تدخل الحكومة المغربية الجديدة مرحلة سياسية مثقلة بتحديات اجتماعية واقتصادية، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات البرلمانية، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، في سابقة تضع أول امرأة على رأس الجهاز الحكومي بالمملكة.

 

وتواجه المنصوري وحزبها اختبارا يتجاوز حسابات تشكيل الأغلبية، مع اتساع ملفات الفقر والبطالة والقدرة الشرائية والاستثمار، بينما تتزامن هذه الضغوط مع استثمارات ضخمة مرتبطة باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030 وتراجع المشاركة الانتخابية.

 

 

أغلبية جديدة تحت ضغط اجتماعي

 

فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا من أصل 395 مقعدا، ليصبح القوة الأولى داخل مجلس النواب، متقدما على التجمع الوطني للأحرار الذي حصد 66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا.

 

وفي المقابل، عاد حزب العدالة والتنمية بقوة إلى المشهد البرلماني، بعدما حصد 54 مقعدا واحتل المرتبة الرابعة، في تحول كبير مقارنة بانتخابات 2021 التي لم يحصل خلالها سوى على 13 مقعدا.

 

كما حصلت الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعدا، بينما حصد الاتحاد الدستوري 17 مقعدا، وتوزعت المقاعد المتبقية على عدد من الأحزاب الأصغر.

 

وبذلك، لا يمتلك الأصالة والمعاصرة أغلبية منفردة تسمح له بتشكيل الحكومة، إذ تحتاج الأغلبية البرلمانية إلى 198 مقعدا على الأقل، وهو ما يدفع المنصوري إلى مفاوضات مع قوى سياسية أخرى لبناء ائتلاف قادر على الاستمرار.

 

لكن تشكيل أغلبية عددية وحده لن يكون كافيا لحسم اختبار المرحلة المقبلة، لأن نتائج الانتخابات أفرزت برلمانا متعدد القوى، مع عودة قوية للعدالة والتنمية وإعلانه الانتقال إلى المعارضة، بما ينذر بمواجهة سياسية أكثر سخونة.

 

ولذلك، يتوقع المحلل السياسي إدريس قسيم أن يصبح التمايز داخل البرلمان أكثر وضوحا، خاصة أن وجود معارضة أكثر تنظيما قد يرفع مستوى الاستقطاب ويدفع الحكومة الجديدة إلى الدفاع المستمر عن خياراتها الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

محاربة الفقر ودعم الشباب في الصدارة

 

وفي هذا السياق، يضع حزب الأصالة والمعاصرة محاربة الفقر ومساعدة الشباب والاهتمام بقضايا المرأة وتقوية الطبقة المتوسطة ضمن أولويات المرحلة الجديدة، وفق ما أعلنه القيادي بالحزب هشام صابري عقب ظهور نتائج الانتخابات.

 

كما يتحدث الحزب عن الحاجة إلى مراجعة بعض السياسات العمومية التي طبقت خلال المرحلة السابقة، مع التركيز بصورة أكبر على الطبقات الهشة، وتحسين المؤشرات الاجتماعية، وخلق ظروف تسمح بمزيد من فرص العمل للشباب.

 

غير أن الوعود الاجتماعية ستواجه اختبار القدرة على التنفيذ، خاصة أن حماية القدرة الشرائية للمواطنين تبرز باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تنتظر الحكومة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية ووضع دولي يوصف بالصعب والمعقد.

 

وفي الوقت نفسه، يرى صابري أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الاستثمار العمومي والخاص، وتحسين مناخ الأعمال لجذب مزيد من الاستثمارات، على أساس أن تنشيط الاقتصاد يجب أن ينعكس في النهاية على خلق فرص العمل.

 

إلا أن توجيه الموارد إلى ملفات الاستثمار لن يكون منفصلا عن كلفة المشروعات الكبرى التي تستعد لها المملكة، وفي مقدمتها الاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030، وهو ما يفرض معادلة دقيقة بين الإنفاق التنموي والاحتياجات الاجتماعية اليومية.

 

ومن ثم، تصبح الحكومة مطالبة بإثبات أن المشروعات الكبرى لن تأتي على حساب الفئات الأكثر احتياجا، وأن الحديث عن الاستثمار والنمو الاقتصادي سيترجم إلى وظائف وأجور وخدمات وتحسن ملموس في مستويات معيشة المواطنين.

 

ويرى قسيم أن هذه المعادلة تتطلب خلق توازنات اقتصادية واجتماعية غير تقليدية، قادرة على حماية القدرة الشرائية بالتوازي مع تنفيذ المشروعات الاستثمارية الضخمة التي ترتبط بالسنوات المقبلة وبالاستعدادات لاستضافة المونديال.

 

 

المشاركة السياسية تختبر الحكومة

 

أما التحدي السياسي الأوسع، فيتمثل في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة إلى نحو 39 بالمئة، وهو رقم اعتبره قسيم مؤشرا على استمرار حالة من العزوف السياسي والانسحاب من المجال العام لدى قطاعات من المواطنين.

 

ووفقا لقراءته، فإن استمرار تراجع المشاركة السياسية مستقبلا قد يتحول إلى مصدر إحراج للمؤسسات السياسية، لأن نجاح أي حكومة لا يرتبط فقط بأغلبيتها داخل البرلمان، وإنما أيضا بقدرتها على استعادة ثقة قطاعات أوسع من الناخبين.

 

كذلك، حملت النتائج عودة واضحة لحزب العدالة والتنمية، بعدما رفع تمثيله من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا خلال انتخابات 2026، مستفيدا من استعادة حضوره التنظيمي والسياسي خلال السنوات الماضية.

 

ويربط قسيم هذه العودة بتبني الحزب خطابا أكثر واقعية واعتراف قياداته بأخطاء سابقة، إلى جانب استمرار التأثير السياسي والتنظيمي لعبد الإله بنكيران، الذي لعب دورا بارزا في استعادة الحزب جزءا كبيرا من وزنه الانتخابي.

 

ومن جهة أخرى، اعتبر المحلل أن تصدر أحزاب الأغلبية السابقة المراتب الأولى يرتبط أيضا باستخدام إمكانات مهمة خلال الحملات الانتخابية، فضلا عن الدفع بشخصيات تحظى بقبول وشعبية، وتقديم وعود أقرب إلى إمكانية التنفيذ.

 

وبالتالي، تبدأ الحكومة الجديدة عملها في ظل مزيج معقد من التحديات، يجمع بين ضرورة بناء أغلبية مستقرة، ومواجهة معارضة أكثر جاهزية، والتعامل مع أزمة الثقة السياسية، إضافة إلى ملفات الفقر والبطالة والقدرة الشرائية والاستثمار.

 

وفي المحصلة، ستكون قدرة المنصوري وحكومتها على تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة هي معيار الاختبار الحقيقي، خاصة أن الناخب المغربي ينتظر تحسنا في حياته اليومية يتجاوز أرقام المقاعد والتحالفات ومفاوضات تشكيل الحكومة.