أعلن السياسي التونسي أحمد نجيب الشابي دخوله في إضراب عن الطعام داخل السجن رافعًا شعارًا بالغ القسوة «أفضل الموت بكرامة على أن أعيش بدونها» بعدما صدر بحقه حكم بالسجن 12 عامًا و5 سنوات مراقبة إدارية في القضية المعروفة إعلاميًا باسم التآمر على أمن الدولة.

 

وتكشف خطوة الشابي، البالغ من العمر 82 عامًا، مستوى الانسداد الذي وصلت إليه الحياة السياسية في تونس تحت حكم قيس سعيّد، بعدما أصبح معارضون مخضرمون يرون أن أجسادهم هي الوسيلة الأخيرة المتاحة للاحتجاج على السجن والمحاكمات والإجراءات التي يعتبرونها فاقدة لأبسط ضمانات العدالة.

 

ونُقل الشابي إلى المستشفى إثر الإضراب وسط تكتم على وضعه الصحي، وفق المادة المعروضة، بينما لا تبدو الواقعة حادثًا منفردًا، بل حلقة جديدة في سلسلة إضرابات خاضتها شخصيات سياسية وحقوقية داخل السجون احتجاجًا على ظروف احتجازها ومسار المحاكمات التي تواجهها.

 

وتحوّل الإضراب عن الطعام بهذا المعنى من وسيلة احتجاج استثنائية إلى صورة متكررة للأزمة التونسية، حيث لم يعد الحديث يدور عن سياسي واحد أو قضية منفردة، وإنما عن عشرات الشخصيات المعارضة التي وجدت نفسها أمام سلطة تغلق المجال السياسي ثم تتجاهل احتجاج من أودعتهم خلف القضبان.

 

أجساد المعارضين ساحة للمواجهة

 

وسبق أحمد نجيب الشابي إلى الإضراب عن الطعام الجامعي جوهر بن مبارك، كما دخل راشد الغنوشي رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة النهضة في إضرابات مماثلة رغم تجاوزه الثمانين ومعاناته من أمراض عدة، في مؤشر على مدى خطورة المواجهة التي انتقلت من المجال السياسي إلى أجساد المحتجزين أنفسهم.

 

وشملت قائمة المضربين كذلك عصام الشابي والصحبي عتيق وعبد الحميد الجلاصي والمحامي والناشط الحقوقي العياشي الهمامي، ما يجعل الإضراب عن الطعام ظاهرة سياسية مرتبطة مباشرة بمناخ الاعتقالات والمحاكمات، وليس مجرد تحرك فردي يمكن للسلطات اختزاله في احتجاج محدود داخل أحد السجون.

 

وامتدت هذه الوسيلة إلى أعضاء «قافلة الصمود» مع غزة، وكان من بينهم وائل نور الذي استمر إضرابه 38 يومًا قبل أن يوقفه بعدما أصبح وضعه الصحي بالغ الخطورة، لتكشف الواقعة مقدار اليأس الذي يمكن أن يدفع محتجزًا إلى المخاطرة بحياته من أجل إيصال صوته إلى الخارج.

 

ولم تتوقف الاحتجاجات عند أبواب السجون، إذ دخلت سهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة في إضراب عن الطعام احتجاجًا على الملاحقات التي تعرضت لها بسبب عملها، كما لجأ أفراد من أسر المعتقلين إلى الإضراب تضامنًا معهم في محاولة لكسر جدار التجاهل الرسمي.

 

ومن بين هؤلاء عز الدين الحزقي الذي خاض إضرابًا تضامنيًا رغم المرض وتقدم السن، وهي صورة تكشف حجم الكلفة الإنسانية التي لم تعد تقتصر على السجين السياسي نفسه، وإنما تمتد إلى أسرته وذويه الذين يدفعون ثمن الاعتقال والمحاكمات والتنقل بين السجون والمحاكم.

 

سلطة تسمع ولا تستجيب

 

ولا تكمن خطورة هذه الإضرابات في عدد المشاركين فيها فقط، وإنما في أن السلطات التونسية، بحسب الوقائع الواردة في المادة، واصلت التعامل معها باعتبارها أزمة يمكن تجاهلها بدل البحث في الأسباب التي دفعت سياسيين كبارًا وحقوقيين وأكاديميين إلى الامتناع عن الطعام والمخاطرة بحياتهم.

 

ووصل الاستخفاف إلى حد تصريحات منسوبة إلى وزيرة العدل سخرت فيها من المضربين وزعمت أنهم يتناولون الطعام سرًا، وهو خطاب يكشف مسافة هائلة بين السلطة وبين معاناة المحتجزين، ويحول قضية صحية وإنسانية وسياسية شديدة الخطورة إلى مادة للسخرية بدل التعامل الجاد معها.

 

ويقول المضربون ومحاموهم إن احتجاجهم يرتبط بطبيعة المحاكمات وحرمان المتهمين من الحضور الفعلي أمام القضاء وفرض المحاكمات عن بعد، إلى جانب شكاوى تتعلق بحق الدفاع وظروف الزيارة والنقل بين السجون، وهي ملفات تجعل الأزمة أكبر كثيرًا من مجرد الاعتراض على حكم قضائي.

 

كما تتكرر الشكاوى من نقل محتجزين إلى سجون بعيدة عن أماكن إقامة أسرهم رغم ما يسببه ذلك من أعباء مالية ونفسية وإنسانية، وهو إجراء ينظر إليه المعارضون باعتباره وسيلة إضافية للضغط والعقاب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمحتجزين كبار في السن أو يعانون من أمراض مزمنة.

 

وتضع هذه الوقائع حكم قيس سعيّد أمام صورة شديدة القسوة، فبينما تتحدث السلطة عن الدولة والقانون والاستقرار، يجد سياسيون معارضون أنفسهم في السجون، وتتحول أجسادهم إلى آخر مساحة متاحة للاحتجاج بعدما أُغلقت أمامهم ساحات السياسة والحوار والمواجهة العلنية.

 

تونس أمام حافة الخطر

 

ويثير استمرار إضرابات الجوع سؤالًا لم يعد من الممكن دفنه تحت بيانات رسمية أو تصريحات ساخرة، وهو ماذا سيحدث إذا فقد أحد هؤلاء المضربين حياته داخل السجن أو بسبب المضاعفات الصحية المباشرة للإضراب، ومن سيتحمل مسؤولية الوصول إلى هذه اللحظة التي لا يمكن التراجع عنها.

 

فالوفاة المحتملة لأي شخصية سياسية مضربة لن تكون واقعة صحية عابرة، بل حدثًا سياسيًا وإنسانيًا ضخمًا يمكن أن يفتح أبوابًا واسعة أمام الغضب الداخلي والضغط الحقوقي الخارجي، ويضع النظام أمام اتهامات أكثر حدة بشأن طريقة تعامله مع خصومه السياسيين داخل السجون.

 

ولا يحتاج المشهد التونسي إلى مزيد من السجناء حتى يثبت أن المجال العام يعيش أزمة عميقة، فوجود شخصيات سياسية تجاوز بعضها الثمانين خلف القضبان، واضطرار بعضها إلى خوض إضرابات مفتوحة عن الطعام، يكشف إلى أي مدى ضاقت مساحة السياسة واتسعت في المقابل قبضة الأجهزة والسجون.

 

ومنذ توسع قيس سعيّد في احتكار القرار السياسي، أصبح خصومه يتحدثون عن انتقال تونس من خلاف سياسي يمكن إدارته عبر المؤسسات إلى مواجهة تعتمد على الاعتقال والمحاكمات وإقصاء الخصوم، بينما لم يعد المجال يسمح بمنافسة سياسية طبيعية تملك فيها المعارضة أدوات حقيقية للدفاع عن نفسها.

 

ويبدو المشهد أكثر فداحة عندما يصبح الموت المحتمل داخل السجن جزءًا من النقاش السياسي، لأن الدولة التي تدفع معارضيها إلى الاختيار بين الصمت أو السجن أو الإضراب عن الطعام لا تستطيع إخفاء أزمتها خلف شعارات السيادة والاستقرار، مهما حاول خطابها الرسمي تجميل الصورة.

 

وتبقى صرخة أحمد نجيب الشابي «أفضل الموت بكرامة على أن أعيش بدونها» أخطر من أن تُعامل باعتبارها مجرد عبارة عاطفية، فهي تلخص مأزقًا سياسيًا كاملًا وصل فيه معارض في الثانية والثمانين إلى قناعة بأن تجويع جسده أهون عليه من قبول واقع السجن والصمت.

 

وحين تصل السياسة إلى هذه النقطة تصبح القضية أبعد من اسم الشابي أو الغنوشي أو بن مبارك، لتصبح سؤالًا عن مستقبل تونس نفسها، وعن بلد كان يقدم نفسه نموذجًا للتحول السياسي ثم وجد أبرز وجوه معارضته بين السجون والإضرابات والمحاكمات تحت قبضة حكم يزداد انغلاقًا يومًا بعد آخر.