تضرب حشرة «توتا أبسولوتا» محصول الطماطم في مناطق زراعية مصرية، لتضيف خسائر جديدة إلى مزارعين يواجهون أصلًا ارتفاع مستلزمات الإنتاج وتقلب الأسعار وصعوبة توقع العائد من محصول يوصف منذ سنوات بالمجنون.

 

وتدفع الإصابات المتزايدة ملف الطماطم إلى ما هو أبعد من آفة موسمية، بعدما اجتمعت مقاومة بعض المبيدات مع فجوات العروات وارتفاع التكلفة، لتصبح المخاطرة موزعة بين الحقل والسوق حتى لحظة بيع المحصول.

 

 

سوسة الطماطم تضرب المحصول

 

وفي أحدث التحذيرات، قال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين والخبير الزراعي، إن الحشرة باتت تسبب خسائر مباشرة وتخفض إنتاجية بعض الأراضي، بينما تظهر الإصابة في صورة ثقوب ويرقات داخل الثمار.

 

ومن جانبه، أشار أبو صدام إلى أن الفدان الذي كان ينتج نحو 1500 عداية يمكن أن تتراجع إنتاجيته في بعض الحالات إلى أقل من 700 عداية، بما يعني فقدان أكثر من نصف الإنتاج المعتاد.

 

كما تتحول الإصابة من خسارة كمية إلى ضربة في القيمة التسويقية، إذ قال أبو صدام إن بعض الكميات المصابة يجري تداولها بأسعار تتراوح بين 10 و15 جنيهًا، بينما تحصل الثمار السليمة على أسعار أعلى.

 

وفوق ذلك، تأتي هذه الخسارة بعد أن يكون المزارع قد تحمل تكلفة الشتلات والأسمدة والمبيدات والعمالة والري والنقل، بما يجعل تلف الثمار في نهاية الدورة الزراعية ابتلاعًا لجزء كبير من رأس المال.

 

وفي المقابل، لا يوجد اتفاق كامل حول حجم الانتشار، إذ قال ممثلون لشعبة الخضراوات والفاكهة إنهم لا يرصدون إصابة واسعة بالحجم المتداول، مؤكدين استمرار وجود إنتاج ومعروض جيدين بالأسواق.

 

ومع ذلك، تبقى خطورة الحشرة نفسها ثابتة علميًا، فهي تهاجم الأوراق والسيقان والثمار، ويمكن أن تؤدي عند غياب الإدارة المتكاملة إلى خسائر شديدة، خصوصًا مع تعدد أجيالها خلال العام.

 

ومن ناحية أخرى، تزيد زراعة الطماطم على مدار العام من فرص استمرار العائل النباتي أمام الحشرة، ما يجعل إدارة الإصابة بحاجة إلى متابعة تتجاوز حدود الحقل الواحد ومواعيد الرش التقليدية المتفرقة.

 

وفي هذا السياق، تظهر حساسية الوضع عندما تُترك المكافحة للمزارع منفردًا، لأن انتقال الآفة بين الحقول يجعل نجاح برنامج فردي محدودًا إذا استمرت بؤر إصابة مجاورة من دون تدخل جماعي منظم.

 

وبالتالي، لا تبدو المشكلة مجرد «سوسة» تضرب ثمارًا متفرقة، وإنما اختبار لقدرة منظومة المتابعة الزراعية على رصد الإصابة مبكرًا وربط التوصيات البحثية بالحقل قبل تحوّل الضرر إلى خسارة اقتصادية واسعة.

 

 

مقاومة المبيدات تفضح قصور المكافحة

 

وفي الجانب الفني، يرى الدكتور أحمد يوسف السمان، رئيس الفريق البحثي للبساتين بمحطة البحوث الزراعية بالمطاعنة، أن مواجهة «توتا أبسولوتا» تحتاج تغييرًا جذريًا من الاعتماد المفرط على المبيدات إلى المكافحة المتكاملة.

 

وبحسب طرح السمان، فإن العمل الجماعي بين المزارعين والجهات البحثية والتنفيذية يمثل عنصرًا أساسيًا في الحصار، لأن رش الحقول بصورة منفصلة لا يمنع إعادة انتقال الآفة من المناطق المجاورة بعد فترة قصيرة.

 

كما تدعم الدراسات الحديثة المخاوف من تراجع فاعلية بعض المواد، إذ أظهرت اختبارات على تجمعات مصرية للحشرة اختلافات واضحة في الاستجابة للمبيدات ووجود مستويات مقاومة متفاوتة بين المحافظات.

 

وفي نتائج منشورة خلال 2026، سجلت تجمعات الحشرة في الأقصر أعلى مؤشرات مقاومة لبعض المواد المختبرة، خصوصًا كلورفينابير وإندوكساكارب، بينما كانت تجمعات الجيزة أكثر حساسية في الاختبارات المعملية والحقلية.

 

ومن جهة أخرى، أظهرت النتائج نفسها فاعلية مرتفعة لمواد أخرى ضد السلالات المختبرة، بما يؤكد أن تدوير المجموعات الفعالة وإدارة المقاومة أكثر جدوى من تكرار مادة واحدة حتى تفقد تأثيرها.

 

كذلك خلص بحث أجرته حنان صلاح الدين طه، الباحثة بالمعمل المركزي للمبيدات، إلى تفاوت استجابة تجمعات «توتا أبسولوتا» للمجموعات الكيميائية، بما يعزز الحاجة إلى برامج متابعة مستمرة لمستويات المقاومة.

 

وفي المقابل، توفر المؤسسات البحثية وسائل أخرى مثل المصائد الفرمونية والمكافحة الحيوية والمستحضرات الميكروبية، وهي أدوات تقلل الضغط الكيميائي إذا دخلت ضمن برنامج متكامل يبدأ بالرصد ولا ينتظر انفجار الإصابة.

 

وفوق ذلك، أُطلقت في أغسطس حملة لحماية نحو 40 ألف فدان من الطماطم في إسنا، بعد خسائر قُدرت بملايين الجنيهات خلال الموسم السابق، ما يعكس حجم الضرر الذي سبق التدخل المنظم هناك.

 

ومع أن الحملة تقدم نموذجًا للتحرك الجماعي، فإن اقتصار مثل هذه البرامج على مناطق بعينها يترك سؤال التغطية مطروحًا، خصوصًا مع زراعة الطماطم في محافظات متعددة وانتقال الشتلات والثمار بين الأسواق والمناطق.

 

ومن ثم، تصبح القضية مرتبطة بسرعة وصول الإنذار والتوصية والمبيد الموثوق والمصيدة إلى المزارع، لأن التوجيه المتأخر بعد استقرار اليرقات داخل النبات يرفع كلفة المكافحة ويقلل فرص إنقاذ الإنتاج.

 

 

تقلب الأسعار يضاعف خسائر الفلاحين

 

وفي البعد الاقتصادي، يحذر محمد الجوهري، الاستشاري الزراعي، من ضبابية الموسم الزراعي 2026 و2027، معتبرًا أن اضطراب أسواق المحاصيل وتراجع هوامش الربح يفرضان الحذر في قرارات الزراعة والإنتاج.

 

وبحسب الجوهري، كانت التغيرات السعرية الحادة في سوق الطماطم أحد أبرز عناصر عدم اليقين، إلى جانب أزمات محاصيل أخرى، ما يجعل خفض تكاليف الإنتاج عنصرًا حاسمًا لاستمرار المزارعين.

 

وفي الوقت نفسه، لا تعني الأسعار المرتفعة للمستهلك أن الفلاح يحقق أرباحًا مماثلة، إذ قدرت تكلفة إنتاج كيلو الطماطم لدى المزارع بنحو عشرة جنيهات خلال سبتمبر، مع استمرار المحصول بالأرض قرابة أربعة أشهر.

 

كما وصلت أسعار التجزئة خلال سبتمبر إلى مستويات تراوحت في بعض المناطق بين 30 و40 جنيهًا للكيلو، بينما تحملت المزارع في المقابل خسائر مرتبطة بالحرارة والإصابة وفجوات العروات وارتفاع المستلزمات.

 

ومن ناحية أخرى، فإن بيع الثمار المصابة بسعر أقل يضع المزارع في مأزق مزدوج، لأنه يدفع تكلفة مكافحة إضافية ثم يواجه خصمًا جديدًا عند التسويق بسبب انخفاض الجودة وقصر العمر التخزيني.

 

وفوق ذلك، يؤدي الخوف من مزيد من هبوط الأسعار إلى دفع بعض المنتجين لطرح المحصول سريعًا، وهو ما قد يزيد المعروض مؤقتًا ويضغط على السعر الذي يحصل عليه الفلاح رغم ارتفاع التكلفة.

 

وفي المقابل، يؤدي نقص المعروض بين العروات إلى قفزات مفاجئة في أسعار التجزئة، فتتكرر دورة يدفع فيها المستهلك سعرًا مرتفعًا من دون أن يحصل المنتج بالضرورة على هامش يعوض مخاطر الزراعة.

 

وبذلك، تصبح إدارة محصول الطماطم أوسع من مكافحة حشرة، إذ ترتبط بتوقيت العروات وتكلفة المدخلات ونظم الإنذار المبكر والإرشاد والتسويق، وهي حلقات يؤدي ضعف إحداها إلى تحميل الخسارة للفلاح والمستهلك.

 

كما تحتاج مواجهة المقاومة إلى رقابة مستمرة على المبيدات المتداولة وجودتها وطريقة استخدامها، لأن الإفراط في الرش أو استخدام مركبات غير مناسبة لا يهدر الأموال فقط، بل يسرّع تطور مقاومة الآفة.

 

وفي السياق نفسه، تجعل البيانات المتباينة عن حجم الإصابة وجود نظام رصد منشور أكثر أهمية، بحيث يعرف المزارعون نسب الإصابة وتوزيعها والمجموعات الفعالة بدل الاعتماد على تقديرات متضاربة بين الحقول والتجار.

 

ومن ثم، فإن استمرار التعامل مع الطماطم بوصفها محصولًا تتحكم فيه «المفاجآت» يترك الفلاح تحت رحمة ثلاثة مخاطر متزامنة، هي الآفة وتكلفة المكافحة وسعر سوق لا يستطيع توقعه قبل الحصاد.

 

وفي النهاية، تضع حشرة «توتا أبسولوتا» القطاع الزراعي أمام اختبار واضح، فوجود الأبحاث والحملات والتوصيات لا يكفي وحده إذا بقي المزارع يواجه الإصابة بعد وقوعها ويتحمل وحده فارق الإنتاج والسعر.

 

وبينما تظل تقديرات انتشار الحشرة محل اختلاف بين ممثلي المنتجين والتجار، فإن تراجع الإنتاج في الأراضي المصابة ومقاومة بعض المبيدات وارتفاع التكلفة حقائق تجعل الوقاية المنظمة أقل كلفة من انتظار محصول مثقوب وخسارة مؤكدة.