة، لتصبح الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح والمعاناة الإنسانية في العالم.

 

وتكشف وقائع أبو عجال وأم بادر وقرى ود الماحي أن الخطر لم يعد مقتصرا على المدن الكبرى أو المواقع العسكرية، إذ باتت القرى الصغيرة والمجتمعات الريفية داخل دائرة القتال المباشر، بما يعني أن توسع العمليات العسكرية يحمل معه تلقائيا موجات جديدة من القتل والإصابة والنزوح.

 

كما أن انتقال السيطرة العسكرية من منطقة إلى أخرى لا يحمل بالضرورة نهاية معاناة السكان، لأن المناطق التي ينسحب منها طرف أو يتقدم إليها طرف آخر قد تتحول إلى خطوط مواجهة جديدة، بينما تبقى الأسر العالقة معرضة للقصف أو الهجوم أو فقدان المنازل وسبل المعيشة.

 

وتتحمل المجتمعات الريفية عبئا مضاعفا، فالنزوح بالنسبة إليها لا يعني فقدان المنزل فقط، وإنما فقدان الأراضي الزراعية والماشية ومصادر الدخل وشبكات المجتمع المحلي، وهو ما يحول الهروب المؤقت من القتال إلى أزمة اقتصادية واجتماعية قد تستمر سنوات حتى بعد توقف المعارك.

 

وفي النيل الأزرق تحديدا، يمثل انتقال آلاف الأشخاص إلى الروصيرص ضغطا إضافيا على المناطق المستقبلة، إذ تحتاج الأسر الوافدة إلى المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية، في بلد تعرضت مؤسساته الخدمية والاقتصادية أصلا لضربات قاسية على امتداد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.

 

وفي كردفان، يثير اقتراب العمليات العسكرية من مدن وقرى جديدة المخاوف من ارتفاع أعداد الضحايا والنزوح إذا استمرت المواجهات في التوسع، خصوصا مع الحشود العسكرية والتحركات الميدانية المتقابلة التي تنذر بأن الإقليم قد يبقى إحدى ساحات الصراع الرئيسية خلال المرحلة المقبلة.

 

ولا تكفي بيانات السيطرة العسكرية أو إعلان التقدم في مدينة أو طريق لتوصيف ما يجري في السودان، لأن الخريطة الحقيقية للحرب ترسمها أيضا أعداد القتلى والجرحى والنازحين والقرى التي يفقد سكانها بيوتهم، وهي فاتورة تتزايد في كل مرة تتحرك فيها خطوط المواجهة.

 

ويبقى المدنيون الطرف الذي لا يملك جيشا ولا خطوط إمداد ولا قدرة على تغيير مسار الحرب، لكنه يتحمل نتائجها اليومية من القتل والجوع والنزوح وفقدان الممتلكات، بينما تستمر المعارك بين الجيش والدعم السريع وتتسع جغرافيا دون تسوية توقف النزيف المتواصل منذ أبريل 2023.

 

وتقدم أحداث غرب كردفان والنيل الأزرق صورة شديدة الوضوح لمآلات استمرار الحرب، فبين أكثر من عشرة قتلى في قرية واحدة و5525 نازحا خلال ثلاثة أيام، تتحول الأرقام إلى شهادة يومية على بلد تخسر فيه الأسر أمنها ومنازلها وأرزاقها كلما فتحت الحرب جبهة جديدة.