يشهد اليمن تصعيدا عسكريا واسعا بعد انتقال المواجهة بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين إلى مستوى جديد من الضربات الجوية والتحركات البرية، مع فتح جبهات متزامنة في مأرب والجوف وتعز ولحج خلال الساعات الماضية.

 

ويضع اتساع العمليات البلاد أمام مرحلة أشد خطورة، بعدما جاءت الضربات عقب إعلان رشاد العليمي بدء تحرك عسكري لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط دعم عملياتي معلن من التحالف بقيادة السعودية.

 

 

الغارات تفتح جبهات متعددة

 

فقد نفذت مقاتلات تابعة للقوات المسلحة اليمنية سلسلة غارات مكثفة على مواقع وتحركات للحوثيين في عدد من المحافظات، بينما تحدث مصدر في وزارة الدفاع عن تنفيذ 62 غارة حتى وقت متأخر من ليل الأحد.

 

وفي مأرب، تركزت الضربات على مناطق غرب وشمال غرب المحافظة، حيث استهدفت غارتان آليتين كانتا تنقلان تعزيزات للحوثيين في منطقة الكمب بمديرية مدغل قادمتين من اتجاه صنعاء.

 

كما سمع سكان محليون دوي انفجارات متلاحقة خلال الليل وساعات الفجر، بالتزامن مع قصف مدفعي للقوات الحكومية استهدف مواقع وتحركات للحوثيين في الجبهتين الغربية والجنوبية للمحافظة.

 

وفي الوقت نفسه، رد الحوثيون بقصف صاروخي باستخدام الكاتيوشا استهدف مناطق خلف خطوط التماس غربي مأرب، بينما قالت مصادر عسكرية إن الهجمات لم تسفر عن أضرار مسجلة حتى ذلك الوقت.

 

أما في محافظة الجوف، فقد استهدفت إحدى الغارات مركبة تابعة للحوثيين في جبهة اللبنات، بالتزامن مع تحركات برية ومحاولات تقدم للقوات الحكومية في مناطق الخسف والأقشع شرقي المحافظة.

 

لكن القوات الحكومية لم تحافظ على جميع المواقع التي تقدمت إليها، بعدما شن الحوثيون هجوما مضادا استخدموا خلاله طائرات مسيرة مفخخة، لتعود القوات إلى مواقعها السابقة التي وصفت بأنها أكثر أمنا عسكريا.

 

كذلك امتدت الضربات إلى تعز، حيث استهدف الطيران الحربي عناصر وعتادا للحوثيين في مديريتي سامع ودمنة خدير، وسط استمرار التوتر والاشتباكات على جبهات عدة في المحافظة.

 

وفي لحج، طالت الغارات مناطق كهبوب بمديرية المضاربة ورأس العارة، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للهجمات وعدم اقتصارها على جبهة واحدة أو محور عسكري محدد.

 

 

1122 عملية في جبهات القتال

 

وفي أحدث حصيلة معلنة، قالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 1122 عملية استهداف ضد مواقع وأهداف عسكرية تابعة للحوثيين في صعدة والجوف وتعز والساحل خلال موجة التصعيد الحالية.

 

وشملت العمليات، وفق البيان العسكري، مرابض للمدفعية والراجمات وتحصينات دفاعية وطرق اقتراب وخطوط إمداد وتعزيزات وتحشيدات، إضافة إلى مواقع حاكمة ومراكز للقيادة والسيطرة التابعة للحوثيين.

 

كما تنوعت وسائل الهجوم بين الطيران الحربي والطائرات المسيرة والمدفعية والصواريخ والراجمات والقناصة، في مؤشر على انتقال المواجهة من عمليات محدودة إلى حملة عسكرية متعددة الأدوات والمحاور.

 

وقالت القوات الحكومية إن هذه العمليات أسفرت عن سقوط 1747 بين قتيل ومصاب من عناصر الحوثيين، فضلا عن تدمير أو إعطاب 364 آلية ومعدة ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

 

لكن هذه الأرقام تبقى صادرة عن طرف في الحرب ولم تخضع لتحقق مستقل، خصوصا في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من مناطق المواجهات وتضارب الروايات العسكرية بشأن حجم الخسائر والسيطرة الميدانية.

 

وفي المقابل، أعلن الحوثيون أنهم تصدوا لمحاولات تقدم شرقي الجوف، وادعوا إحراق عدد من الآليات وسقوط قتلى وجرحى، إلى جانب استخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة ضد القوات المهاجمة.

 

كما قال المتحدث العسكري باسم الجماعة إن صنعاء والجوف وتعز وعمران وحجة وصعدة تعرضت لـ106 غارات وضربات صاروخية خلال أربع وعشرين ساعة، زاعما ارتفاع الإجمالي منذ بدء التصعيد إلى 1516 ضربة.

 

وهكذا أصبحت أرقام الطرفين جزءا من معركة موازية للرواية الإعلامية، بينما يظل تحديد الخسائر الحقيقية أو حجم التقدم الميداني مرهونا بتطورات الأيام المقبلة وما ستكشفه خطوط القتال على الأرض.

 

 

الحرب تدخل مرحلة مفتوحة

 

ويأتي هذا التصعيد بعد إعلان العليمي انتقال القوات الحكومية من مرحلة الاستعداد إلى العمل العسكري، وبدء تنفيذ خطة تهدف إلى استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء سيطرتهم على مؤسسات الدولة.

 

كما أعلن التحالف الذي تقوده السعودية استمرار ما وصفه بالدعم العملياتي الكامل للقوات المسلحة اليمنية، مؤكدا مواصلة مساندة الحكومة في العمليات ضد الحوثيين وعلى مختلف المسارات العسكرية.

 

وفي الوقت نفسه، قال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن العمليات تستهدف أيضا ردع الهجمات الحوثية وحماية أمن السعودية، إلى جانب مواجهة تهديدات الملاحة في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

 

ويعني هذا الدعم أن المواجهة مرشحة للخروج من حدود الاشتباكات المحلية المتفرقة إلى حملة عسكرية أوسع، خصوصا مع تزامن الضربات الجوية والمدفعية والتحركات البرية على أكثر من محور.

 

كما يرجح أن يكون توزيع الضربات على مأرب والجوف وتعز ولحج محاولة لتشتيت قوات الحوثيين وإجبارهم على إعادة توزيع المقاتلين والأسلحة، بدلا من تركيز قدراتهم على جبهة واحدة.

 

لكن فتح هذا العدد من الجبهات يحمل مخاطر عسكرية كبيرة أيضا، إذ يتطلب خطوط إمداد طويلة وتنسيقا مستمرا بين الوحدات المختلفة، بينما أثبتت الحرب اليمنية سابقا قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات مضادة سريعة.

 

ولذلك، فإن الأيام المقبلة ستحدد ما إذا كانت الضربات الحالية مجرد موجة ضغط واسعة، أم أنها تمهد فعليا لعمليات برية كبيرة تستهدف تغيير خريطة السيطرة العسكرية في محافظات شمال ووسط اليمن.

 

وفي النهاية، يدخل اليمن مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة بعد سنوات من جمود نسبي في خطوط التماس، بينما يبقى المدنيون أمام خطر موجة أخرى من النزوح والخسائر إذا اتسعت المعارك واستمرت العمليات دون تسوية سياسية.