تدفع الحكومة سوق الخبز السياحي والفينو نحو زيادة جديدة، بعدما أبلغت شعبة المخابز بتوقع صدور قرار قريب يرفع الأسعار، بينما لم تُعلن بعد تفاصيل القرار أو موعد تطبيقه، تاركة الأسر أمام ترقب مكلف مع بداية العام الدراسي.
وتضع قفزة أسعار الدقيق المخابز والمستهلكين في مواجهة مباشرة، فيما تكشف مناشدة تثبيت الأسعار مؤقتًا عن فجوة بين كلفة الإنتاج والقرارات الحكومية التي تتأخر حتى تتراكم الضغوط، ثم يظهر المواطن باعتباره الحلقة الأضعف في كل تعديل.
الخبز بين الكلفة والقرار
وقال خالد فكري، رئيس شعبة المخابز بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن الشعبة تلقت وعدًا من وزارة التموين بقرار قريب لزيادة أسعار الخبز السياحي والفينو، مع تأكيده أن الأسعار لم ترتفع حتى الآن، وفق المعلومات المعلنة.
ويضع هذا الوعد المستهلك أمام زيادة معلقة بلا موعد واضح، بينما تستمر المخابز في البيع وفق الأسعار الحالية، وتبقى الأسر عاجزة عن معرفة ما إذا كان ثبات السعر سيستمر أيامًا أم ينتهي بقرار مفاجئ.
ومنذ 14 يوليو، ارتفع سعر طن الدقيق وتراوح بين 17 ألفًا و21 ألف جنيه، كما زادت الشيكارة بنحو 200 جنيه، وهي أرقام تضغط على تكلفة الإنتاج وتفسر مطالبة أصحاب المخابز بمراجعة السعر.
لكن انتقال أثر الزيادة إلى المستهلك لا يبدو تفصيلًا فنيًا محدودًا، فالخبز سلعة يومية تعتمد عليها أسر كثيرة، وأي تحريك في سعره يقتطع جزءًا جديدًا من ميزانية تتآكل أصلًا تحت وطأة الغلاء.
وبحسب فكري، اجتمعت شعبة المخابز في الغرفة التجارية لمناقشة ارتفاع الدقيق، وانتهى الاجتماع إلى مطالبة المخابز بتثبيت أسعار الخبز السياحي والفينو مؤقتًا، إلى حين الحصول على موافقة وزارة التموين بشأن الزيادة.
ويكشف هذا الترتيب عن سوق تنتظر إشارة الوزارة كي تعيد تسعير رغيفها، بدلًا من وجود آلية معلنة توازن بين تغير كلفة الدقيق وقدرة المواطنين على الدفع، وتحسم الزيادة قبل انتقال عبئها إلى البيوت.
كما أن تثبيت السعر مؤقتًا لا يضمن بقاءه، ما دام أصحاب المخابز يربطون استمرار الأسعار بموافقة حكومية مرتقبة، وما دامت تكلفة الدقيق ترتفع من دون إعلان واضح عن سقف السعر الجديد أو توقيت تطبيقه.
ويؤكد فكري استمرار الالتزام بالتوجيه الوزاري رقم 6 لسنة 2026، الذي يحدد أسعار وأوزان الخبز السياحي والفينو، غير أن هذا الالتزام يبقى معرضًا للاهتزاز كلما اتسعت فجوة التكلفة قبل صدور قرار حكومي جديد.
الدقيق يسبق الرقابة الرسمية
وفي ظل هذه التطورات، لا تقف الأزمة عند احتمال زيادة السعر، بل تمتد إلى سؤال أوسع عن قدرة الرقابة على حماية المستهلك من التلاعب بالوزن والسعر، خصوصًا حين تتغير الأسعار قبل أن تتضح قواعد تطبيقها.
وقد حذر النائب طلعت السويدي، عضو مجلس النواب، في سؤاله البرلماني الموجه إلى وزيري التموين والتنمية المحلية والبيئة، من استمرار مخالفات أسعار وأوزان الخبز الحر والمدعم وعدم الالتزام بالأسعار المعلنة.
ويضع السؤال البرلماني ملف الرقابة أمام الحكومة، بعدما أشار السويدي إلى تكرار التلاعب بالأوزان والأسعار وعدم الإعلان عنها، وهي ممارسات تجعل المستهلك يدفع ثمنًا أعلى من دون ضمان حصوله على الوزن المقرر.
كذلك تبرز الفجوة بين القواعد المكتوبة وما يحدث في المخابز؛ فالقرار الوزاري يحدد الأوزان والأسعار، لكن النائب يتحدث عن مخالفات متكررة، ما يثير تساؤلات حول فاعلية المتابعة اليومية وقدرتها على منع التجاوزات.
وأشار السويدي إلى ضبط كميات من الدقيق الأبيض والبلدي المدعم خلال حملات رقابية، معتبرًا أن هذه الوقائع تستدعي استمرار جهود الأجهزة المعنية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا عن حجم المخالفات التي لا تُكتشف.
وعلى هذا الأساس، دعا النائب إلى رقابة يومية واستباقية، بدل الاكتفاء بحملات مفاجئة تنفذ من وقت إلى آخر؛ فالمخالفة التي لا تُرصد إلا بعد وقوعها تترك المجال مفتوحًا لتكرارها وتحميل المواطنين نتائجها.
كما طالب بتحديد المخابز التي تتكرر فيها المخالفات وإخضاعها لتفتيش دوري، بدل التعامل مع كل واقعة كحادث منفصل، لأن تكرار التجاوزات يشير إلى خلل في المتابعة لا تعالجه حملات عابرة.
ويكشف هذا الطرح قصورًا في الاكتفاء بإعلان الضبطيات، إذ يحتاج المستهلك إلى نتائج مستمرة يعرف من خلالها أن السعر والوزن معلنان وملزمان، وأن المخبز المخالف سيُحاسب قبل أن تصبح المخالفة جزءًا من التعامل اليومي.
وعود التسعير بلا حماية
ومن زاوية سوق المخابز، ربط عبد الله غراب، رئيس الشعبة العامة للمخابز، ارتفاع أسعار الخبز السياحي والإفرنجي بصعود طن الدقيق من 17 ألفًا إلى 21 ألف جنيه، موضحًا أن السلعة تخضع للعرض والطلب.
وتعني هذه المعادلة أن زيادة الدقيق قد تتحول سريعًا إلى زيادة في الخبز، بينما لا تظهر في المقابل ضمانات كافية تحمي المستهلك من تغيير الوزن أو رفع السعر بلا إعلان واضح.
وفي هذا السياق، شدد السويدي على أن الحملات المفاجئة وحدها لا تكفي، مطالبًا بتنسيق مستمر بين مديريات التموين والأجهزة التنفيذية بالمحافظات، حتى تُرصد التجاوزات بسرعة وتُتخذ إجراءات قبل اتساع أثرها.
واقترح النائب إنشاء منظومة إلكترونية موحدة تربط المخابز بمديريات التموين وغرف العمليات، لتسجيل الأسعار والأوزان والمخالفات ونتائج الحملات بصورة مستمرة، بما يسمح بمقارنة البيانات ورصد أي تغيير غير معلن.
وتمثل الفكرة اختبارًا لقدرة الجهات الحكومية على تحويل الوعود الرقابية إلى متابعة يمكن قياسها، بدل ترك المستهلك معلقًا بين تعليمات مكتوبة ومخالفات متكررة، لا يعرف معها من يراقب السعر الفعلي للرغيف.
وطالب السويدي أيضًا بإجراءات أكثر حسمًا تجاه المخابز التي تتكرر مخالفاتها، وتفعيل قنوات استقبال شكاوى المواطنين وفحصها سريعًا؛ فالشكاوى التي لا تجد استجابة تزيد شعور الأسر بأن الرقابة لا تتجاوز التصريحات.
وثمّن النائب جهود وزارة الداخلية وقطاع الأمن العام وشرطة التموين في ضبط المخالفات، لكنه شدد على أن ضبط السوق يحتاج تكاملًا بين الدور الأمني والرقابة التموينية والمحلية، ومنع التجاوز قبل وقوعه.
ومع اقتراب قرار زيادة الخبز السياحي والفينو، يبقى السؤال الأهم عن مصير الأسر التي ستدفع الفاتورة، وعن قدرة الحكومة على فرض الأوزان والأسعار المعلنة، لا الاكتفاء بإصدار قواعد لا توقف التلاعب في الأسواق.

