أعاد اختفاء محمد عبدالفتاح، وصيف بطل العالم للكيك بوكسينج، فتح جرح الرياضة المصرية؛ طفل يصعد منصة التتويج ثم يغيب عن بعثته، بينما ينشغل المسؤولون بالدفاع عن صورتهم، وتتراجع الأسئلة عن مستقبل اللاعبين وظروفهم.

 

وتطرح الواقعة سؤالًا يتجاوز تفاصيل المغادرة: ماذا تقدم المنظومة الرياضية لأبنائها حتى يتمسكوا بالبقاء؟ فشهادات لاعبين عن ضعف الأجور وغياب الأمان، وشكاوى تحميلهم تكاليف المشاركة، تجعل اختزال الأزمة في «تصرفات فردية» تهربًا من المسؤولية.

 

 

ثلاثة أسماء تعيد فتح الجرح

 

تضم الوقائع التي أمكن توثيقها خلال 2026، حتى 29 سبتمبر، ثلاثة أسماء: المصارعين زياد حجاج ومحمد مصطفى علي الشامي، ولاعب الكيك بوكسينج محمد عبدالفتاح، دون توافر حصر رسمي شامل يضمن عدم وجود حالات أخرى.

 

ففي أغسطس، غادر زياد حجاج، البالغ 19 عامًا، مقر بعثة منتخب الشباب للمصارعة في سلوفاكيا، وانقطع الاتصال به، لتعلن وزارة الشباب والرياضة فتح التحقيقات واتخاذ الإجراءات المتعلقة بمغادرته البعثة خلال المشاركة الدولية.

 

وبعدها، أُعلنت واقعة محمد مصطفى علي الشامي، الذي غادر محيط بعثة المصارعة خلال الترانزيت في روما، أثناء العودة من دورة ألعاب البحر المتوسط، وأُحيلت الواقعتان إلى النيابة العامة لتحديد المسؤوليات.

 

ثم جاء اختفاء محمد عبدالفتاح، البالغ 15 عامًا، عقب إحرازه فضية بطولة العالم للناشئين والشباب بمدينة جيسولو الإيطالية، ليضيف اسمًا جديدًا إلى الملف، وينقل الأزمة من بساط المصارعة إلى الكيك بوكسينج.

 

وفي رواية مسؤولي الاتحاد، غادر الطفل بعد طلب دخول الحمام، تاركًا متعلقاته بالفندق، بينما بقي جواز سفره لدى مسؤول البعثة؛ لكن تلك التفاصيل لا تثبت وحدها دوافع المغادرة ولا صحة فرضية المساعدة الخارجية.

 

ومع وصف محمد صبيح، المسؤول عن اتحاد الكيك بوكسينج، الواقعة بأنها إساءة للبعثة، وإعلانه البحث عن اللاعب عبر الشرطة الإيطالية، تبقى الأولوية لسلامة الطفل، ثم مساءلة المسؤولين عن رعايته ومتابعته.

 

وبالتالي، فإن تكرار المغادرة خلال أسابيع يستدعي تحقيقًا يتجاوز سؤال كيفية الخروج من الفندق أو المطار، إلى أسباب فقدان الثقة في المستقبل الرياضي، ومدى قدرة المؤسسات على حماية اللاعبين من التهميش.

 

 

أجور هزيلة ومستقبل بلا ضمان

 

وفي صلب الأزمة، تقف شهادة زياد حجاج، الذي قال إن ما يحصل عليه شهريًا يبلغ 700 جنيه، متحدثًا عن أعباء تحملها والده، وعن مشاركته مصابًا، وسفره منفردًا من القاهرة إلى سلوفاكيا.

 

كما تضع روايته طريقة التعامل مع اللاعب تحت المساءلة؛ فالسفر المنفرد والحديث عن الإصابة يستوجبان مراجعة الرعاية والإشراف، بدل الاكتفاء بتصوير الرياضي بوصفه متهمًا، وتجاهل الظروف التي قال إنه واجهها داخل المنظومة.

 

وفي المقابل، قال سعيد صلاح، المسؤول عن اتحاد المصارعة، إن الشامي وحجاج يحصلان على مبالغ شهرية تتراوح بين 12 و15 ألف جنيه؛ وهو تناقض يستلزم نشر المستحقات الفعلية ومصادرها ومواعيد صرفها.

 

لكن محمد إبراهيم كيشو، صاحب الميدالية الأولمبية، رد بأن أرقام الرواتب المعلنة بعيدة عن الواقع الذي يعرفه، وقال إن معاش ميداليته الأولمبية يبلغ 1500 جنيه، وهو معاش محدد وليس بيانًا بإجمالي دخله.

 

أما محمد الشامي، فربط قراره بضيق المعيشة وثقل المسؤولية الأسرية، موضحًا أن الدعم لا يوفر حياة كريمة، وأنه يخشى الإصابة أو الاعتزال دون سند، بعد سنوات قضاها في التدريب والمنافسة وحصد البطولات.

 

وأضاف في رسالته أن الاستمرار بالظروف نفسها لن يمكنه من شراء شقة حتى بعد 15 عامًا؛ وهي شهادة تضع الحلم الأولمبي أمام احتياجات أساسية يعجز الخطاب الاحتفالي عن الإجابة عنها.

 

واللافت أن وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل أقر، خلال سبتمبر، بأن بعض المغادرين لديهم جانب من الحق، وتحدث عن مشكلات مالية وأسرية، مستندًا أيضًا إلى مشاهداته لطريقة التعامل داخل البعثات.

 

لذلك، يبدو تحميل اللاعبين وحدهم المسؤولية محاولة لإعفاء الإدارة من حساب مستحق؛ فالموهبة تحتاج دخلًا منتظمًا، وعلاجًا، وتأمينًا للمستقبل، ومعاملة تحفظ الكرامة، ولا تستطيع العيش على صور التكريم ووعود تتبخر بانتهاء البطولة.

 

 

ادفع أولًا كي تمثل بلدك

 

وتمتد الأزمة إلى تمويل المشاركة نفسها؛ ففي يوليو، اشتكى الملاكم حسام حسن من مطالبته بسداد 90 ألف جنيه للمشاركة ببطولة البحر المتوسط، معتبرًا أن التكلفة تهدد فرصته في تمثيل مصر دوليًا.

 

وفي رده، أرجع مجدي اللوزي، المسؤول عن اتحاد الملاكمة، استبعاد اللاعب إلى النتائج والمعايير الفنية، وقال إن التمويل يركز على الأقرب لحصد الميداليات، ضمن توجه يستهدف الحد مما وصفه بهدر الأموال.

 

غير أن هذا الرد لا يغلق السؤال: هل يستطيع غير المختار المشاركة إذا دفع؟ وإذا كانت القدرة المالية تفتح بابًا تغلقه معايير الاختيار، فإن تكافؤ الفرص يصبح محل شك ويستوجب توضيحًا معلنًا.

 

كذلك، قال محمد صبيح إن لاعبي الكيك بوكسينج خاضوا البطولة دون دعم أو رعاية، بينما استشهد بلاعب مزدوج الجنسية شارك على نفقته؛ وهي صورة تثير أسئلة عن كفاية التمويل المؤسسي واستدامته.

 

ومن هنا، فإن تمويل الأسر للمشاركة يهدد بتحويل التفوق الرياضي إلى امتياز مرتبط بالدخل؛ فاللاعب محدود الإمكانات قد يخسر فرصته قبل المنافسة، مهما اجتهد، بينما تتقدم القدرة على الدفع على حقه في التطور.

 

وفي النهاية، لن يتوقف المسلسل بتعهدات الأهالي والوعيد وحدهما؛ المطلوب كشف حساب للتمويل والأجور والاختيار والرعاية، ومحاسبة التقصير. فكل موهبة تفقد الأمل تفضح منظومة تجيد الاحتفاء بالميدالية، وتعجز عن تأمين حياة صاحبها.