علي باكير
كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران
عندما قامت إسرائيل والولايات المتّحدة بالاعتداء على إيران، ردّت إيران بالاعتداء على الدول العربية المجاورة بسبب عدم قدرتها على الانخراط في حرب مباشرة مع المعتدين. ولكي تبرر عدوانها على الدول العربية، أوجدت واستخدمت سرديّات متهافتة ومتناقضة.
واحدة من السرديات التي تم استخدامها في تبرير مهاجمة المنشآت النفطية للدول المجاورة وإغلاق مضيق هرمز هو أنّ ذلك من شأنه أن يرفع أسعار النفط العالمية وأن يضغط على الاقتصاد العالمي بشكل يؤدي إلى ارتفاع الضغط الشعبي المحلي في الولايات المتّحدة الأمريكية ضد ترامب من جهة، وكذلك الضغط الخارجي عليه من قبل كبر الدول المصدّرة للطاقة في الخليج والمستوردة للطاقة في شرق آسيا بما يؤدي إلى إيقاف الحرب.
ونتيجة لاستهدافها منشآت الطاقة، والبنى التحتية للطاقة في الدول الخليجية، وتعطيلها لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز، تسببت إيران بخسائر وأضرار تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات. وبالرغم من كل ذلك، لم يؤد السيناريو المفترض والمرسوم من قبل إيران الى النتيجة المرجوّة التي كانت السرديّة الإيرانية تروّج لها.
المشكلة الأساسية لا تكمن في السردية فقط، وإنما في حقيقية انّ الخطوة الإيرانية أدّت الى نتائج عكسية غالبًا ما يتم طمسها أو تجاهلها او الإمتناع عن مناقشتها. بمعنى آخر، في الوقت الذي يتم فيه الترويج بأنّ السياسة الإيرانية ادّت الى الاضرار بالولايات المتّحدة الامريكية، الا انّ الوقائع تقول انّها في كثير من الأحيان أفادتها أيضًا.
ففي المثال الذي نناقشه حول الطاقة، وبعد إغلاق مضيق هرمز وانقطاع الامدادات، راحت كبرى الدول المستوردة للطاقة تعتمد على ثلاثة أمور. أولًا، مخزوناته الاستراتيجية. وقد تبيّن أنّ هذه الدول قادرة على التخفيف من وطأة وضغط ارتفاع الأسعار وانقطاع الامدادات لفترة غير قليلة على الإطلاق. ثانيًا، تنويع الواردات لتغطية العجز وذلك بالاعتماد على دول أخرى وعلى المتاح من الطاقة في السوق.
ثالثًا، وهو الأهم، البحث عن مصدر موثوق لصادرات الطاقة. أظهرت السياسة الإيرانية للدول المستوردة انه لا يمكن الاعتماد على نفط وغاز دول الخليج العربي كمصدر موثوق للطاقة. هذا الامر يخلق وضعًا من شانه ان يحدث تغيّرًا هيكليًا في سوق الطاقة ويدفع كبرى الدول المستوردة للبحث عن مصدر موثوق للطاقة. المفارقة هنا أن كبرى الدول المستوردة للطاقة في العالم توجّهت الى الولايات المتّحدة للتعويض عن نفط الخليج.
بمعنى آخر، دفع العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي كبرى الدول المستوردة للطاقة باتجاه الولايات المتّحدة. لم تستفد الأخيرة من زيادة صادراتها وارتفاع أسعار الطاقة في هذه الحالة فقط، وإنما من ربط هذه الدول بالولايات المتّحدة مع ما لهذا الربط من انعكاسات سياسية وأمنيّة. السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الوضع يتعلق فيما اذا كانت هذه الدول ستعتبر الوضع الحالي استثناءً، وعليه ستعود إلى سياساتها السابقة فور انتهاء الحرب، وعمّا إذا كانت دول الخليج العربية قادرة كذلك على العودة سريعًا إلى السوق بعد انتهاء الحرب بالشكل الذي كانت عليه الأمر قبل اندلاعها.
وفقًا للمعطيات الحالية، فإنّ الجواب على السؤال الثاني لا يتعلق فقط بالعودة اللوجستية لناحية كمية التصدير فقط، وإنما بالقدرة على إقناع المستوردين أنّ دول الخليج ستعود كمصدر موثوق لصادرات الطاقة وأنّ الانقطاع الذي حصل هو مجرد استثناء وأنّ إغلاق مضيق هرمز لن يتكرر مستقبلًا.
وفي كلتا الحالتين، يبدو الجواب سلبيًا. ففي الحالة القطرية على سبيل المثال، تشير بعض التصريحات الرسمية إلى أنّ قطر سيلزمها حوالي عامين من العمل الدؤوب لإصلاح الأضرار التي تسبب بها العدوان الإيراني، كما أنّ أحدًا ليس باستطاعته أن يضمن أنّ العدوان الإيراني لن يتكرر سواء تجاه دول الخليج أو فيما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز.
لكن المشكلة الأخرى والمتعلقة بالتساؤل الأوّل هو أنّ كبرى الدول المستهلكة للطاقة ستتجه حتمًا إلى اعتماد سياسة تنويع في جميع الحالات، وسيأتي ذلك بالضرورة على حساب دول مجلس التعاون الخليجي. ويبقى السؤال عما إذا كانت كبرى الدول المستوردة للنفط والغاز ستبقي العلاقة التي أنشأها العدوان الإيراني على دول الخليج مع الولايات المتّحدة قائمة باعتبار أنّه لا يمكن لأحد أن يهدد إمدادات الطاقة الصادرة من الولايات المتّحدة، وبالتالي ستتحول واشنكن إلى مصدر الطاقة الموثوق بدلا من دول الخليج.
مثل هذه النقاشات التي تشير إلى عبثية السياسات الإيرانية، وكيف تؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية، تغيب عن طاولة البحث لدى المؤيدين للسياسة الإيرانية حيث يغيب التفكير النقدي ويحل محله الشعور الرغائبي كموجّه ليس للموقف من الأحداث فحسب، وإنما للسياسات العبثية التي يعتقد هؤلاء أنّه يجب تأييدها واتّباعها والدفاع عنها.

