تتراجع قدرة القاهرة على فرض إيقاعها الإقليمي بينما تتكاثر ساحات الحرب حولها، فتتحول تحركاتها بين غزة وإيران والخليج والبحر الأحمر إلى محاولات دائمة لحماية مصالحها وسط نفوذ عربي يتجه شرقًا.
وتتحرك مصر داخل شبكة ضغوط متناقضة تجمع الأمن القومي والعلاقات الخليجية والارتباطات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما يرى ستيفن كوك أن حضور القاهرة بقي موجودًا لكنه أقل تأثيرًا من الماضي.
غزة تختبر حدود النفوذ المصري
وبحسب كوك، مثّلت حرب غزة الاختبار الأوضح لقدرة القاهرة على الجمع بين المزاج الشعبي المتعاطف مع الفلسطينيين، وبين شبكة العلاقات الأمنية والسياسية التي تربطها بالولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود.
وفي هذا السياق، تبنت الخارجية المصرية خطابًا يحذر من التصعيد ويدعو إلى حماية المدنيين والعودة إلى المسار السياسي، مع تجنب الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية يمكن أن تهدد حسابات القاهرة الأمنية.
كما أعلنت مصر في مايو 2024 نيتها التدخل دعمًا لدعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن غزة، وهو تحرك سياسي وقانوني حمل رسالة اعتراض على العمليات الإسرائيلية دون قطع قنوات التنسيق.
وفي الوقت نفسه، يلفت كوك إلى أن القاهرة واصلت التنسيق الأمني المتعلق بغزة مع الجانب الإسرائيلي، بما يعكس سياسة مزدوجة تحاول إظهار الانحياز للفلسطينيين مع الحفاظ على ترتيبات أمنية قائمة.
ومن جهة أخرى، عززت مصر انتشارها العسكري في سيناء خلال الحرب، بينما ربط كوك هذه الخطوة برفض أي سيناريو لنقل سكان غزة إلى الأراضي المصرية وبالرغبة في إظهار موقف أكثر صلابة داخليًا.
ومع ذلك، يخلص كوك إلى أن المحصلة في غزة كانت أقرب إلى الرمزية منها إلى القدرة على تغيير مسار الحرب، لأن القاهرة حافظت على حضورها السياسي دون امتلاك أدوات كافية لفرض تسوية.
وبالتالي، تبدو غزة مثالًا واضحًا على مأزق النفوذ المصري الحالي، فالجغرافيا تمنح القاهرة وزنًا لا يمكن تجاهله، لكن ميزان القوى الإقليمي يحد من قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى نتائج حاسمة.
إيران والخليج يختبران قدرة المناورة
وفي الملف الإيراني، يرى كوك أن البعد الجغرافي وتحسن العلاقات المصرية الإيرانية تدريجيًا دفعا القاهرة إلى الاكتفاء بدور دبلوماسي حذر، بعيدًا عن الانخراط المباشر في المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع طهران.
وبحسب تحليله، شاركت مصر في اتصالات دبلوماسية إلى جانب السعودية وتركيا وقطر وباكستان خلال ذروة القتال، لكنها امتلكت نفوذًا أقل لدى طهران وواشنطن مقارنة ببقية الأطراف المشاركة.
ومن هنا، اعتبر كوك أن ظهور القاهرة داخل تلك الاتصالات منحها صورة المشاركة الإقليمية أكثر مما منحها قدرة فعلية على صياغة التسوية، خصوصًا مع صعود قوى خليجية وتركية إلى أدوار أكثر تأثيرًا.
وفي المقابل، برزت الإمارات كاختبار آخر لهذه السياسة، إذ يشير كوك إلى أن القاهرة أعلنت تضامنًا واسعًا بعد تعرض أبوظبي ودبي لهجمات إيرانية، بينما ظل الدعم العملي محدودًا في البداية.
وبعد ذلك، يطرح كوك احتمال أن تكون الضغوط الإماراتية قد دفعت مصر إلى إرسال سرب من طائرات رافال إلى الإمارات، في خطوة أظهرت حساسية العلاقة الاقتصادية والسياسية بين البلدين.
كما يربط الكاتب هذا السلوك بحجم المساعدات والاستثمارات الإماراتية في الاقتصاد المصري منذ 2013، ما يجعل أي توتر مع أبوظبي أكثر كلفة على القاهرة من مجرد خلاف سياسي عابر.
ومن ناحية أخرى، يعكس هذا المسار مشكلة أوسع في السياسة المصرية، إذ تحتاج القاهرة إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران، وفي الوقت نفسه حماية روابطها الوثيقة مع دول الخليج الداعمة لاقتصادها.
وبذلك، تتحول المناورة بين طهران وأبوظبي إلى اختبار لقدرة مصر على الاحتفاظ بهامش حركة مستقل، من دون خسارة شركاء ماليين مهمين أو الانزلاق إلى مواجهة لا تريد تحمل كلفتها.
البحر الأحمر يفضح كلفة التراجع
وفي البحر الأحمر، تصبح الأزمة أكثر مباشرة على الاقتصاد المصري، بعدما أدت هجمات الحوثيين واضطراب الملاحة إلى خسائر تجاوزت عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس وفق تقديرات مصرية رسمية.
وبحسب بيانات رسمية، تراجعت إيرادات القناة بقوة خلال ذروة الأزمة قبل أن تبدأ مؤشرات التعافي تدريجيًا، ما جعل أمن باب المندب جزءًا مباشرًا من حسابات العملة الصعبة والمالية العامة.
وفي هذا السياق، يرى كوك أن القاهرة لم تتحول رغم هذه الخسائر إلى طرف عسكري مباشر ضد الحوثيين، واكتفت بالتحذير من تهديد الملاحة والتأكيد على التعاون البحري والأمني مع شركائها.
كما يلفت إلى أن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة لم تنتج، وفق قراءته، التزامًا مصريًا واسعًا تجاه المواجهة مع الحوثيين، رغم أن التهديد البحري يمس المصالح المصرية بصورة مباشرة.
ومن جهة أخرى، يستحضر كوك ذاكرة التدخل المصري في اليمن خلال ستينات القرن الماضي، معتبرًا أنها ما تزال عاملًا يثقل أي قرار بالانخراط العسكري المباشر في ساحة يمنية شديدة التعقيد.
ومع ذلك، يختلف المشهد الحالي عن حرب الستينات، لأن تهديد الملاحة في باب المندب يضرب هذه المرة مصدرًا أساسيًا للعملة الأجنبية، ويجعل الأزمة اليمنية متصلة مباشرة بالاقتصاد المصري.
وفي المقابل، قد تراهن القاهرة على دفع الرياض والحوثيين نحو تسوية تقلل التهديد للملاحة من دون أن تدخل مصر حربًا جديدة، وهي مقاربة تتوافق مع تجنب المخاطر العسكرية الثقيلة.
وبالتالي، يعكس البحر الأحمر حدود السياسة المصرية الحالية بوضوح أكبر، فالمصلحة الاقتصادية ضخمة والتهديد قريب، لكن القدرة أو الرغبة في استخدام القوة تظل مقيدة بحسابات إقليمية وداخلية.
وفي المحصلة، يقدم كوك صورة لمصر لا تختفي من الطاولة الإقليمية لكنها لم تعد الطرف الذي يحدد قواعدها، إذ تحضر في الاتصالات والوساطات بينما تنتقل أدوات النفوذ الأكبر إلى عواصم أخرى.
وفي النهاية، تبدو دبلوماسية القاهرة قائمة على تجنب الخسائر أكثر من صناعة المكاسب، فهي تحاول حماية حدودها واقتصادها وتحالفاتها في وقت تتراجع فيه قدرتها على فرض اتجاه واضح لمسارات المنطقة.

