شهدت العاصمة البريطانية لندن ومدينة لاهاي الهولندية تحركات احتجاجية أمام السفارتين المصريتين، شارك فيها نشطاء ومتضامنون للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في مصر، وتسليط الضوء على أوضاع المحتجزين داخل السجون، لا سيما الذين يخوضون إضرابات عن الطعام احتجاجًا على استمرار احتجازهم والظروف التي يواجهونها.

 

ورفع المشاركون مطالب تتعلق بإنهاء احتجاز سجناء الرأي، وتحسين أوضاع السجون، وضمان الحقوق القانونية والإنسانية للمحتجزين، مؤكدين أهمية التحرك من أجل الكشف عن الانتهاكات التي تتحدث عنها منظمات حقوقية، ووضع ملف المعتقلين على جدول اهتمام المؤسسات الدولية والرأي العام الأوروبي.

 

وجاءت الوقفتان في توقيت يشهد تصاعدًا في التحركات الحقوقية المتعلقة بملف الحريات في مصر، مع تجدد الانتقادات بشأن فترات الحبس الاحتياطي، والقيود المفروضة على الطلاب المحتجزين في سجن بدر 3، إلى جانب توقيف أعضاء من فريق تحرير منصة «متصدقش» خلال الأيام الأخيرة من سبتمبر، وهي تطورات أعادت قضايا السجون وحرية الصحافة إلى واجهة الاهتمام الحقوقي والإعلامي.

 

تحركات احتجاجية أمام السفارات المصرية


نظم عدد من النشطاء وقفة احتجاجية أمام السفارة المصرية في العاصمة البريطانية لندن، للتعبير عن تضامنهم مع المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، ومن بينهم محتجزون يخوضون إضرابات عن الطعام، في محاولة للضغط من أجل الاستجابة لمطالبهم المتعلقة بالإفراج عنهم وتحسين ظروف احتجازهم.

 

وشهدت الوقفة رفع مطالب تدعو إلى إنهاء احتجاز المعتقلين على خلفية قضايا الرأي، واحترام الضمانات القانونية والحقوق الأساسية داخل أماكن الاحتجاز، فضلًا عن تسليط الضوء على أوضاع المضربين عن الطعام، وما قد يتعرضون له من مخاطر صحية نتيجة استمرار الإضراب لفترات طويلة.

 

وفي مدينة لاهاي الهولندية، نظم ناشطون وقفة احتجاجية مماثلة أمام السفارة المصرية، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، في تحرك تزامن مع الفعالية التي شهدتها لندن، وعكس استمرار اهتمام مجموعات حقوقية ونشطاء في الخارج بملف المحتجزين في مصر.

 

وتندرج هذه التحركات ضمن سلسلة من الفعاليات التي تستهدف نقل قضايا المعتقلين إلى خارج الحدود المصرية، من خلال تنظيم وقفات أمام البعثات الدبلوماسية، ومخاطبة المؤسسات الحقوقية والإعلامية في الدول الأوروبية، بهدف إبقاء ملف الحريات وظروف الاحتجاز حاضرًا في النقاش العام.

 

كما تعكس الوقفتان محاولة من المتضامنين للربط بين الحالات الفردية للمحتجزين والملفات الحقوقية الأوسع، وعلى رأسها الحبس الاحتياطي المطول، والحق في المحاكمة العادلة، والحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وضمان عدم تعرض المحتجزين لأي معاملة تنتهك حقوقهم الأساسية.

 

الحبس الاحتياطي يعود إلى دائرة الانتقادات


سبقت الوقفتين تحركات حقوقية ركزت على قضية الحبس الاحتياطي، التي تعد من أبرز الملفات المثارة في النقاش بشأن أوضاع السجون والعدالة الجنائية في مصر.

 

وفي هذا السياق، أطلق مركز الشهاب لحقوق الإنسان حملة بعنوان «الحبس الاحتياطي.. استثناء وليس عقوبة»، تناول خلالها القواعد القانونية المنظمة للحبس الاحتياطي، والحدود الزمنية المقررة له، والبدائل القانونية المتاحة، إلى جانب الضمانات التي يفترض توفيرها للمتهمين خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.

 

وركزت الحملة على الانتقادات المرتبطة باستمرار احتجاز بعض المتهمين لفترات طويلة قبل صدور أحكام نهائية بحقهم، وما يترتب على ذلك من آثار قانونية وإنسانية واجتماعية، خصوصًا عندما يتحول الإجراء الاحترازي إلى وضع ممتد يحرم المحتجز من حريته دون صدور حكم نهائي.

 

وتثير هذه القضية تساؤلات حقوقية بشأن مدى الالتزام بالضوابط القانونية للحبس الاحتياطي، وضرورة استخدامه في أضيق الحدود، وعدم التعامل معه باعتباره عقوبة مسبقة، فضلًا عن أهمية توفير بدائل قانونية تضمن حضور المتهمين أمام جهات التحقيق دون اللجوء إلى استمرار احتجازهم.

 

وفي تقريرها العالمي لعام 2026، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن آلاف المحتجزين في مصر ظلوا رهن الاحتجاز المطول قبل المحاكمة، أو يقضون أحكامًا صدرت في محاكمات قالت المنظمة إنها لم تلتزم بضمانات المحاكمة العادلة.

 

كما أشارت المنظمة إلى استمرار ظاهرة تدوير القضايا، التي تعني فتح قضايا جديدة بحق بعض المحتجزين بعد انتهاء مدد احتجازهم أو اقتراب الإفراج عنهم، بما يؤدي إلى استمرار وجودهم داخل السجون على ذمة اتهامات أخرى.

 

وتناولت المنظمة كذلك استخدام جلسات تجديد الحبس عبر أنظمة مؤتمرات الفيديو، وهي ممارسة أثارت تساؤلات بشأن مدى قدرة المحتجزين ومحاميهم على ممارسة حقوق الدفاع والتواصل المباشر مع جهات التحقيق والقضاء.

 

طلاب سجن بدر 3 يواجهون قيود التعليم


ولم تتوقف الانتقادات الحقوقية عند مسألة مدد الاحتجاز، بل امتدت إلى الظروف المعيشية والتعليمية داخل السجون، ومن بينها أوضاع الطلاب المحتجزين في سجن بدر 3، الذين تحدثت تقارير حقوقية عن مواجهتهم صعوبات في استكمال دراستهم الجامعية والحصول على مستلزماتهم التعليمية.

 

وقال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن عددًا من الطلاب المحتجزين يواجهون عراقيل تتعلق بأداء الامتحانات، والحصول على الكتب والمراجع والأوراق والأقلام، مشيرًا إلى أن بعضهم ظل في المرحلة الدراسية نفسها لسنوات بسبب تعطل مساره التعليمي وعدم تمكنه من استكمال متطلبات الدراسة.

 

وبحسب ما أورده المركز، توقفت امتحانات طلاب الجامعات والدبلومات والدراسات العليا والماجستير داخل السجون منذ عام 2019، وهو ما تسبب في تعقيد أوضاع الطلاب الراغبين في مواصلة تعليمهم، وأدى إلى تأخرهم دراسيًا رغم استمرار قيد بعضهم بالمؤسسات التعليمية.

 

كما تحدث المركز عن صعوبات تتعلق بترحيل الطلاب إلى سجون قريبة من الجامعات المقيدين بها، أو السماح بإرسال لجان امتحانات إلى أماكن الاحتجاز، بما يتيح لهم أداء الاختبارات في مواعيدها المحددة.

 

وأشار إلى وجود عراقيل إدارية أمام انتقال بعض الطلاب إلى جامعات في محافظتي القاهرة والجيزة، فضلًا عن القيود المفروضة على إدخال المستلزمات الدراسية، الأمر الذي يزيد من صعوبة مواصلة التعليم بالنسبة للمحتجزين.

 

وفي السياق نفسه، قالت لجنة العدالة، في تقرير صدر خلال سبتمبر، إنها رصدت حرمان طلاب محتجزين في سجن بدر 3 من فرص التعليم وأداء الامتحانات، مطالبة بتمكينهم من استكمال دراستهم، والسماح بإدخال الكتب والأدوات التي يحتاجون إليها.

 

اعتقال صحفيي متصدقش يجدد الجدل


وفي نهاية سبتمبر، عاد ملف حرية الصحافة إلى واجهة الاهتمام الحقوقي بعد اعتقال 6 من أعضاء فريق تحرير منصة «متصدقش»، المتخصصة في التحقق من المعلومات والصحافة الاستقصائية.

 

وأعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن السلطات ألقت القبض على 6 صحفيين من المنصة خلال يومي 28 و29 سبتمبر، وهم محمد أشرف أبو عميرة، وعبد الله قدري، وإسلام بركات، وعمر هلال، ومحمد محمود، ومحمد عادل.

 

وقالت المبادرة إن التحركات الأمنية بدأت بمداهمة منازل بعض الصحفيين، قبل أن تشمل بقية أعضاء الفريق، مشيرة إلى أن أماكن احتجازهم لم تكن معلومة خلال بداية القضية، وأن أسرهم ومحاميهم واجهوا صعوبات في الوصول إليهم والتواصل معهم.

 

وأثارت الواقعة تحركات من جانب منظمات حقوقية ومؤسسات إعلامية، في ظل المخاوف المتعلقة بضمانات القبض والاحتجاز وحق الصحفيين في التواصل مع محاميهم وأسرهم، فضلًا عن المطالبات بالكشف عن أماكن وجودهم وتمكينهم من الحصول على المساعدة القانونية.

 

ودعت نقابة الصحفيين المصرية إلى الإفراج عن الصحفيين المحتجزين والمحبوسين على ذمة قضايا الرأي، فيما طالبت هيومن رايتس ووتش بالكشف عن أماكن احتجاز أعضاء الفريق الستة، وضمان قدرتهم على التواصل مع محاميهم.

 

وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية لاحقًا احتجاز الصحفيين الستة، ووجهت إليهم اتهامات بالارتباط بلجنة إعلامية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين وتلقي تمويل من الخارج، كما قالت إن منصة «متصدقش» تعمل دون ترخيص وتنشر معلومات مغلوطة.

 

مروة عرفة وهدى عبد المنعم في دائرة الاهتمام


وبالتوازي مع التحركات المتعلقة بالحبس الاحتياطي والصحافة والتعليم، استمرت منظمات حقوقية في إثارة قضايا محتجزين تقول إنهم أمضوا سنوات داخل السجون، وسط مطالبات بمراجعة أوضاعهم القانونية والإنسانية.

 

وقالت منظمة العفو الدولية، في بيان صدر يوم 30 سبتمبر، إن الناشطة الحقوقية والمترجمة مروة عرفة لا تزال محتجزة منذ أكثر من ست سنوات، مشيرة إلى تدهور حالتها الصحية خلال فترة احتجازها، واستمرار القضية المرتبطة باتهامات ذات صلة بالإرهاب.

 

وأعادت المنظمة تسليط الضوء على وضعها، في إطار انتقاداتها المتعلقة بطول فترات الاحتجاز والآثار الصحية والنفسية التي قد يتعرض لها المحتجزون، خصوصًا في الحالات التي تستمر فيها الإجراءات القضائية لسنوات.

 

وفي قضية أخرى، قالت منظمة العفو الدولية، خلال أغسطس الماضي، إن المحامية والناشطة الحقوقية هدى عبد المنعم لا تزال محتجزة لأكثر من سبع سنوات، رغم إتمامها حكمًا بالسجن لمدة خمس سنوات في أكتوبر 2023.

 

وأضافت المنظمة أن هدى عبد المنعم تواجه محاكمات في قضيتين منفصلتين، وهو ما أثار انتقادات بشأن استمرار احتجازها بعد انتهاء مدة الحكم الصادر بحقها في القضية السابقة.

 

وتعكس القضيتان استمرار اهتمام المنظمات الدولية بملفات المحتجزين الذين طالت فترات وجودهم داخل السجون، والمطالبة بمراجعة أوضاعهم الصحية والقانونية، وضمان عدم استمرار احتجاز أي شخص خارج الأطر القانونية المقررة.

 

تقارير دولية ومخاوف أممية بشأن السجون


وتأتي الوقفات الاحتجاجية في لندن ولاهاي ضمن سياق أوسع من الانتقادات التي تتناول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، حيث تركز تقارير منظمات دولية على قضايا الحبس الاحتياطي، والمحاكمات، والرعاية الصحية، والقيود المفروضة على بعض الحقوق والحريات.

 

وقالت هيومن رايتس ووتش إن آلاف المحتجزين ظلوا داخل السجون المصرية في ظروف وصفتها بالصعبة، مشيرة إلى استمرار الاحتجاز المطول قبل المحاكمة، ووجود محاكمات قالت إنها تفتقر إلى ضمانات العدالة.

 

كما تناولت المنظمة تقارير بشأن الحرمان من الرعاية الصحية والحبس الانفرادي لفترات طويلة، وهما ملفان يثيران مخاوف تتعلق بسلامة المحتجزين وحقهم في الحصول على العلاج والرعاية الطبية المناسبة.

 

وفي سياق متصل، أشارت المنظمة إلى وفاة 44 محتجزًا داخل أماكن الاحتجاز خلال عام 2025، وفق بيانات لجنة العدالة، وهو رقم يعيد طرح التساؤلات بشأن أوضاع الرعاية الطبية داخل السجون، ومدى توافر التدخلات الصحية اللازمة للحالات التي تعاني أمراضًا أو تدهورًا في حالتها.

 

وفي يوليو الماضي، أعرب خبراء تابعون للأمم المتحدة عن مخاوف بشأن حالتي إسماعيل الإسكندراني والسيد صبحي أحمد عيد، من خلال رسالة تناولت قضايا مرتبطة بالاحتجاز التعسفي والاختفاء وسوء المعاملة والقيود على الضمانات القانونية.