يفتح تفويض قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع بصلاحيات في قانون التعبئة العامة أسئلة تتجاوز الإجراءات الإدارية، مع تصاعد المواجهة بين السعودية والحوثيين، ويضع حدود الدعم المصري وكلفة الالتزامات الإقليمية أمام اختبار الشفافية والمساءلة.
ويعيد القرار طرح سؤال الموارد التي تستطيع السلطة تحريكها، والضمانات التي تحمي أصحابها، بينما يظل الربط بين التفويض ودخول الحرب احتمالًا سياسيًا يحتاج دليلًا، لا نتيجة يثبتها تزامن القرارات والتوترات الإقليمية.
صلاحيات واسعة خلف وصف إداري
فقد أصدر السيسي القرار رقم 395 لسنة 2026، مفوضًا وزير الدفاع والإنتاج الحربي أشرف سالم زاهر في اختصاصات المواد 9 و12 و24، لمدة عام يبدأ أول نوفمبر المقبل.
وبموجب المادة التاسعة، يمكن تكليف أشخاص تقتضي الضرورة تكليفهم بأعمال للمجهود الحربي أو مواجهة الكوارث والأزمات، ما يجعل نطاق الصلاحيات متصلًا مباشرة بحياة المدنيين وعملهم، وليس بالشؤون العسكرية الداخلية وحدها.
أما المادة الثانية عشرة، فتنظم الاعتراض على أوامر التكليف خلال سبعة أيام، وتحيل قواعد الفصل فيه إلى قرار تنظيمي، مع استمرار التنفيذ رغم الاعتراض، وهو ترتيب يستدعي ضمانات فعلية للمتضررين.
كذلك تشمل المادة الرابعة والعشرون تدابير للاستيلاء على مواد ووقود وأغذية وعقارات ومحال، واستعمال وسائل نقل واتصال ومعدات أو الاستيلاء عليها، ضمن الأغراض القانونية المحددة للمجهود الحربي ومواجهة الأزمات والكوارث.
ومن ثم، يبدو اختزال هذه السلطات في تسهيل المعاملات تقليلًا من وزنها؛ فالقدرة على توجيه عمل الأفراد والتصرف في الموارد تستوجب شرحًا عامًا للحدود والضمانات، يتجاوز عبارات الجاهزية الفضفاضة والطمأنة المجانية، خصوصًا حين تمس قرارات التنفيذ أرزاق الناس وحقوقهم.
وفي هذا السياق، شدد أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية، في مقال سابق ، على ضرورة إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية لرقابة وطنية مسؤولة، وحماية حقوق الأفراد وإبعادها عن السياسة.
وبناء على ذلك، فإن السؤال الملح يتعلق بمن يراجع استخدام التفويض وكيف تُحمى الحقوق عند التنفيذ؛ إذ لا تعوض عبارة الأمن القومي غياب الإجابات، ولا تمنح القرارات حصانة من المحاسبة.
ومع ذلك، يستند القرار إلى تفويض سابق صدر عام 2025، وهو ما يضعه ضمن مسار متكرر، ويمنع اعتباره وحده إعلان تعبئة جديدة أو دليلًا قاطعًا على استعداد مصري لحرب خارجية.
السعودية والحوثيون وحدود الارتباط المحتمل
في المقابل، يفسر التصعيد المحيط بالسعودية سبب الاهتمام بتوقيت التفويض؛ فالقاهرة تواجه سؤالًا حساسًا حول المسافة بين التضامن السياسي، وتأمين الملاحة، وتقديم دعم عسكري قد تتسع التزاماته خارج الحسابات الأولية.
وفي اجتماع نيويورك يوم 21 سبتمبر، أدان وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان الهجمات التي تستهدف المملكة، وأكدوا دعم أمنها، بالتوازي مع التشديد على الدبلوماسية والحوار وتسوية الصراع اليمني سياسيًا.
وعليه، تثبت هذه المواقف وجود دعم سياسي مصري للسعودية، لكنها لا تثبت أن تفويض التعبئة صدر لتنفيذ مشاركة قتالية ضد الحوثيين؛ فالنص المنشور لا يحدد اليمن ساحة لاستخدام الصلاحيات المفوضة.
ومن زاوية أوسع، يوضح بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، في دراسة منشورة خلال سبتمبر، أن التحرك المصري بالبحر الأحمر يواجه قيودًا تحد من قدرته على استعادة النفوذ.
كما يربط شافعي حسابات القاهرة بحماية الملاحة ومصالح قناة السويس، ويعرض تمسكها بالحل السياسي ورفض توسيع التدخل العسكري، بما يبرز التناقض بين اتساع التهديدات ومحدودية أدوات التعامل معها.
لذلك، فإن العلاقة المحتملة بالملف السعودي تقع عند تقاطع الاستعداد للأزمات وحماية المصالح البحرية، لكنها تظل قراءة للسياق؛ ولا يصح تحويل امتلاك أدوات التعبئة إلى تأكيد أن استخدامها العسكري أصبح مقررًا.
غير أن هذا التمييز لا يعفي السلطة من المسؤولية السياسية؛ فالمطلوب إعلان حدود الالتزامات المصرية بوضوح، بدل ترك المجال لتطمينات عامة وتأويلات متضاربة حول ما يمكن تقديمه للحلفاء وحجم تكلفته، فالغموض هنا يضاعف القلق بدل أن يبدده.
وبالمثل، لا يجوز أن تتحول حماية الملاحة إلى عنوان مفتوح لتبرير أي انخراط؛ إذ ينبغي تحديد المهمة ومدتها ومخاطرها، حتى لا يصبح دعم السعودية مدخلًا لاستنزاف تتراكم التزاماته بلا سقف.
موارد المصريين ليست شيكًا مفتوحًا
وعلى الصعيد الداخلي، تضع قابلية تحريك الموارد مسألة توزيع الأعباء في الواجهة؛ فمن يتحمل تعطيل نشاطه أو تغيير عمله يحتاج ضمانات واضحة، ولا يكفي إخباره بأن الترتيبات تخدم مصلحة عامة.
وفي تشريحه للاقتصاد العسكري، رأى يزيد صايغ، الباحث في العلاقات المدنية العسكرية، أن اتساع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية يعيد إنتاج مشكلات هيكلية، ويشوه تنمية القطاع الخاص ويضعف الشفافية.
ومن هذه الزاوية، يصبح الفصل بين مقتضيات الدفاع وإدارة النشاط المدني ضرورة؛ فالصلاحية الاستثنائية قد تفرض أعباء واسعة، ولذلك يجب أن تقترن برقابة تمنع تمدد استخدامها خارج الضرورة التي تبررها.
فضلًا عن ذلك، فإن أي دعم خارجي يحمل تكلفة اقتصادية محتملة، سواء عبر الموارد اللوجستية أو الإنفاق أو تعطل التجارة؛ ولهذا تستحق الأولويات المعيشية مكانًا واضحًا في حسابات القرار والمساءلة.
وفي المقابل، لا تعني مساندة أمن السعودية منح السلطة المصرية تفويضًا شعبيًا مفتوحًا؛ فمصالح الدول قد تتقاطع في حماية الممرات البحرية، لكنها تحتاج تحديدًا دقيقًا قبل تحويلها إلى التزامات عسكرية.
وبالتالي، يجب أن تتقدم أسئلة الضرورة والمدة والتمويل والرقابة على خطاب الاستعراض؛ فلا قيمة لوعود الكفاءة إذا عجز المتضرر عن معرفة حقوقه، أو أصبحت السرعة التنفيذية مبررًا لتجاوز الضمانات المطلوبة في كل مراحل التنفيذ.
وأخيرًا، فإن جوهر القضية ليس انتظار إعلان الحرب، وإنما منع إدارة احتمالها بعيدًا عن المجتمع؛ فالسيسي مطالب بتفسير حدود التفويض وصلته بالالتزامات الإقليمية، بدل الاكتفاء بالنصوص وإلقاء تبعات التأويل على الناس.
وهكذا، يبقى دعم السعودية ضد تهديدات الحوثيين ملفًا يحتاج سياسة معلنة وحدودًا محسوبة، بينما يستوجب التفويض رقابة تناسب ثقله؛ فموارد المصريين وأرواحهم ليست رصيدًا تتصرف فيه السلطة بلا حساب.

