مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
في نهاية العام الجاري تنتهي المحطة الأخيرة بين مصر وصندوق النقد الدولي والتي حصلت الحكومة بموجبها على قرض بقيمة ثمانية مليارات دولار مقابل تنفيذ عدد من التعهدات، منها تعويم العملة المحلية في البداية ثم مرونة سعر الصرف وترك الجنيه المصري مقابل الدولار للعرض والطلب، وزيادة أسعار السلع الرئيسة بما فيها الأغذية والأدوية، وخفض الدعم المقدم لخدمات حيوية منها الكهرباء والمياه، وبيع عدد من أصول الدولة وزيادة الضرائب والرسوم، ورفع سعر الفائدة، وتعهد السلطات بسداد مستحقات شركات الطاقة العالمية والكف عن اقتراض مليارات الدولارات مباشرة من البنك المركزي المصري.
ومع قرب انتهاء تلك العلاقة المستمرة منذ أكتوبر 2016 وحصلت الدولة بموجبها على قروض تتجاوز قيمتها الاجمالية 26 مليار دولار عبر أربعة برامج اصلاح اقتصادي، فإننا أمام عدة سيناريوهات، الأول هو تقدم الحكومة المصرية بطلب للحصول على قرض جديد من الصندوق، وابرام اتفاق مع المؤسسة المالية الدولية لا تختلف ملامحه كثيرًا عن البرامج السابقة من تعويم العملة المحلية وخفض الدعم الحكومي وتطبيق إجراءات تقشفية بحق المواطن، إضافة إلى التعهد بتسريع الخصخصة وبيع أصول الدولة وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص، وتطبيق مجموعة من الإصلاحات النقدية والمالية، وتقليص دور المؤسسات السيادية في المشهد الاقتصادي.
وفي حال الاتفاق على هذا السيناريو ولجوء الحكومة إليه، فإن الاقتصاد المصري والأسواق ومعاناة المواطن ستظل على حالها من تضخم مستمر وغلاء فاحش بأسعار السلع والخدمات الرئيسية، وتدهور في القدرة الشرائية للمواطن، واستمرار تهاوي الطبقة الوسطى، وتعميق أزمات الفقر والبطالة والغبن الاجتماعي وتدني الأجور، وربما ننتقل لمرحلة أخرى من أبرز ملامحها بيع حصص في البنوك الحكومية والشركات الكبرى، وبيع أصول وهيئات استراتيجية مثّل الاقتراب منها خطًا أحمر للأنظمة لسابقة.
وهذا السيناريو يبقي الأمور الخارجية على حالها، سواء تعلقت بالديون أو بخريطة الدائنين أو الداعمين الإقليميين والدوليين، حيث من المتوقع تجديد الودائع الخليجية لدى البنك المركزي المصري، وربما استمرار دول الخليج في ضمان قروض صندوق النقد لمصر، واستمرار تدفق الأموال الساخنة على مصر، وفتح مزيد من القنوات سواء دول أو مؤسسات وبنوك أمام الحكومة لاغتراف قروض خارجية منها، كما أن هذا السيناريو يضمن توافر سيولة دولارية تساعد الحكومة في سداد قروض الصندوق القائمة والتي تزيد عن تسعة مليارات دولار، وسداد الأعباء الأخرى مع ردم جزء من الفجوة التمويلية وعجز الموازنة.
وبالطبع فإن هذا السيناريو ليس في صالح مصر على المديين المتوسط والبعيد، إذ إنه يهدد الأمن القومي والاقتصادي للدولة بشكل مباشر عبر التدخل في تحديد أولويات الإنفاق والمخصصات المالية، والضغط المتواصل لبيع مقدرات الدولة وإرهاق المواطن، والإنفاق الضعيف على خدمات الصحة والتعليم، كما يلعب دورًا في إغراق البلاد في مزيد من الديون الخارجية التي تزيد على 168 مليار دولار وزيادة أعباء التزامات السداد السنوية البالغة 62.8 مليار دولار مطلوب سدادها خلال 12 شهرًا، من إبريل 2026 حتى مارس 2027، بينها 55.8 مليار دولار أقساط قروض وسبعة مليارات دولار فوائد، وذلك وفق أرقام البنك الدولي.
السيناريو الثاني المتاح أمام مصر هو إعداد برنامج اقتصادي وطني للفترة التي تلي البرنامج الحالي مع صندوق النقد، وقد أعلن كبار المسؤولين في الدولة أكثر من مرة أن الحكومة لا ترى في الوقت الحالي حاجة إلى برنامج تمويلي جديد مع الصندوق بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر 2026، وأنه يجري بالفعل حاليًا إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل يقود المرحلة التالية للاقتصاد المصري، وأن البرنامج سيكون "مصريًا خالصًا".
هذا السيناريو في صالح الاقتصاد القومي والمواطن، إذ إنه قد لا يتضمن الاستمرار في تطبيق الإجراءات التقشفية العنيفة بحق المواطن، ولا سياسات اقتصادية من شأنها تغذية موجة التضخم والضغط على الأسواق، ويدار بأيد وطنية خالصة قد تراعي العوامل الاجتماعية وظروف المواطن، لكنه يواجه تحديات كبيرة، أخطرها كيفية التعامل مع أعباء الديون الخارجية والداخلية وردم الفجوة التمويلية، وكيفية إقناع المقرضين الدوليين بالاستمرار في منح مصر قروضًا جديدة ورخيصة الكلفة في ظل اختفاء مظلة صندوق النقد وعدم الحصول على دعم مباشر منه، ومدى قدرته على تأجيل سداد أعباء الديون أو على الأقل مد آجال سدادها وتحويل الديون من قصيرة إلى متوسطة وطويلة.
أما إذا تضمن البرنامج الوطني بنود التقشف نفسها الجاري تطبيقها في ظل برامج الصندوق ومواصلة الاقتراض وتحميل المواطن فشل الحكومات السابقة والحالية في إدارة المشهد الاقتصادي، فإنه هنا لا يختلف كثيرًا عن البرامج المطبقة سابقًا مع صندوق النقد الدولي، ويضع المواطن تحت الضغط المتواصل.
السيناريو الثالث هو محاولة الحكومة فتح قنوات للاقتراض الخارجي بعيدة عن صندوق النقد والبنك الدوليين، وهي مسألة صعبة جدًا في ظل عدة عوامل، أبرزها عدم وجود تغطية للصندوق لهذه القروض الجديدة، وتوقعات بزيادة كلفة الاقتراض في الفترة المقبلة مع زيادة معدل التضخم وسعر الفائدة حول العالم، وزيادة الضغوط المالية على الدولة، سواء من جهة كلفة الديون الخارجية أو فاتورة الواردات، بما فيها الأغذية ومشتقات الوقود والغاز.
في كل الأحوال، فإن الاقتصاد المصري يظل تحت ضغوط شديدة إلى حين حسم شكل المرحلة المقبلة، وما إذا كان صندوق النقد سيكون من بين مكوناتها أم لا، ومدى قدرة المواطن على تحمل كلف عقد من الفشل الاقتصادي والمالي.

