أعاد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي يتولى رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية في قطر، هجوم الدوحة إلى واجهة النقاش الإقليمي، مؤكدًا أن استهداف وسيط أثناء مفاوضات نشطة يمثل سابقة خطيرة.

 

وجدد آل ثاني، خلال مقابلة مع الإعلامي البريطاني بيرس مورجان، إدانة الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف الدوحة في سبتمبر 2025، معتبرًا أن الضربة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى تقويض مسار الوساطة.

 

 

هجوم الدوحة يهز قواعد الوساطة

 

وفي حديثه عن ملابسات الهجوم، قال آل ثاني إن قطر كانت تتحرك لدفع مقترح دونالد ترامب إلى الأمام عندما تعرضت العاصمة القطرية للاستهداف، وهو ما وصفه بأنه أمر غير مقبول ومدان.

 

كما اعتبر أن مهاجمة دولة تقوم بدور الوسيط بين طرفين متحاربين تمثل تطورًا غير مسبوق، لأن الوسطاء عادة ما يحصلون على مساحة آمنة تسمح لهم بنقل المقترحات والحفاظ على قنوات الاتصال.

 

ومن هذا المنطلق، وضع المسؤول القطري الهجوم في إطار أوسع من مجرد استهداف أعضاء في حركة حماس، معتبرًا أن الضربة أصابت مبدأ الوساطة نفسه وهددت الثقة المطلوبة لاستمرار أي مفاوضات.

 

وبحسب الوقائع المعلنة، وقع الهجوم في 9 سبتمبر 2025 واستهدف مقرات سكنية كان يوجد فيها أعضاء من المكتب السياسي لحماس، بينما كانت مفاوضات غير مباشرة بشأن غزة تتحرك بوساطة قطرية ومصرية وأمريكية.

 

وفي حصيلة أعلنتها قطر، أدى الهجوم إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة ثمانية عشر آخرين، فيما أدانت الدوحة الضربة واعتبرتها انتهاكًا مباشرًا لسيادتها وللقواعد المنظمة للعلاقات بين الدول.

 

كما أثار الاستهداف إدانات عربية ودولية، إذ اعتبرت جهات رسمية وخبراء أمميون أن ضرب موقع مرتبط بمفاوضات قائمة يهدد جهود وقف القتال ويقوض البيئة الضرورية لأي تسوية تفاوضية.

 

وفي المقابل، قالت إسرائيل إن العملية استهدفت قيادات من حماس، وقدمتها باعتبارها جزءًا من عملياتها ضد الحركة، بينما رفضت قطر هذا التبرير وعدته انتهاكًا لسيادتها ولدور الوساطة.

 

ومن ناحية أخرى، شدد آل ثاني على أن الهجوم لم يوقف الدوحة عن مواصلة دورها، لكنه أشار إلى أن استهداف الوسيط يضعف الثقة ويجعل المهمة أكثر تعقيدًا في أزمات تحتاج أصلًا إلى قنوات اتصال صعبة.

 

وبذلك، يعود هجوم سبتمبر إلى النقاش بعد أكثر من عام بوصفه محطة غير عادية في مسار الحرب، لأن الضربة طالت عاصمة دولة كانت طرفًا أساسيًا في نقل المقترحات بين الجانبين.

 

 

قطر تتمسك بدور الوسيط

 

وفي المقابلة نفسها، أكد آل ثاني أن الدوحة ستواصل الاعتماد على الدبلوماسية رغم ما وصفه بتجاوز الخطوط الحمراء، مشددًا على أن الوساطة تظل وسيلة ضرورية لوقف الحروب عندما تنغلق قنوات الاتصال المباشر.

 

كما أوضح أن دور الوسيط لا يعني تبني مواقف أحد الأطراف، بل يتطلب القدرة على التواصل مع الجميع ودفع المقترحات ومحاولة تضييق الفجوات، حتى عندما تكون الخلافات السياسية والعسكرية في ذروتها.

 

ومن هذا المنطلق، تبدو واقعة الدوحة بالنسبة للمسؤول القطري تهديدًا لنموذج الوساطة نفسه، لأن الطرف الذي ينقل المقترحات يحتاج إلى ضمانات تسمح له باستضافة الوفود من دون أن يتحول المكان إلى ساحة استهداف.

 

وفي الوقت ذاته، كانت قطر إلى جانب مصر والولايات المتحدة تقود اتصالات غير مباشرة بين حماس وإسرائيل للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتبادل الأسرى، وهي مهمة استمرت رغم موجات التصعيد المتلاحقة.

 

وبينما كان الهجوم يقع، كانت المفاوضات تدور حول مقترح أمريكي جديد، وهو ما استند إليه آل ثاني في تأكيده أن الضربة لم تستهدف موقعًا فحسب، بل أصابت عملية سياسية كانت تتحرك بالفعل.

 

ومن جهة أخرى، رأى آل ثاني أن نتنياهو يحاول توجيه اللوم إلى أطراف أخرى بدل مراجعة سياسات حكومته، واتهمه باستخدام الهجوم السياسي على قطر للتأثير في الرأي العام وتقديم رواية مغايرة.

 

كما أكد أن بلاده لن تتراجع عن الوساطة بسبب الضغوط السياسية، معتبرًا أن بقاء قنوات الحوار مفتوحة أكثر أهمية كلما اتسعت الحرب وتعقدت الملفات الإنسانية والأمنية المرتبطة بقطاع غزة والمنطقة.

 

وفي هذا السياق، يحمل تمسك الدوحة بالوساطة دلالة إضافية بعد تعرضها للهجوم، إذ تحاول الفصل بين اعتراضها على الضربة وبين استمرار دورها في البحث عن مسارات توقف القتال وتعيد المفاوضات.

 

وبالتالي، فإن إعادة الحديث عن هجوم 2025 ليست مجرد استعادة لواقعة سابقة، بل رسالة بأن حماية الوسطاء أصبحت جزءًا من شروط نجاح أي مسار تفاوضي في النزاعات الإقليمية المعقدة.

 

 

غزة تعيد الاتهامات للواجهة

 

وفي الجزء الأكثر حدة من المقابلة، وصف آل ثاني ما يجري في غزة بأنه جرائم حرب، وحمل نتنياهو المسؤولية السياسية عنها، مستخدمًا توصيفًا شديدًا يعكس اتساع الخلاف بين الدوحة والحكومة الإسرائيلية.

 

كما أشار إلى استهداف مستشفيات ومدارس في القطاع، وقال إن المبررات المقدمة لا تبرر حجم ما وقع، فيما تنفي إسرائيل اتهامات الإبادة وتقول إنها تستهدف حماس وتحاول تقليل الخسائر المدنية.

 

ومن ناحية أخرى، أدان آل ثاني هجوم السابع من أكتوبر 2023 ووصفه بالمجزرة، وقال إن المسؤولين عنه يجب أن يحاسبوا، لكنه شدد على أن ذلك لا يبرر حجم الرد الإسرائيلي اللاحق.

 

وفي المقابل، يضع هذا الموقف قطر في مساحة تجمع بين استمرار الاتصال بحماس ضمن دور الوساطة وبين توجيه إدانة صريحة للهجوم الذي أشعل الحرب، مع رفض ما تعتبره الدوحة تجاوزات إسرائيلية واسعة.

 

كما أن وصف هجوم الدوحة بأنه تجاوز للخطوط الحمراء يعكس رؤية قطرية تعتبر أن الصراع انتقل من غزة إلى تهديد قواعد العمل الدبلوماسي نفسها، بما يرفع كلفة استمرار الحرب إقليميًا.

 

ومن جهة أخرى، كان خبراء أمميون قد اعتبروا هجوم سبتمبر انتهاكًا لسيادة قطر وتهديدًا لجهود الوساطة، مؤكدين أن استهداف فريق تفاوضي يقوض أبسط قواعد صناعة السلام والحوار بين الخصوم.

 

وفي السياق ذاته، تبقى واقعة مقتل ستة أشخاص وإصابة ثمانية عشر آخرين عنصرًا أساسيًا في الموقف القطري، لأنها حولت الخلاف السياسي حول الوساطة إلى حادث أمني مباشر داخل الدوحة.

 

وبينما تستمر قطر في تقديم نفسها وسيطًا قادرًا على التواصل مع أطراف متعارضة، تضع تصريحات آل ثاني الجديدة هجوم العام الماضي في قلب النقاش حول حدود القوة العسكرية وحماية الوسطاء.

 

وفي النهاية، يعيد حديث آل ثاني رسم صورة هجوم الدوحة باعتباره أكثر من عملية عسكرية عابرة، إذ يربطه بمستقبل الوساطة وبالثقة بين الأطراف وبقدرة المنطقة على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.